وفيا لإرث أجداده، لم يبتعد كثيرا “المرتزق” برتبة “سفير” المسمى “كزافييه دريانكورت” عن طابور القناصلة والسفراء الذين لطالما أوفدهم ملوك فرنسا (فرساي) أو رؤسائها (الإليزيه) إلى العاصمة الجزائر وانتهى بهم الأمر “مطرودين” أو “غير مرغوب فيهم” أو في البحر.

فالرجل الذي لا يختلف كثيرا عن “ألاب لوفاشي” الذي ألقاه الجزائريون في البحر بمدفع “بابا مرزوق” عام 1683 ولا عن خليفته الذي لاقى نفس المصير في 1688 لم يستوعب الدرس الجزائري بشكل جيد في مدرسة الدبلوماسية الفرنسية المتهالكة.
ومن تلك الدروس ربما قصة القنصل الفرنسي “بيار دوفال” الذي فجرت عجرفته غضب الداي الجزائري قبل أن تكون كلماته المقززة سببا لصفعه بالمروحة وكذلك سببت تصريحات “كزافييه دريانكورت” المستفزة صفعة “الأرشيف الأسود” الذي كشفته الصحافة الجزائرية قبل يومين.
مرتزق فوق العادة

ومن كل الأدوار التي يقوم بها نزلاء “فيلا دي زوليفيي” بأعالي العاصمة (دبلوماسي، جاسوس، مرتزق،….) اختار “كزافييه دريانكورت” أن يكون مرتزقا فاسدا سواء خلال تواجده في الجزائر على فترتين أو أثناء خدمته للوبي الصهيوني في فرنسا والمتحالف ظرفيا مع المخزن المغربي.
ويواجه هذا الدبلوماسي الموتور شبهات فساد حين كان سفيرا لبلاده بالجزائر في الفترة بين 2008-2012 وفي الفترة بين 2017-2020.
وتتعلق هذه القضايا التي على القضاء الفرنسي أن يحقق بشأنها ببيع ممتلكات تابعة للدولة الفرنسية لرجل أعمال جزائري بأقل من سعرها الحقيقي مقابل رشوة مالية.
وبعيدا عن الوقائع التي وقعت في 2011 وذكرتها الصحف الجزائرية بإسهاب يظهر الدور الخفي الذي كان يلعبه السفير المرتزق وعلاقاته المشبوه في الجزائر مع العصابة التي كانت تقود البلاد إلى الهاوية وحلفائها من المدانين بتهم استغلال النفوذ وغسيل الأموال والحصول على مزايا غير مستحقة وحتى التمويل الخفي للحملة الانتخابية للرئيس الراحل من أجل تحويل الجمهورية إلى مملكة تحتكرها مافيا عائلية.
وفي غفلة من القوم تحول هذا “المرتزق” إلى “سمسار” وهو يتلقى عمولة قدرها 2 مليون يورو من أجل إتمام هذه الصفقة المشبوهة فيتحول من سفير فوق العادة إلى مجرد فاسد تورط في صفقة احتيالية تجمع بين التصريحات الكاذبة وإساءة استخدام المنصب والاحتيال الضريبي الذي أدى في النهاية إلى تبديد أموال عمومية وتكبيد الخزينتين العموميتين الجزائرية والفرنسية خسائر مزدوجة.
توضيحات “ستفيان روماتي” لا تكفي

وحول الشبهات التي أثارتها الصحف الجزائرية ردت السفارة الفرنسية في الجزائر بخصوص الوقائع محل الفساد لكن يبدو أن توضيحاتها لا تكفي. وخاصة إذا لم تفتح السلطات الفرنسية تحقيقا في ملابسات هذه التصرفات الاحتيالية التي خالفت أيضا القانون الجزائري ومست بشكل مؤثر بالمصالح الجزائرية وبالأعراف الدبلوماسية.
وتفادت سفارة “ستفيان روماتي” ذكر الأشخاص للابتعاد عن شبهات استغلال النفوذ وركزت بالدرجة الأولى على الإجراءات التي تمت بين 2009 و2011.
وحاولت ذات السفارة إنهاء الموضوع بقولها إن “اللجنة الوزارية المشتركة المعنية بإبداء الرأي بشأن العمليات العقارية في الخارج، والتي يترأسها قاض من مجلس المحاسبة الفرنسي، أصدرت رأيًا إيجابيا بشأن بيع الموقع بهذا السعر”.
وبخلاف العقار الأول (فيلا الزبوج) الذي لا يبدو جذابا ولا مهما من الناحية العمرانية والتاريخية حسب البعثة الاقتصادية للسفارة الفرنسية التي حددت السعر في عهد “كزافييه دريانكورت” يبدو العقار الثاني (فيلا جوردان) الذي بيع في 2014 في عهد “السفير برنارد إيمي” (المدير السابق للمخابرات الخارجية الفرنسية) جاذبيا بشكل كبير نظرا لموقعه ومساحته وهو ما جعل قيمته السوقية أكبر.
والخلاصة أن ” كزافييه دريانكورت” لم يكن السمسار الوحيد في هذه القصة فحتى السفارة الفرنسية التي لا تقوم بأي شيء في الأشهر الأخيرة قد تحولت إلى مكتب سمسرة وقد أصبح لها باع في تقدير سعر العقارات حسب جاذبية المواقع والمساحة والأهمية العمرانية والأثرية. إنها الفضيحة.
بوق المخزن وواجهة “مورتييه”

وبعد سنوات من السمسرة تحول ” كزافييه دريانكورت” في السنوات الأخيرة إلى بوق مزعج يستعمله المخزن بشكل مستمر وواجهة قبيحة لمبنى المخابرات الخارجية الفرنسية التي تقبع بنهج “مورتييه” بالعاصمة الفرنسية باريس.
ومن خلال المساحات الواسعة التي تخصصها له الوسائل الإعلامية (الصحف، التلفزيونات، الإذاعات والمواقع الالكترونية) القريبة من المخابرات ومن اللوبي الصهيوني المخزني امتهن هذا الموتور مهنة سب الجزائر بمقابل مالي.

واستغل فترة تواجده في الجزائر ليتحول إلى شاهد تارة وخبير سياسي ودبلوماسي تارة أخرى له من المعرفة بخبايا الضفة الأخرى من المتوسط ما لا يمتلكه أخرون والحقيقة أن الكم الهزيل من المعرفة التي راكمها في الأبيار كانت تتعلق بالعصبة التي كان صديقا لها وبشبكة الخبارجية الذين كان يجندهم من أجل محاولة الاستحواذ على القرار السياسي في المرادية التي كانت خاوية على عروشها لسنوات.
ومن ذلك أن عين ” كزافييه دريانكورت” القاصرة لا ترى التقدم إلا في المغرب وتعتقد أن المصالح الفرنسية مع المخزن وليست مع الجزائر كما أن رأيه الذي لم يطلبه إيمانويل ماكرون كان ينصح دوما بالاعتراف بالأطروحة المغربية بخصوص الصحراء الغربية وهو يغيب كل المساعي التي كان يبذلها عندما كان منافقا فوق العادة في البلاد التي يلعنها الآن.
وقبل أن يصاب بالعمى المفاجئ أكد “دريانكورت” في جانفي 2018 أن استثمارات المؤسسات الفرنسية بالجزائر “تشهد تطورا” وهو يعاين أحد مصانع الإطارات المنفوخة بوهران ثم راقب عن كثب حراك الشارع في 2019 وقد فشل في مهمته الأساسية التي عين من أجلها في الجزائر حتى أصبحت تلاحقه الآن (عقدة الجزائر) في الكوابيس والبلاطوهات.
واعترف هذا الماكر قبل أن يغادر الأبيار (غير مرغوب فيه) أن “جزائر الآن هي غير تلك التي عرفها خلال 6 سنوات”، فقد تغير طعمها كما تغير مذاق العسل الذي حصده ذات خريف في “فيلا دي زوليفيي” كما أنكر سابقا على “باجولي” تلك التصريحات المستفزة التي أصبح يرددها هو حاليا بافتخار.
وقال الثعلب في ماي 2012 بأنه “حزين لمغادرته الجزائر” وقد عشق البرنوس الجزائري (يناير 2012) ووقف أمام ذكرى ضحايا المقصلة بسجن سركاجي (أكتوبر 2011) وزار الآثار الرومانية بجميلة (أفريل 2009) وضل يتحدث عن جودة العلاقات الثنائية ونجاعتها (في بجاية) وعن صوت الجزائر ودورها على الساحة الدولية (في جيجل) مع زراعته الدائمة للألغام سواء ما تعلق بالذاكرة أو التأشيرة أو حفلات العشاء مع أصدقائه “الكثر” في ذلك الوقت وإلى غاية الآن.




























