بوابة الجزائر الإخبارية: لم يحتج عشرات الآلاف من المغاربة إلى تقرير اقتصادي كي يعلنوا سقوط الوعود الرسمية؛ فقد فعلوا ذلك بأقدامهم عندما اندفعوا نحو سبتة في جويلية 2026، بينما كان موكب الملك محمد السادس يعبر طريقًا شبه خالٍ خلال احتفالات «عيد العرش». وفي بلد يخصص 190.3 مليار درهم للبنية التحتية والملاعب والمطارات المرتبطة بمونديال 2030، تجاوزت بطالة الشباب 37%، وبلغت 50.2% بين الشابات، لتكشف الأرقام اقتصادًا يلمع صورة البلاط في الخارج، لكنه يعجز عن إقناع شبابه بالبقاء في الداخل.
ذلك التزامن لم يكن مجرد مفارقة عابرة. فمن جهة، عرض ملكي منظم بعناية لإظهار الولاء والاستقرار، ومن جهة أخرى، اندفاع جماعي نحو الحدود الأوروبية بعد انتشار أخبار عن فتح طريق العبور. وبين المشهدين سقطت واحدة من أكثر الروايات التي روجتها حاشية الملك إلحاحًا، وهي أن المشاريع العملاقة والاستثمارات الأجنبية حولت المغرب إلى نموذج مكتمل للاستقرار والازدهار.
تراوحت تقديرات أعداد الواصلين إلى سبتة بين نحو 60 ألفًا وأكثر من 70 ألف شخص، كما اختلفت حصيلة الوفيات باختلاف المصادر ومواعيد التحديث. غير أن الدلالة الاقتصادية لا تتغير؛ عشرات الآلاف فضلوا المخاطرة بالبحر والأسلاك والازدحام على انتظار وعود جديدة من سلطة تتحدث عن المستقبل، بينما لا تمنحهم عملًا في الحاضر.
وجاء مقال مجلة «The Economist»، المنشور في 15 سبتمبر 2026 بعنوان “Rocky Morocco – In Morocco, scandal is weakening the king’s shaky rule”، ليضع المشهد ضمن أزمة أوسع تتعلق بتراجع الثقة في الحكم، وضعف المؤسسات المنتخبة، وتنامي دور الأجهزة، وتزايد الغموض داخل محيط القصر.
وقبل ثمانية أيام من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر، بدا أن السؤال لم يعد متعلقًا بالحزب الذي سيتصدر النتائج، بل بالقيمة الفعلية لاقتراع لا يضع مركز القرار الحقيقي أمام الناخبين. فالأحزاب تتنافس على 395 مقعدًا، لكن السياسات السيادية والاقتصادية الكبرى تُرسم بعيدًا عن صناديق الاقتراع، ثم تُسلم إلى الحكومة لتبريرها وتنفيذها.
موكب يعبر وشعب يبحث عن طريق للخروج
لم تكشف أزمة سبتة رغبة عابرة في الهجرة، بل عرت المسافة بين المغرب الذي تصفه بيانات القصر والمغرب الذي يعيشه المواطنون. الأول مليء بالقطارات السريعة والموانئ والمصانع والمشاريع الملكية، أما الثاني فتنهشه البطالة والتفاوت الجهوي وضعف الخدمات وانسداد الأفق أمام الشباب.
وأظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن البطالة العامة بلغت 13% في 2025، بينما وصلت لدى الفئة العمرية بين 15 و24 عامًا إلى 37.3%. كما ظل 64.8% من العاطلين من دون عمل لمدة سنة أو أكثر، بما يكشف أن المشكلة ليست ظرفية، وإنما تحولت إلى عجز هيكلي عن إدماج اليد العاملة.
وازدادت الصورة سوءًا لدى الشباب المتعلم؛ إذ بلغت البطالة بين خريجي الجامعات 25.7%، ولم يسبق لـ70.4% من العاطلين الحاصلين على تعليم عالٍ أن دخلوا سوق العمل أصلًا. كما بقي 73.7% من الخريجين العاطلين بلا وظيفة لأكثر من سنة.
تضع هذه المؤشرات مزاعم البلاط بشأن «اقتصاد المعرفة» في مواجهة امتحان بسيط؛ ماذا تساوي الجامعات وخطط التكوين إذا كان الاقتصاد يعجز عن منح الخريج أول فرصة؟ وما جدوى الحديث عن المغرب الصناعي حين تتحول الشهادة إلى عبء، ويصبح العبور نحو أوروبا أكثر إغراءً من انتظار وظيفة داخل البلاد؟
وبلغت بطالة الشابات 50.2%، مقابل 31.9% لدى الشباب الذكور، فيما كان 25.2% من المغاربة بين 15 و24 عامًا خارج العمل والتعليم والتدريب خلال الربع الثالث من 2025. أي إن ربع شباب البلاد لم يكن يبني خبرة مهنية أو يحصل على تكوين أو يراكم دخلًا يضمن له بداية مستقلة.
ومع اقتراب الانتخابات، أعادت أحزاب الأغلبية تدوير الوعود نفسها، وفي مقدمتها توفير مليون منصب عمل. لكن 3% فقط من الشباب بين 18 و24 عامًا كانوا مسجلين للتصويت، وفق أرقام نقلتها رويترز. إنها نسبة تعني أن الوعود لم تعد تقنع أصحابها المفترضين، وأن الصندوق فقد جاذبيته أمام جيل لا يرى أن صوته قادر على الوصول إلى الدائرة التي تصنع القرار.
فالانتخابات تختار حكومة وبرلمانًا، لكنها لا تعرض خيارات البلاط على الاقتراع. ولا يصوت المغاربة على التطبيع، أو أولويات مونديال 2030، أو حجم الديون، أو بيع أصول الدولة، أو العقود التي تبرمها المؤسسات العمومية. وبعد ذلك، يُطلب منهم التعامل مع نتائج هذه القرارات باعتبارها قدرًا اقتصاديًا لا سياسة قابلة للمراجعة.
المونديال يبتلع الأولويات وحاشية الملك تبيع الوهم
خصص المغرب برنامجًا استثماريًا بقيمة 190.3 مليار درهم للفترة 2024–2030، يعادل 11.9% من الناتج المحلي الإجمالي المسجل في 2024. ويشمل توسيع السكك الحديدية والطرق والمطارات، وبناء الملاعب وتجديدها، إلى جانب مشاريع حضرية وسياحية مرتبطة بكأس العالم.
ولا يعني نقد البرنامج رفض الاستثمار في البنية التحتية، فالطرق والمطارات والقطارات أصول اقتصادية يمكن أن تعزز الإنتاج والسياحة والربط بين الجهات. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول البطولة إلى مظلة تُمرر تحتها المشاريع من دون نقاش كافٍ بشأن الأولويات والعوائد والكلفة التي ستبقى بعد مغادرة المشجعين.
تجد السلطة التمويل بسرعة عندما يتعلق الأمر بملعب أو مطار أو خط قطار يخدم صورة المغرب الدولية، لكنها تستحضر محدودية الموارد عندما يتعلق الأمر بمستشفى أو مدرسة أو تشغيل الشباب. وبذلك تتحول الموازنة إلى مرآة واضحة لأولويات الحكم؛ الواجهة تحصل على التمويل، بينما يُطلب من المجتمع انتظار الإصلاح.
لا تتمثل المشاريع الوهمية في منشآت غير موجودة بالضرورة، بل في الوهم الذي يُبنى حولها. فحاشية الملك لا تكتفي بالإعلان عن طريق أو ملعب، وإنما تقدمه كدليل شامل على نجاح النموذج الاقتصادي، حتى قبل قياس أثره في الوظائف والدخل ومستوى المعيشة.
يصبح المشروع وهمًا سياسيًا حين يُعلن عنه قبل اكتمال التمويل، وتُنسب إليه آلاف الوظائف من دون تحديد طبيعتها ومدتها، ثم يُستخدم اسمه لإخفاء القطاعات التي حُرمت من الموارد. ويصبح وعدًا كاذبًا عندما يُقدم باعتباره طريقًا إلى الرفاه، بينما يتحمل المواطن كلفته ولا يحصل إلا على فرصة مؤقتة أو خدمة لا يستطيع تحمل سعرها.
فالملعب الجديد لا يعالج اكتظاظ أقسام الدراسة، والقطار السريع لا يلغي عزلة القرى، والمطار الواسع لا يوفر العلاج لمن لا يجد طبيبًا، كما أن الفندق الفخم لا يحول العامل الموسمي إلى مواطن يتمتع بدخل مستقر.
ومع ذلك، تواصل الآلة الدعائية ربط كل استثمار بـ«الرؤية الملكية»، كما لو أن المال لا يأتي من الخزينة والقروض والمؤسسات العمومية والضرائب. يُنسب الإنجاز إلى القصر، بينما تختفي مساهمة الشعب الذي يمول المشروع، ثم يُستدعى الشعب نفسه لتغطية العجز إذا ارتفعت الكلفة.
هذه ليست تنمية متوازنة، بل اقتصاد واجهة يجمع الصور في الأعلى ويوزع الانتظار في الأسفل. وما يجعل المعادلة أكثر قسوة أن المواطن لا يُمنح حتى حق مساءلة من حدد الأولويات، لأن الحكومة التي تواجه البرلمان ليست دائمًا الجهة التي امتلكت القرار النهائي.
رهن الشعب يبدأ خارج الموازنة
لا تظهر الكلفة الكاملة لبرنامج مونديال 2030 في بند واحد داخل موازنة الحكومة. فالمؤسسات العمومية ستتحمل استثمارات تعادل نحو 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تغطي الجماعات الترابية ما يعادل 3.2%، في حين تمول الحكومة المركزية ما يقارب 1.4%.
وتسمح هذه الهندسة بتوزيع التمويل بين مؤسسات وقروض وميزانيات محلية، لكنها لا تلغي الالتزامات. فالدين الذي تسجله مؤسسة حكومية يبقى دينًا على قطاع عام يموله المواطن، والقرض الذي تحصل عليه جماعة سيُسدَّد في النهاية من موارد محلية مصدرها الضرائب والرسوم والتحويلات.
هنا يظهر رهن الشعب بوصفه واقعًا ماليًا، لا مجرد تعبير سياسي. فالسلطة تختار المشروع وتحدد توقيته وتوزع عقوده، بينما يتحمل المجتمع أعباء التمويل والتشغيل والصيانة سنوات طويلة.
وحصل المغرب في ديسمبر 2025 على قرض بقيمة 270 مليون يورو من البنك الإفريقي للتنمية لتطوير مطاراته، ضمن برنامج يقدر بنحو 38 مليار درهم ويرمي إلى رفع القدرة الاستيعابية من 38 مليون مسافر إلى 80 مليونًا بحلول 2030.
يمكن للقرض أن يكون مفيدًا إذا أنتج عائدًا اقتصاديًا يفوق كلفته. لكن غياب الشفافية الكاملة بشأن شروط التمويل، والعقود الممنوحة، وكلفة المنشآت بعد المونديال، يحول الالتزام المالي إلى مخاطرة يتحملها الجمهور، بينما تحصل السلطة على المكسب الدعائي الفوري.
كما حذر صندوق النقد الدولي من أن بيع الأصول العقارية الحكومية، رغم ما يوفره من إيرادات آنية، ينشئ التزامات طويلة الأجل عندما تعود الدولة إلى استئجار الأصول نفسها، بما يزيد جمود الميزانية في المستقبل.
وبهذه العمليات يتحول بيع السيادة الاقتصادية إلى جدول مدفوعات؛ تبيع الدولة ما يملكه الشعب للحصول على سيولة، ثم تلزم الشعب بدفع إيجاره سنوات. تتحسن الحسابات في السنة الحالية، لكن الخزينة تخسر أصلًا وتكتسب التزامًا مستمرًا.
ولا يحتاج بيع السيادة إلى احتلال أو رفع علم أجنبي فوق مؤسسة عمومية. يكفي أن يصبح القرار الاقتصادي محكومًا بالحاجة إلى السيولة، وأن تُرهن الموازنات المقبلة لتغطية خيارات لم يشارك المواطن في صياغتها.
ويتوقع البنك الدولي تباطؤ نمو المغرب من 4.9% في 2025 إلى 4.2% خلال 2026، رغم التسارع الكبير في الاستثمار. ويثبت ذلك أن ضخ الأموال في البنية التحتية لا ينتج تلقائيًا نموًا مستدامًا، خصوصًا عندما تظل المؤسسات الصغيرة ضعيفة التمويل، وسوق العمل عاجزة عن استيعاب الخريجين، والاقتصاد الزراعي معرضًا للجفاف.
إن الاقتصاد الذي يحتاج باستمرار إلى مشروع ضخم كي يحافظ على زخمه لم يحل أزماته الهيكلية. فهو يستطيع خلق ورشات مؤقتة، لكنه لا يضمن وظائف دائمة، كما يستطيع رفع أرقام الاستثمار من دون أن يرفع حصة الأسرة من الدخل أو يحسن نوعية المدرسة والمستشفى.
التطبيع.. حين يتحول المغرب إلى ورقة في صفقة البلاط
لا يقتصر بيع السيادة على الأصول والالتزامات المالية، بل يظهر بصورة أكثر وضوحًا في التطبيع مع إسرائيل. فمنذ 2020، رُبط استئناف العلاقات بموقف أميركي داعم لمطالب الرباط في الصحراء الغربية، قبل أن تتجه العلاقة في سبتمبر 2026 نحو مستوى السفارات الكاملة وتعيين السفراء.
قدمت السلطة التطبيع باعتباره فرصة اقتصادية في التكنولوجيا والأمن والزراعة والمياه والطاقة والاستثمار. لكن جوهر المسار ظل سياسيًا؛ البلاط وضع قرارًا سياديًا ضمن مقايضة دولية، وربط قضية يعتبرها مصيرية بعلاقة مع إسرائيل وبموقف أميركي يمكن أن يتغير بتغير الإدارات والمصالح.
لم يأت التطبيع نتيجة استفتاء أو حوار وطني واسع، ولم يدخل بوصفه برنامجًا انتخابيًا حصل على تفويض شعبي. لقد نزل القرار من أعلى، ثم تولت الحكومة والإعلام القريب من السلطة مهمة تسويقه.
وفي المقابل، خرج مغاربة في عشرات المدن مطالبين بوقف العلاقة مع إسرائيل، وامتدت التحركات إلى موانئ استراتيجية احتجاجًا على شحنات اشتبه الناشطون في صلتها بالصناعات العسكرية الإسرائيلية. لكن الشارع الذي يستدعيه القصر لتأكيد وحدة البلاد جرى تجاهله عندما رفض إحدى أهم خياراتها الخارجية.
وذلك هو بيع القرار السيادي في صورته السياسية؛ أن يُستخدم الشعب لتقوية مطالب الدولة، ثم يُستبعد من تحديد التحالفات التي تعقدها باسمه.
كما تناولت «The Economist» مزاعم تتعلق باستخدام برنامج تجسس إسرائيلي، وشخص قدمته باسم «Safir»، وموقع قيل إنه يحمل تسمية «Bureau 21». وأشارت المجلة إلى صعوبة التحقق من تلك الروايات، لذلك لا يمكن تقديمها باعتبارها حقائق مثبتة. غير أن تداولها يكشف حجم الريبة الذي أصبح يحيط بالارتباط الأمني مع إسرائيل وبالصراعات داخل أجهزة الحكم.
والأخطر اقتصاديًا أن التعاون غير الخاضع للرقابة الكافية قد يفتح أبوابًا لعقود تقنية وأمنية لا يعرف الجمهور كلفتها أو شروطها أو حدود الوصول إلى البيانات. وحين تختلط شراكات التكنولوجيا بالمراقبة والسياسة، لا يعود الأمر تجارة قابلة للقياس بحجم المبادلات فقط.
البلاط يحتفظ بالمكاسب ويترك الفاتورة للمغاربة
يملك المغرب قاعدة صناعية مهمة، وموانئ متقدمة، وصادرات قوية في السيارات والأسمدة والطيران، إضافة إلى فرص كبيرة في السياحة والطاقة المتجددة. لذلك لا يتعلق النقد بإنكار ما أنجزته البلاد، بل بمن يمتلك ثماره ومن يتحمل مخاطره.
فالبلاط يتعامل مع الإنجازات بوصفها ملكية سياسية خاصة، وينسبها إلى توجيهات الملك، لكنه لا يتحمل المسؤولية المباشرة عن البطالة أو تعثر الخدمات أو تضخم الديون. وعندما يفشل مشروع أو تتأخر نتائجه، تختفي المسؤولية داخل متاهة الوزارات والمؤسسات والجماعات.
هذه هي الميزة الأكثر قسوة في اقتصاد البلاط؛ احتكار الفضل وتوزيع الفشل. القصر يحدد الاتجاه، وحاشية الملك تسوق الوعود، والحكومة توقع وتنفذ، ثم يتحمل الشعب الفاتورة.
كما أن إضعاف الصحافة والأحزاب والرقابة ليس ملفًا سياسيًا منفصلًا عن الاقتصاد. فكلما تقلصت حرية التحقيق، أصبح تضخم كلفة المشاريع أسهل. وكلما ضعف البرلمان، تراجعت قدرته على مراجعة الديون والعقود. وكلما اتسعت قداسة القرار، ضاقت مساحة المحاسبة.
وتحدثت «The Economist» عن غياب الملك خلال أزمات متعاقبة، وعن انتظار مسؤولين توجيهات القصر، إلى جانب تنافس داخل الدائرة المحيطة بالحكم مع اقتراب مرحلة الخلافة. وإذا صحت هذه الصورة، فإن المغرب لا يواجه فراغًا سياسيًا فقط، بل مخاطرة اقتصادية تتمثل في تعليق قرارات دولة كاملة على مركز ضيق لا يعمل وفق قواعد مساءلة واضحة.
لهذا لن تكفي انتخابات 23 سبتمبر لتغيير المسار. فالأحزاب التي تتنافس على المقاعد لا تملك إعادة توزيع السلطات من تلقاء نفسها، والناخب لا يستطيع عبر ورقة التصويت مراجعة التطبيع أو إلغاء التزامات المونديال أو محاسبة من باع الأصول وحدد سلم الأولويات.
لقد تصدعت واجهة «المغرب الصاعد» عند حدود سبتة. فالدولة التي تنفق المليارات لتحسين صورتها لم تستطع منح عشرات الآلاف سببًا كافيًا للبقاء، والنظام الذي يعد بالمستقبل لم يقنع سوى 3% من شبابه بالتسجيل للمشاركة في انتخاباته.
وعندما تتوسع الملاعب أسرع من فرص العمل، وتباع الأصول لتوفير السيولة، وتُرحل الديون إلى المستقبل، ويُفرض التطبيع من أعلى، تصبح عبارة «المشاريع الكبرى» اسمًا مهذبًا لنقل الكلفة إلى الشعب.
أما مزاعم البلاط وحاشية الملك عن الاستقرار والازدهار، فقد أصبحت عاجزة عن الصمود أمام الأرقام. بطالة شبابية تتجاوز 37%، ونصف الشابات تقريبًا بلا عمل، وربع الشباب خارج التعليم والتوظيف، واستثمارات بمئات المليارات تُوجه إلى واجهة تنتظر العالم في 2030، بينما يبحث أصحاب البلد عن طريق للخروج منه.
المغرب لا تنقصه المشاريع، بل تنقصه سلطة تُحاسب على اختيارها. ولا تنقصه الوعود، بل تنقصه مؤسسات تحولها إلى وظائف وخدمات. ولا تنقصه الصور الملكية، بل تنقصه عدالة تجعل المواطن شريكًا في الثروة لا ممولًا صامتًا لها.
وهكذا تتضح المعادلة التي يحاول الخطاب الرسمي إخفاءها؛ البلاط يحتفظ بالقرار، وحاشيته تحتكر رواية النجاح، والمجموعات النافذة تحصد العقود، بينما يُترك للمغاربة الدين والبطالة والتطبيع المفروض وانتظار وعد جديد. إنها خصخصة للمكاسب داخل القمة، وتأميم للفشل على شعب لم يُستشر إلا عندما حان موعد دفع الفاتورة.

























