بوابة الجزائر الإخبارية : في تصريح يحمل دلالات سياسية وسيادية واضحة، أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن الجزائر تتخذ قراراتها بشكل مستقل عندما يتعلق الأمر بعلاقاتها الخارجية واستقبالها لطائرات أو مسؤولين أجانب، مشددا على أن قرار استقبال الطائرة الرئاسية الإيرانية جاء في إطار ممارسة الجزائر لسيادتها الكاملة.

و يستند مبدأ استقلال القرار الجزائري إلى قاعدة المساواة في السيادة المنصوص عليها في المادة 2 الفقرة 1 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تؤكد أن المنظمة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، إلى جانب المادة 2 الفقرة 7 التي تكرس مبدأ عدم التدخل في المسائل الداخلة أساسا ضمن الاختصاص الداخلي للدول.
أما فيما يتعلق بالطائرة الرئاسية الإيرانية تحديدا، فإن المادة 3 الفقرة (ج) من اتفاقية شيكاغو لعام 1944 تنص على أن طائرات الدولة لا يجوز لها التحليق فوق إقليم دولة أخرى أو الهبوط فيه دون ترخيص أو اتفاق خاص. وبذلك فإن دخول طائرة دولة إلى إقليم دولة أخرى يخضع من حيث الأصل لموافقة الدولة صاحبة الإقليم، مع مراعاة الالتزامات الدولية الأخرى ذات الصلة
قال الخبير في القانون الدولي بواشنطن ميخائيل ماهر في تصريح “لبوابة الجزائر” إن قضية الطائرة الإيرانية تكتسب أهمية خاصة من زاوية القانون الدولي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بمفهوم السيادة على المجال الجوي، وبحق الدولة في اتخاذ القرارات المتعلقة بإقليمها وأمنها وسلامة من يوجد داخله، بعيدا عن الضغوط أو الاصطفافات السياسية الخارجية.

وأوضح ماهر أن تأكيد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن أي طائرة تضطر إلى الهبوط اضطراريا في الجزائر ستكون مرحبا بها، يعكس، من الناحية القانونية، أولوية الاعتبارات الإنسانية في التعامل مع حالات الطوارئ الجوية، باعتبار أن إنقاذ الأرواح وضمان سلامة الأشخاص يختلفان عن القرارات المرتبطة بالحركة الطبيعية للطيران أو بالحسابات السياسية بين الدول.
وأشار الخبير في القانون الدولي ميخائيل إلى أن مبدأ السيادة الجوية يمنح الدولة صاحبة الإقليم صلاحية تنظيم حركة الطيران فوق مجالها الجوي، واتخاذ التدابير التي تراها ضرورية لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها، في إطار القواعد والالتزامات التي يفرضها القانون الدولي.
ويشير ماهر، إن ممارسة هذه السيادة لا تعني أن الدولة تتحرك بمعزل عن القانون، وإنما تعني أن القرار المتعلق بمجالها الجوي يصدر عن سلطاتها الوطنية، وفقا للظروف القائمة والمقتضيات القانونية والأمنية والإنسانية ذات الصلة. ومن ثم، فإن استقلال القرار السيادي لا يتعارض مع الالتزام بالقانون الدولي، بل يشكل أحد مظاهر ممارسة الدولة لاختصاصاتها داخل إقليمها.
وفي حالة الطائرة الإيرانية، يرى ماهر أن البعد الأساسي يتمثل في التمييز بين الطوارئ الجوية والاعتبارات السياسية. فعندما تواجه طائرة حالة تستوجب الهبوط الاضطراري، فإن الأولوية القانونية والإنسانية تتجه إلى ضمان سلامة الركاب والطائرة، ولا ينبغي أن تتحول حالة الطوارئ بحد ذاتها إلى أداة في صراع سياسي أو دولي.
وأضاف أن أهمية الموقف الجزائري تزداد في ظل الظروف الدولية الراهنة، حيث أصبحت حركة الطيران في بعض الحالات تتقاطع مع حسابات سياسية وأمنية وعسكرية معقدة. وفي مثل هذه البيئة، يصبح تمسك الدولة بحقها في إدارة مجالها الجوي وفقا لقوانينها والتزاماتها الدولية مؤشرا على استقلال قرارها الوطني.
وأوضح ماهر أن استقبال طائرة إيرانية في حالة طارئة لا يمكن، من الناحية القانونية، أن يفسر تلقائيا باعتباره اصطفافا سياسيا مع الدولة التي تنتمي إليها الطائرة، لأن التعامل مع حالات الطوارئ الجوية يستند إلى اعتبارات مختلفة، في مقدمتها سلامة الأرواح واحترام القواعد المنظمة للطيران المدني.
وفي هذا السياق، أشار ميخائيل ماهر إلى أن الجزائر شهدت توقفا فنيا لطائرة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مطار هواري بومدين خلال سبتمبر 2026، وهو ما أكدته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، معتبرا أن هذه الواقعة تكتسب دلالتها ضمن النقاش الأوسع حول كيفية تعامل الدول مع الحالات الجوية الاستثنائية في ظل التوترات الدولية.
ويرى الخبير ميخائيل ماهر أن المسألة تتجاوز الجانب التقني المرتبط بالطيران لتطرح سؤالا أوسع حول مفهوم السيادة في العلاقات الدولية الحديثة. فسيادة الدولة، بحسب قراءته القانونية، لا تقتصر على امتلاك الإقليم والحدود، وإنما تشمل أيضا ممارسة الدولة لاختصاصاتها داخل إقليمها واتخاذ القرارات المتعلقة به دون أن تتحول الضغوط الخارجية إلى سلطة بديلة عن مؤسساتها الوطنية.
وأكد ماهر أن المجال الجوي يمثل جزءا من الإقليم الذي تمارس عليه الدولة سيادتها، وبالتالي فإن القرارات المتعلقة به يجب أن تخضع للقانون وللمقتضيات التي تحددها السلطات المختصة، مع مراعاة طبيعة كل حالة والظروف المحيطة بها.
وأضاف أن الحالات الطارئة تفرض، في المقابل، مقاربة مختلفة عن الظروف العادية، لأن الأولوية تكون لمنع الخطر وحماية الأرواح وضمان سلامة الطائرة وركابها، قبل الانتقال إلى الاعتبارات الأخرى التي يمكن أن تطرحها الحالة في إطار القانون والإجراءات المعمول بها.
ومن هذه الزاوية، يرى ماهر أن الموقف الجزائري يندرج ضمن تصور أوسع للسيادة الوطنية، يقوم على أن علاقات الجزائر مع مختلف الدول لا تلغي حقها في اتخاذ قراراتها المستقلة، كما أن وجود خلافات أو توترات بين أطراف دولية مختلفة لا يعني بالضرورة أن على الجزائر أن تنقل تلك الخلافات إلى مجالها السيادي.
ويختم ميخائيل ماهر الخبير في القانون الدولي إلى أن قضية الطائرة الإيرانية تطرح نموذجا واضحا للتداخل بين القانون والسياسة في العلاقات الدولية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن معالجة الحالات الإنسانية والطارئة يمكن أن تستند إلى قواعد قانونية مستقلة عن الاصطفافات السياسية. فالمبدأ الأساسي، من وجهة نظر قانونية، هو أن القرار المتعلق بالمجال الجوي الجزائري يصدر عن الدولة الجزائرية، وأن ممارسة هذا القرار تتم في إطار السيادة والقانون والسلامة الإنسانية.



























