بوابة الجزائر الاخبارية : في إجراء عدائي جديد يُجسّد تصعيداً إدارياً وسياسياً متواصلاً، أقدم نظام المخزن المغربي على مصادرة عقارات وأراضٍ فلاحية مملوكة لرعايا وعائلات جزائرية في المغرب، وذلك بموجب ثلاثة قرارات مشتركة أُعيد من خلالها فتح ملف الأراضي الفلاحية التي كانت بحوزة أجانب. وتأتي هذه الخطوة في وقت تطالب فيه الجزائر منذ سنوات بضرورة دفع أكثر من 20 مليار دولار كتعويضات عن قيمة ممتلكات وحقوق نحو 14 ألف مواطن جزائري كان المغرب قد صادر أرزاقهم وأراضيهم عام 1973. وترجع جذور هذه القضية المعقدة إلى فترة السبعينيات، وتحديداً قبيل وبعد غزو المغرب للصحراء الغربية تحت مسمى “المسيرة الخضراء” في عهد الملك الحسن الثاني، وما أعقب ذلك من قرار الجزائر في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين بطرد 350 ألف مغربي، ردًا على تهجير المواطنين الجزائريين من المغرب ومصادرة عقاراتهم وممتلكاتهم.
وفي هذا السياق، جاءت القرارات الثلاثة الجديدة الصادرة بالعدد الأخير من الجريدة الرسمية تحت الأرقام (708.26، و709.26، و1758.26) لتُحدد بوضوح ما يُسمى بـ “العقارات والحقوق المشاعة المعنية بنقل الملكية إلى الدولة المغربية ومواعيد الشروع في حيازتها” بإقليمي سيدي قاسم وبركان، وذلك استناداً إلى ما يُعرف بالظهير الملكي المؤرخ في 2 مارس 1973 والمتعلق بالسطو على الأراضي الفلاحية أو القابلة للفلاحة المملوكة لأشخاص ذاتيين أو معنويين أجانب. وتتعلق هذه القرارات بأراضٍ فلاحية موزعة بين نطاقات تابعة لسيدي قاسم وأخرى بإقليم بركان، حيث كشفت ملاحقها الرسمية عن عقارات ومساحات ومواقع محددة بأسماء أصحاب الحقوق المسجلين، من بينهم أشخاص يحملون الجنسيتين الفرنسية والجزائرية.
وفي هذا السياق، يرى دكتور محمد مهران أستاذ القانون الدولي العام عضو الجمعيات الامريكيه والاوروبيه والمصريه للقانون الدولي في تصريحه “لبوابة الجزائر”، أن نشر هذه القرارات القاضية بنقل ملكية أراضٍ فلاحية بإقليمي سيدي قاسم وبركان من مواطنين يحملون الجنسيتين الجزائرية والفرنسية إلى ملكية الدولة المغربية، يُعد إعادة فتحٍ قسرية لملف قانوني وسياسي شائك عمره أكثر من خمسة عقود، مما يُضيف أبعاداً أكثر خطورة وأكثر تعقيداً في ظل أشد حالات الانقطاع الدبلوماسي بين البلدين.
نبش الأحافير التشريعية للتنصل من التعويضات
ويكشف الدكتور مهران أن جذور هذه المظلمة تعود إلى عام 1973، حين صادر المغرب بموجب ظهير ملكي الأراضي الفلاحية المملوكة للأجانب—وكان في مقدمتهم آلاف الجزائريين—ما دفع الجزائر حينها إلى اتخاذ إجراءات رادعة ورداً بالمثل، وأفضى هذا التبادل العدائي إلى تجميد أصول وحقوق تُقدّر الجزائر قيمتها اليوم بأكثر من 20 مليار دولار، تمثل حقوق 14 ألف جزائري صُودرت أملاكهم دون أي تعويض. وبدلاً من التعاطي بمسؤولية أخلاقية ودولية مع هذا الملف المتراكم، تُفضل الإدارة المغربية اليوم نبش هذه الأحافير التشريعية وتحديث قوائم المصادرة، في محاولة لإضفاء شرعية شكلية على أفعال تُجرد أصحاب الحقوق من أرزاقهم التاريخية وتلتف على المبالغ الضخمة المستحقة.
استغلال الجمود الدبلوماسي ومصيدة المحاكم الوطنية
وعن المسار الإجرائي والميداني المتاح للمتضررين، يؤكد أستاذ القانون الدولي أن الواقع القانوني يضع عقبات هيكلية أمام أي مقاضاة دولية مباشرة؛ إذ يفتقر الملف إلى اتفاقية تحكيم ثنائية تُجيز اللجوء لجهات التحكيم، فضلاً عن شرط محكمة العدل الدولية القاضي بقبول الطرفين لاختصاصها، وهو أمر غير متوفر تماماً في ظل انقطاع العلاقات الدبلوماسية منذ عام 2021. ويرى الدكتور مهران أن هذا الانسداد يُجبر أصحاب الحقوق الجزائريين والفرنسيين على مواجهة المحاكم الوطنية المغربية باعتبارها الملاذ المتاح أولاً للطعن، وهو ما يضع الضحايا عملياً تحت رحمة المنظومة التشريعية والإدارية ذاتها التي أصدرت قرارات نزع الملكية.
خرق العرف الدولي وفرض سياسة الأمر الواقع

ويختم الدكتور محمد محمود مهران إلى أن القانون الدولي العرفي صريح في حظر نزع الملكية الخاصة دون تقديم تعويض عادل ومكافئ، مشدداً على أن المسار الوحيد الواقعي للوصول إلى تسوية شاملة يمر حتماً عبر المفاوضات الدبلوماسية المباشرة عند توفر الإرادة السياسية. ويرى مهران أن صدور القرارات الثلاثة الجديدة في الجريدة الرسمية لا يُسهم في التمهيد للحل بل يُعقده، مُؤكداً أن تطبيق المبادئ القانونية والتزامات حسن الجوار يحتاج إلى إرادة سياسية جادة لا إلى الاكتفاء بإصدار قرارات إدارية تُكرس مصادرة الحقوق وفرض سياسة الأمر الواقع.















