تواصل الجزائر تعزيز شراكاتها الدولية في المجال البيئي، في إطار مساعيها لمواجهة تحديات التغير المناخي وحماية الموارد الطبيعية وترسيخ مبادئ التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، استقبلت وزيرة البيئة وجودة الحياة، كوثر كريكو، ممثلة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالجزائر، إيرينا كوبليفاتسكايا-بوتود، والممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالجزائر، ناتاشا فان رين. وشكل اللقاءان فرصة لتقييم مدى تقدم تنفيذ المشاريع والبرامج المشتركة وبحث آفاق توسيع التعاون، خاصة في مجالات مواجهة التغيرات المناخية، وحماية النظم البيئية والموارد الطبيعية، والمحافظة على التنوع البيولوجي وتطوير الاقتصاد الدائري. كما يأتي هذا التحرك بالتزامن مع إيداع الجزائر مساهمتها المحددة وطنيا واستراتيجيتها ومخطط عملها الوطنيين للتنوع البيولوجي لدى الاتفاقيات الأممية، بما يعكس توجها نحو تعزيز التنسيق مع الهيئات الدولية وتحويل الالتزامات البيئية إلى برامج ومشاريع عملية.

وفي هذا السياق، صرح رئيس حزب البيئة العالمي، الدكتور دوميط كامل، لبوابة الجزائر، بأن القيمة الحقيقية للشراكة بين الجزائر ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “FAO” وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي “UNDP” لا تكمن فقط في إعداد الدراسات والاستراتيجيات، وإنما في القدرة على تحويل الالتزامات البيئية والمناخية إلى مشاريع واضحة وقابلة للتمويل والتنفيذ والقياس.
ويرى الدكتور دوميط كامل أن الجزائر قادرة على بناء برنامج تعاون عملي يرتكز بداية على حماية واستعادة النظم البيئية، من خلال إعادة تأهيل الغابات المتدهورة ومواجهة التصحر وحماية المناطق الرطبة والواحات والسهوب والمناطق الساحلية، إلى جانب استعادة الأراضي المتدهورة ومكافحة انجراف التربة وحماية الأنواع النباتية والحيوانية المهددة.
وأكد رئيس حزب البيئة العالمي أهمية الربط بين حماية الغابات وخطط الوقاية من الحرائق والتكيف مع تغير المناخ، خاصة بالنظر إلى التنوع الكبير الذي تتميز به الجزائر، بما يشمل النظم البيئية المتوسطية والجبلية والسهبية والصحراوية والواحية والساحلية.
الزراعة الذكية مناخياً وحماية الموارد
وفي المجال الزراعي، أوضح الدكتور دوميط كامل أن منظمة “FAO” تستطيع الاضطلاع بدور مهم في تطوير الزراعة قليلة استهلاك المياه، وحماية البذور والأصناف المحلية، وتوسيع الزراعة العضوية والممارسات الزراعية المستدامة، فضلاً عن تقليل استخدام المبيدات والأسمدة ذات الأثر البيئي.
وأضاف أن المخلفات الزراعية ينبغي ألا ينظر إليها باعتبارها نفايات فقط، بل يمكن إعادة استخدامها وتحويلها إلى سماد أو طاقة أو منتجات ذات قيمة اقتصادية، بما يحقق التكامل بين حماية البيئة وتطوير النشاط الاقتصادي.
كما وضع الدكتور دوميط كامل الاقتصاد الدائري في صلب المقترحات العملية، داعياً إلى إطلاق مشاريع وطنية تجريبية في عدد من الولايات تقوم على الفرز من المصدر، وإعادة استعمال المواد وتدوير البلاستيك والمعادن والزجاج والورق، ومعالجة النفايات العضوية وإنتاج السماد واسترجاع المواد من المخلفات الصناعية.
ويرى أن هذه المشاريع يمكن أن تساهم كذلك في تقليل كمية النفايات المتجهة إلى المطامر وفتح المجال أمام إنشاء مؤسسات وشركات خضراء يقودها الشباب، بما يسمح بتحويل التحدي البيئي إلى فرص اقتصادية وفرص عمل جديدة.
المياه أولوية وطنية
وفي ملف المياه، شدد رئيس حزب البيئة العالمي الدكتور دوميط كامل على أن حماية التنوع البيولوجي لا يمكن فصلها عن الأمن المائي، مقترحاً تطوير مشاريع لحماية مصادر المياه والأحواض المائية والحد من تلوث المياه الجوفية، إلى جانب معالجة وإعادة استخدام المياه العادمة وفق المعايير المناسبة وتحسين كفاءة الري.
ودعا كذلك إلى إيلاء عناية خاصة للواحات والنظم البيئية المرتبطة بالمياه، والاستفادة من تقنيات الاستشعار والمراقبة الحديثة في متابعة تطور الموارد المائية.
كما اقترح الدكتور دوميط كامل إنشاء نظام وطني متكامل للبيانات البيئية، معتبراً أنه “لا يمكن إدارة ما لا نستطيع قياسه”.
ووفق تصوره، يمكن إنشاء منصة وطنية تجمع خرائط الغطاء النباتي والمناطق الحساسة بيئياً والأنواع المهددة ومصادر المياه وبؤر التصحر والحرائق والتلوث وتغير استخدام الأراضي، إلى جانب مختلف مؤشرات تغير المناخ، بما يوفر قاعدة بيانات تساعد صناع القرار على التخطيط وتحديد الأولويات ومتابعة النتائج.
من الالتزامات إلى التمويل والمشاريع
وبخصوص أهمية المساهمة الوطنية المحددة والاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي، اعتبر الدكتور دوميط كامل أن أهميتها تكمن في توفير إطار يمكن من خلاله الانتقال من التعهدات الدولية إلى برامج ومشاريع محددة مدعومة بمؤشرات للقياس والمتابعة.
ويرى أن تحديد الأولويات الوطنية بشكل واضح يعزز إمكانية إعداد مشاريع تتوافق مع متطلبات مؤسسات وصناديق التمويل الدولية، بما فيها مرفق البيئة العالمية “GEF” وصندوق المناخ الأخضر “GCF” ومؤسسات الأمم المتحدة وبنوك التنمية والصناديق المتخصصة في المناخ والتكيف، إلى جانب القطاع الخاص والاستثمار الأخضر.
كما أبرز رئيس حزب البيئة العالمي أهمية إعداد خطة وطنية لتمويل التنوع البيولوجي، بما يسمح بتحديد الاحتياجات المالية ومصادر التمويل وكيفية توجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأولوية والنتائج القابلة للقياس.
وأوضح أن المطلوب هو الانتقال من التساؤل عن حجم الأموال الضرورية لحماية الطبيعة إلى تحديد مصادر هذه الأموال، وآليات توجيهها، والنتائج البيئية والاقتصادية التي يمكن تحقيقها مقابل التمويل المخصص.
مبادرة جزائرية دولية للمناخ والتنوع البيولوجي
وفي هذا الإطار، طرح الدكتور دوميط كامل، رئيس حزب البيئة العالمي، مقترحاً لإنشاء “المبادرة الجزائرية الدولية للمناخ والتنوع البيولوجي والاقتصاد الدائري”، في إطار شراكة تجمع الحكومة الجزائرية وFAO وUNDP وGEF ومؤسسات الأمم المتحدة والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
ويقترح أن تقوم المبادرة على عشرة برامج تنفيذية تشمل حماية الغابات ومكافحة الحرائق والتصحر، واستعادة الأراضي والنظم البيئية المتدهورة، وحماية التنوع البيولوجي والأنواع المهددة، والأمن المائي، والزراعة الذكية مناخياً، وحماية الواحات والنظم الصحراوية، وحماية السواحل والتنوع البيولوجي البحري، والاقتصاد الدائري وإدارة النفايات، والطاقة النظيفة وكفاءة استخدام الموارد، وصولاً إلى التمويل الأخضر والتكنولوجيا والابتكار ودعم الشباب.
وأكد الدكتور دوميط كامل أن الأهم هو ألا تبقى هذه المحاور مجرد عناوين عامة، بل أن يتحول كل برنامج منها إلى مشاريع محددة من حيث الموقع والميزانية والمدة الزمنية ومؤشرات الأداء والنتائج المنتظرة.
دوميط كامل: النجاح يقاس بالنتائج على الأرض
وختم رئيس حزب البيئة العالمي الدكتور دوميط كامل رؤيته بالتأكيد على أن نجاح السياسات البيئية والمناخية ينبغي أن يقاس بما يتحقق فعلياً على الأرض، قائلاً:
“إن نجاح الاستراتيجية الجزائرية للتنوع البيولوجي والمساهمة الوطنية للمناخ لن يقاس بعدد الوثائق التي تم إيداعها، بل بعدد الغابات التي تمت حمايتها، والأراضي التي استعيدت، والمياه التي نُظفت، والأنواع التي حُفظت، والنفايات التي تحولت إلى موارد، وفرص العمل الخضراء التي أُنشئت”.
وختم الدكتور دوميط كامل إلى الدعوة للانتقال من مفهوم “الاستراتيجية البيئية” إلى بناء “منظومة مشاريع استثمارية بيئية جزائرية” قادرة على استقطاب التمويل الدولي والتكنولوجيا والخبرات، مع إعطاء الأولوية للتنفيذ والشفافية وقياس النتائج، بما يسمح بتحويل حماية البيئة من التزام دولي إلى رافعة للتنمية والاستثمار والابتكار وخلق فرص العمل في الجزائر














