بوابة الجزائر الإخبارية: قدم معهد الشؤون الدولية والأمن الألماني (SWP)، أحد أبرز مراكز التفكير المقربة من دوائر صنع القرار في برلين إحاطة وتقدير موقف تضمن اتهامات مباشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة معتبرا إياها بأنها ة «من أكثر الفاعلين الخارجيين عدوانية» في نزاعات القرن الأفريقي وشمال أفريقيا.

التقرير، الذي وقّعه غيريت كورتز وولفرام وشتيفان رول، لا يقدّم أبوظبي شريكاً تقليدياً يسعى إلى النفوذ التجاري والموانئ فحسب، بل فاعلاً يدير شبكة عابرة للحدود من الدعم العسكري واللوجستي والمالي لأطراف مسلحة، مستفيداً في الوقت ذاته من ذهب مناطق النزاع ومن مواقع استراتيجية على البحر الأحمر والمحيط الهندي. وتنفي الإمارات معظم هذه الاتهامات، ولا سيما الدعم العسكري المباشر لقوات الدعم السريع في السودان.

السودان: الدعم الأبرز لميليشيا متهمة بجرائم واسعة
يضع معدّو الدراسة السودان في مركز هذا الدور. ويصفون الإمارات بأنها الداعم العسكري واللوجستي والمالي الأبرز لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). ويستمر هذا الدعم، بحسب التحليل، حتى في فترات توتر إقليمي حاد، بما في ذلك أثناء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
الحرب السودانية، التي اندلعت في أفريل 2023، أنتجت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم: عشرات الملايين بحاجة إلى مساعدات، وأكثر من خمسة عشر مليوناً نازحون.
ويشير التقرير إلى سقوط مدينة الفاشر في شمال دارفور في أكتوبر 2025، وما تلاه من مجازر وُصفت في تقارير أممية لاحقة بأنها تحمل «سمات الإبادة الجماعية» بحق مجموعات غير عربية، بينها المساليت والزغاوة.
ولا يقتصر الاتهام على الغطاء السياسي. يتحدث التحليل عن جسر جوي ولوجستي يمتد من مطارات إماراتية وميناء بوصاصو في بونتلاند إلى شرق ليبيا، ولا سيما الكفرة، ثم إلى تشاد ومناطق سيطرة الدعم السريع، في سياق يُتهم بأنه يخالف حظر السلاح المفروض على دارفور.
وفي موازاة ذلك، يستفيد اقتصاد أبوظبي، وفق التقرير، من ذهب السودان الخارج من مناطق النزاع عبر مسارات تهريب وتحويلات مالية تغذي اقتصاد الحرب.

ليبيا: من حفتر إلى ممر السودان
يعيد التقرير جذور التدخل الإماراتي في ليبيا إلى عام 2014 ودعم قوات خليفة حفتر. ويرى أن هذا الدعم بلغ ذروته خلال الهجوم على طرابلس بين 2019 و2020، وأسهم في إطالة أمد الحرب وترسيخ وجود قوى خارجية أخرى. وتحولت الكفرة، بحسب الدراسة، إلى عقدة إمداد رئيسية نحو السودان.
ويشير المعدّون إلى تنسيق سابق مع مجموعة فاغنر شمل النقل اللوجستي وأنظمة دفاع جوي وطائرات مسيّرة، وإلى ضربات جوية نُسبت إلى الإمارات ضد حكومة طرابلس المعترف بها دولياً، ما يجعل أبوظبي، في نظرهم، طرفاً مباشراً لا مجرد ممول خارجي.

الصومال وإثيوبيا: الموانئ والمسيّرات والمعسكرات
في الصومال، يعود الحضور الإماراتي إلى تمويل شركة عسكرية خاصة جنوب أفريقية لإنشاء قوة الشرطة البحرية في بونتلاند منذ نحو عام 2010، بحجة مكافحة القرصنة. ويرى التقرير أن هذه القوة تحولت تدريجياً إلى أداة نفوذ، وأن ميناء بوصاصو استُخدم لاحقاً في نقل أسلحة ومقاتلين. كما تدعم أبوظبي قوات في أرض الصومال ضمن سباق السيطرة على موانئ القرن الأفريقي.
أما في إثيوبيا، فقد زوّدت الإمارات حكومة آبي أحمد بطائرات مسيّرة متقدمة خلال حرب تيغراي عام 2021. ويُقدَّم ذلك استثناءً نسبياً لأنه دعم لحكومة مركزية معترف بها. غير أن التحليل يكشف لاحقاً عن معسكر تدريب مرتبط بقوات الدعم السريع في بني شنقول-غوموز غرب إثيوبيا، وعن إعادة توجيه معدات عبر بربرة وقواعد إثيوبية، بما يربط مسار السودان بمسارات أخرى في القرن الأفريقي.

مرتزقة عابرون للحدود وتدريب قُصّر
من أشد الفقرات حدة حديث التقرير عن شركات أمنية إماراتية، بينها «غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب»، نظّمت تجنيد مئات المرتزقة الكولومبيين ونقلهم عبر قاعدة عسكرية داخل الإمارات إلى السودان. وعندما فرضت واشنطن عقوبات عام 2025 على أطراف متورطة، قالت إن هؤلاء عملوا مشغّلي مدفعية ومسيّرات ومدربين، وإن بعضهم درّب أطفالاً على القتال ضمن قوات الدعم السريع. وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش لاحقاً مسارات مشابهة عبر منشآت في أبوظبي.
الموانئ والقروض و«الذهب المسموم»
لا يختزل التحليل الدافع في العداء للإسلام السياسي أو التنافس مع السعودية وإيران، رغم إبرازه هذا البعد الأيديولوجي ودعم قوى محلية مناوئة لجماعة الإخوان. فهو يربط الشبكة العسكرية باستراتيجية اقتصادية: مجموعات مثل «دي بي ورلد» و«موانئ أبوظبي» تدير أو تطوّر بنى تحتية في الصومال والسنغال وتنزانيا وموزمبيق وأنغولا ومصر، بينما تُستخدم القروض والاستثمارات أداة نفوذ، منها وعود تمويل ضخمة لتشاد وإثيوبيا وكينيا.
الأخطر، برأي المعدّين، أن الذهب الآتي من مناطق الحرب، ولا سيما السودان، أصبح ركيزة لاقتصاد النفوذ: يُهرَّب عبر دول مجاورة ثم يُعاد تدويره في أسواق الإمارات، فيحوّل غنائم النزاع إلى سيولة دولية.
دبلوماسية مزدوجة وضغط على أوروبا
يتهم التقرير أبوظبي بالمشاركة في مؤتمرات السلام، من برلين حول ليبيا عام 2020 إلى صيغ «الرباعية» بشأن السودان، مع استمرار رحلات الشحن العسكري في أيام الانعقاد نفسها، وفق ما يورده من مصادر استخباراتية وتقارير رحلات. ويلاحظ فجوة بين تعهدات إنسانية معلنة بمئات الملايين ومساهمات فعلية محدودة في خطط الأمم المتحدة.
وفي الخلاصة، لا يعدّ المعهد الإمارات شريكاً موثوقاً في استقرار أفريقيا، بل فاعلاً يعمّق الحروب ويفكك الدول ويعزّز اقتصادات النزاع. ويوجه نقداً مباشراً لألمانيا وأوروبا: التساهل مع أبوظبي لأسباب اقتصادية وأمنية، رغم تزايد الأدلة على دعم أطراف متهمة بجرائم حرب وتقويض حظر السلاح ومسارات التسوية. ويدعو إلى وزن هذا الدور بوضوح أكبر في العلاقات الثنائية، بما قد يشمل نقداً علنياً وعقوبات مستهدفة.
هكذا يقرأ أحد أهم المعاهد الأوروبية المشهد: ليس نفوذاً خليجياً تقليدياً على سواحل أفريقيا، بل هندسة صراع ممتدة من الذهب والموانئ إلى المسيّرات والمرتزقة، تُدار من أبوظبي ويُدفع ثمنها في دارفور وليبيا والقرن الأفريقي.















