تبون يدفع نحو منظومة وطنية تتجاوز حدود الولاية
بوابة الجزائر الإخبارية: تتجه الجزائر إلى مراجعة طريقة إدارة الكوارث الواسعة، بعدما أظهرت موجات الحرائق الأخيرة أن الولاية لم تعد دائمًا الإطار الكافي لقيادة عمليات الإغاثة عندما تمتد النيران عبر أكثر من إقليم وتفرض تعبئة الطائرات والمروحيات والفرق البرية والموارد الطبية ضمن تنسيق وطني موحد.
وخلال لقائه الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، أوضح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن كل ولاية تتوفر على مخطط لتنظيم عمليات النجدة والتدخل، غير أن الكوارث الكبرى قد تتجاوز حدود هذه المخططات المحلية. ومن هنا، برزت الحاجة إلى تصور جديد يقوم على إدارة المخاطر متعددة الولايات، بدل التعامل مع كل بؤرة حريق داخل حدودها الإدارية الضيقة.
هذا التحول لا يتعلق بتغيير تنظيمي بسيط، بل بإعادة بناء منطق التدخل نفسه. فالحرائق الواسعة لا تنتظر انتقال المراسلات بين الإدارات، ولا تتحرك وفق حدود البلديات والولايات. لذلك تصبح القيادة المركزية القادرة على جمع المعلومات وتوزيع الوسائل وتحديد الأولويات عنصرًا حاسمًا في تقليص الخسائر.
من نقص الوسائل إلى أسطول من 24 طائرة ومروحية
تستند المقاربة الجديدة إلى تطور لافت في القدرة الجوية الجزائرية. ففي حرائق 2021، لم تكن البلاد تملك سوى مروحيتين مخصصتين للإخماد، بينما ارتفع عدد الطائرات والمروحيات المستخدمة خلال موسم 2026 إلى 24 وسيلة جوية، موزعة بين الجيش الوطني الشعبي والحماية المدنية وشركة «طاسيلي» وقطاعات أخرى.
وتضم هذه الوسائل طائرات ثقيلة قادرة على حمل ما بين 12 ألفًا و14 ألف لتر من المياه، إلى جانب مروحيات وطائرات أقل سعة تُستخدم بحسب طبيعة التضاريس وقرب النيران من السكان والمناطق الزراعية. ويمنح هذا التنوع للجزائر قدرة أكبر على الجمع بين التدخل الكثيف في المساحات الواسعة، والتدخل الدقيق في المناطق الجبلية أو الوعرة.
ويعكس هذا الانتقال تحولًا مهمًا في العقيدة الوقائية للدولة. فبدل انتظار اندلاع الحرائق ثم البحث عن وسائل استئجار خارجية، أصبحت الجزائر تتحرك نحو امتلاك قدرة وطنية جاهزة قبل بداية الموسم، بما يسمح بتقليص زمن الاستجابة والتحكم في قرار التدخل منذ اللحظات الأولى.
سوق الاستئجار لم تعد ضمانًا وقت الأزمة
كشفت حرائق 2021 و2022 حدود الاعتماد على الطائرات الأجنبية المستأجرة، بعدما تزامنت حرائق الجزائر مع موجات مماثلة في إسبانيا وإيطاليا واليونان وفرنسا. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الطائرات المتخصصة مشغولة داخل بلدانها أو موجهة إلى أسواق أخرى، ما يجعل الحصول عليها في ذروة الطلب صعبًا حتى عند توفر التمويل.
ومن هذا الباب، لم يعد امتلاك أسطول وطني مسألة كلفة فقط، بل مسألة سيادة عملياتية. فالطائرة التي تملكها الدولة يمكن توجيهها فورًا حسب خريطة الخطر، بينما الطائرة المستأجرة تبقى مرتبطة بعقود وتوافر ومواعيد وتحركات خارجية.
وقد أكد الرئيس تبون أن الجزائر لم تطلب مساعدة دولية خلال الموسم الحالي، وتعاملت مع الحرائق بالوسائل المتوفرة لديها. وهذا لا يلغي أهمية التعاون الدولي عند الضرورة، لكنه يضعه في موقع الدعم الإضافي لا الشرط الأساسي لانطلاق عمليات الإخماد.
تحويل طائرات واقتناء وسائل جديدة
لا يتوقف المسار عند الأسطول الحالي. فقد شرعت وزارة الدفاع الوطني، وفق ما عرضه رئيس الجمهورية، في اتصالات وإجراءات مع الولايات المتحدة وإسبانيا لتحويل بعض الطائرات إلى وسائل قادرة على نقل المياه وإسقاطها فوق مناطق الحرائق، إلى جانب طلب اقتناء طائرات إضافية.
ولم تُعلن بعد تفاصيل دقيقة حول عدد الطائرات المستهدفة أو طرازاتها أو قيمة البرامج أو آجال تنفيذها، ما يعني أن هذه القدرات ما تزال ضمن المرحلة المقبلة، ولا تدخل بعد في حساب الأسطول العامل حاليًا.
ويختلف تحويل طائرة قائمة عن شراء طائرة إخماد مصممة مسبقًا لهذه المهمة. فالتحويل يتطلب تجهيز الطائرة بخزانات وأنظمة إسقاط، ثم إخضاعها لاختبارات السلامة والتوازن والاعتماد الفني، مع تكوين الطيارين والفرق الأرضية على تشغيلها وصيانتها. وقد يوفر هذا الخيار آجالًا أقصر للاستفادة من منصات موجودة، غير أن نجاحه سيرتبط بالكلفة والحمولة والجاهزية وسهولة الصيانة.
القيادة الموحدة أهم من عدد الطائرات
رغم أهمية الوسائل الجوية، فإن عدد الطائرات وحده لا يصنع الفعالية إذا لم يعمل داخل منظومة قيادة دقيقة. فالاستجابة الناجحة تحتاج إلى صورة ميدانية موحدة تجمع مواقع الحرائق، اتجاه الرياح، طبيعة التضاريس، مصادر المياه، مواقع القواعد الجوية، وأقرب فرق التدخل البرية.
هذه الصورة تسمح بتحديد أين يجب أن تتجه الطائرة أولًا، وأي بؤرة تهدد السكان أو البنية التحتية أو الغابات ذات القيمة الأعلى، وأين يمكن للفرق البرية السيطرة وحدها، وأين يجب الدفع بتعزيزات عاجلة. وبهذا المعنى، تصبح إدارة المعلومات جزءًا من عملية الإخماد نفسها، لا مجرد عمل إداري موازٍ.
كما أن الإخماد الجوي لا يكتمل دون فرق أرضية. فإسقاط المياه يخفض شدة اللهب ويبطئ انتشاره، لكن تثبيت السيطرة يحتاج إلى جرافات تفتح المسالك والخطوط العازلة، وأعوان يطفئون الجمر، وفرق تراقب النقاط الساخنة حتى لا تعود للاشتعال بفعل الرياح والحرارة.
الكلفة لا تقاس بسعر الطائرة فقط
طرح الرئيس تبون معيارًا واضحًا حين أكد أن سلامة المواطن لا تقاس بالأموال. وهذا يعني أن تقييم الاستثمار في طائرات الإخماد لا يجب أن يقتصر على سعر الشراء والتشغيل، بل على حجم الخسائر التي يمكن تفاديها.
فكل ساعة تُختصر من عمر الحريق قد تعني حماية قرية، أو إنقاذ بساتين ومزارع، أو منع وصول النيران إلى شبكات الكهرباء والاتصالات، أو تفادي عمليات إجلاء واسعة وتعويضات لاحقة. كما أن الغابة التي تُحمى اليوم تمثل رصيدًا بيئيًا ومائيًا وزراعيًا لا يمكن تعويضه بسرعة.
لذلك، تصبح طائرات الإخماد جزءًا من الاستثمار في الأمن الوطني بمفهومه الواسع، لأنها تحمي السكان والغابات والفلاحة والبنية التحتية والمالية العمومية من كلفة أكبر قد تنتج عن تأخر التدخل.
التضامن الشعبي داخل منظومة الإغاثة
إلى جانب الدولة ومؤسساتها، توقف الرئيس عند الدور التضامني للمواطنين، مستشهدًا بنماذج تدخلت لإنقاذ ومساعدة السكان خلال الحرائق. ويعطي هذا السلوك بعدًا مجتمعيًا لمنظومة الإغاثة، خاصة في القرى والمناطق القريبة من الغابات، حيث يمكن للمواطنين أن يساهموا في الإبلاغ المبكر، ونقل السكان، وتوفير المياه والمؤن، ودعم جهود الإجلاء.
غير أن هذا التضامن يجب أن يبقى داخل إطار منظم، لأن مواجهة النيران في المناطق الخطرة تبقى مهمة الهيئات المختصة. فالقيمة الحقيقية للمشاركة الشعبية تظهر عندما تدعم العمل الرسمي ولا تعوضه، وعندما تتحول إلى ثقافة وقاية وانضباط ومساعدة مبكرة.
اختبار الموسم المقبل
لا يقتصر التحول الجاري على رفع عدد الطائرات من مروحيتين إلى 24 وسيلة جوية، بل يتعلق بالانتقال من مخططات طوارئ محلية متفرقة إلى تصور وطني للكوارث الكبرى. وهذا التحول سيُقاس خلال المواسم المقبلة بسرعة رصد الحريق، وزمن وصول أول وسيلة جوية، وقدرة الولايات على تبادل الموارد، وحجم الخسائر التي يجري منعها قبل اتساع النيران.
فالجزائر لا تبني فقط أسطولًا لإخماد الحرائق، بل تبني منظومة تدخل جديدة تقوم على القيادة الموحدة، والجاهزية الجوية، والإسناد البري، والتضامن المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج في لحظات الخطر.
وبين ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الجفاف واتساع المخاطر المناخية في حوض المتوسط، يصبح هذا التحول ضرورة لا خيارًا. فالكوارث لم تعد أحداثًا معزولة، ومواجهتها لم تعد مسؤولية ولاية واحدة، بل اختبارًا لقدرة الدولة على تعبئة مواردها بسرعة، وحماية المواطن والثروة الغابية والزراعية قبل أن تتحول النيران إلى خسائر وطنية أوسع.














