بوابة الجزائر الاخبارية :في ظل استمرار الاختلالات البنيوية التي تطبع النظام الدولي، وتجدد الدعوات إلى إصلاح المؤسسات الأممية بما يعكس التحولات الجيوسياسية وموازين القوى العالمية، تعود قضية التمثيل الإفريقي في مجلس الأمن الدولي إلى واجهة النقاش الدبلوماسي، باعتبارها إحدى أبرز قضايا العدالة والإنصاف في منظومة الحوكمة العالمية.
وفي هذا السياق، جددت القارة الإفريقية، من العاصمة الليبية طرابلس، تمسكها بمطلب تاريخي يتمثل في الحصول على مقعدين دائمين بكامل الصلاحيات، بما فيها حق النقض، وخمسة مقاعد غير دائمة في مجلس الأمن الدولي، وذلك عقب اعتماد لجنة العشرة الإفريقية المعنية بإصلاح المجلس «وثيقة طرابلس 2026».
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه القارة، بينما لا تزال إفريقيا، رغم ثقلها الديمغرافي وحضور ملفاتها بقوة على أجندة مجلس الأمن، محرومة من التمثيل الدائم في الهيئة الأممية الأكثر تأثيراً في قرارات السلم والأمن الدوليين.
وتبرز الجزائر، من خلال تحركاتها الدبلوماسية ومواقف وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، ضمن الدول المدافعة عن تصحيح هذا الاختلال التاريخي، بما يضمن للقارة الإفريقية مكانة تتناسب مع وزنها السياسي والاستراتيجي، ويضع حداً لتهميش صوتها في صناعة القرارات الدولية.
ويطرح تجديد هذا المطلب تساؤلات جوهرية بشأن قدرة الدول الإفريقية على تحويل وحدة موقفها إلى مكاسب دبلوماسية ملموسة، في ظل تباين مصالح القوى الكبرى وتعقيدات إصلاح ميثاق الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، أكد عبدالله فارس القزاز، الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية، في تصريح خص به “بوابة الجزائر”، أن وثيقة طرابلس 2026 تمثل محاولة للانتقال من مرحلة المطالبة الإفريقية التقليدية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بإدارة القوة التفاوضية للقارة، معتبراً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إثبات أحقية إفريقيا في التمثيل الدائم، وإنما في تحويل وزنها السياسي والعددي إلى مكاسب مؤسسية داخل مجلس الأمن.
وأوضح القزاز أن القارة الإفريقية تمتلك ثقلاً دبلوماسياً مهماً، لكنها تواجه صعوبات في ترجمة هذا الثقل إلى نتائج ملموسة، مشيراً إلى أن نجاح الوثيقة يرتبط بقدرة الدول الإفريقية على التعامل معها باعتبارها إطاراً لإدارة التفاوض، وليس مجرد إعلان سياسي يجدد المطالب السابقة.
وأضاف الباحث أن توحيد الموقف الإفريقي من شأنه رفع الكلفة السياسية لأي محاولة لتجاهل مطالب القارة أو تفكيكها عبر تقديم تنازلات محدودة لبعض الدول، مؤكداً أن أي إصلاح لمجلس الأمن يستبعد التمثيل الإفريقي العادل سيظل عاجزاً عن معالجة الاختلالات التي يفترض أن عملية الإصلاح جاءت لتصحيحها.
الدبلوماسية الجزائرية أمام فرصة لتوسيع التحالفات الدولية
وفي معرض تحليله للدور الجزائري، أبرز عبدالله فارس القزاز أن الدبلوماسية الجزائرية تمتلك القدرة على التعامل مع ملف إصلاح مجلس الأمن باعتباره مساراً تفاوضياً طويل الأمد، يتطلب تحركات متوازية داخل الدوائر الإفريقية والعربية والدولية.
وأشار القزاز إلى أن الجزائر تستطيع المساهمة في الحفاظ على وحدة الموقف الإفريقي، وتوسيع قاعدة الدعم داخل العالم العربي ودول الجنوب، إلى جانب التواصل مع القوى الكبرى التي تتباين مصالحها ورؤاها بشأن مستقبل النظام الدولي.
واعتبر الباحث أن اختلاف حسابات القوى الدولية يمكن أن يشكل فرصة للدبلوماسية الإفريقية، موضحاً أن القوى الكبرى لا تتعامل مع إصلاح مجلس الأمن من منظور موحد، إذ قد ترى بعض الدول في توسيع العضوية تهديداً لنفوذها، بينما تعتبره أطراف أخرى فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى.
وفي هذا الإطار، شدد القزاز على أن فعالية التحرك الجزائري لا ترتبط بتكرار المطالب الإفريقية أمام الشركاء الدوليين، وإنما بالقدرة على استثمار التباينات بين القوى المؤثرة، وبناء مساحات تفاوضية جديدة تجعل القضية الإفريقية جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الدولية.
وأكد أن الجزائر يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في بناء التوافقات وتوسيع التحالفات الداعمة للإصلاح، بما يحول الموقف الإفريقي من مطلب إقليمي إلى قضية دولية مرتبطة بشرعية المؤسسات الأممية ومستقبل النظام متعدد الأطراف.
وحدة الموقف الإفريقي.. الاختبار الأصعب عند توزيع المقاعد
وفي قراءته للتحديات الداخلية، حذر عبدالله فارس القزاز من أن الاختبار الحقيقي لوحدة الموقف الإفريقي سيظهر عندما تنتقل المفاوضات من الاتفاق على مبدأ التمثيل العادل إلى تحديد الدول التي ستشغل المقعدين الدائمين.
وأوضح الباحث أن التوافق الإفريقي بشأن ضرورة الإصلاح قد يواجه تحديات مع بروز المنافسة بين العواصم الإفريقية، خصوصاً إذا لم يتم الاتفاق مسبقاً على آليات تضمن ارتباط الدول التي ستحصل على العضوية الدائمة بالمواقف والمصالح الجماعية للقارة.
وأشار القزاز إلى أن حصول دولتين إفريقيتين على مقعدين دائمين دون وجود آلية للتنسيق مع بقية الدول الإفريقية قد يؤدي إلى تمثيل شكلي، بدلاً من بناء نفوذ قاري حقيقي داخل مجلس الأمن.
وشدد على أن القيمة الاستراتيجية لوثيقة طرابلس لا تتحدد بمجرد الحفاظ على وحدة المطالب، بل بقدرة الدول الإفريقية على حماية هذه الوحدة خلال مرحلة توزيع السلطة والمكاسب السياسية.

واعتبر أن أي تنافس إفريقي غير منضبط قد يمنح القوى الخارجية فرصة لاستثمار الخلافات الداخلية وإضعاف الموقف التفاوضي المشترك، مؤكداً أن القوة الحقيقية للقارة تكمن في تحويل وزنها العددي إلى انضباط سياسي، ثم تحويل هذا الانضباط إلى نفوذ مؤسسي قادر على التأثير في قواعد اتخاذ القرار الدولي.
أوراق ضغط إفريقية تتجاوز مجلس الأمن
وفيما يتعلق بالأدوات الدبلوماسية المتاحة، أكد عبدالله فارس القزاز أن الجزائر والدول الإفريقية تمتلك أوراقاً تفاوضية مهمة، غير أن فعاليتها تبقى مرتبطة بقدرتها على توظيفها ضمن استراتيجية متكاملة.
وأوضح أن الوزن التصويتي الإفريقي داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، واتساع العلاقات مع القوى الدولية، والموقع الاستراتيجي للقارة في ملفات الطاقة والأمن والهجرة والموارد الطبيعية والأسواق والممرات البحرية، تمثل جميعها عناصر يمكن تحويلها إلى أدوات لتعزيز الموقف الإفريقي.
وأضاف القزاز أن المطلوب ليس الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، وإنما جعل استمرار الوضع الحالي أقل جاذبية بالنسبة إليها، من خلال ربط إصلاح مجلس الأمن بحسابات الشراكات الاقتصادية والتحالفات السياسية والتعاون متعدد الأطراف.
وأشار إلى أن الدول الكبرى قد لا تستجيب للمطالب القائمة على العدالة التاريخية وحدها، لكنها قد تعيد النظر في مواقفها عندما يصبح تجاهل المطالب الإفريقية مؤثراً في علاقاتها مع كتلة واسعة من الدول.
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث أن الجزائر تستطيع المساهمة في بناء جسور بين الموقف الإفريقي والدول التي تدعو إلى إعادة التوازن داخل المؤسسات الدولية، بما يسمح بتوسيع نطاق التفاوض خارج الأطر التقليدية.
كما شدد القزاز على ضرورة عدم تحويل مطلب زيادة المقاعد غير الدائمة إلى بديل عن العضوية الدائمة، موضحاً أن توسيع الحضور الدوري للقارة دون تعديل موقعها في بنية اتخاذ القرار لن يعالج جوهر الاختلال القائم.
إصلاح مجلس الأمن.. معركة شرعية النظام الدولي
وفي تقييمه لمستقبل الإصلاح، أكد عبدالله فارس القزاز أن مجلس الأمن يواجه مفارقة أساسية، تتمثل في تزايد الحاجة إلى إعادة هيكلته، مقابل استمرار تمسك القوى المستفيدة من النظام الحالي بالامتيازات التي يمنحها لها.
وأوضح أن العقبة الرئيسية لا تكمن في غياب الحجج القانونية والسياسية التي تبرر الإصلاح، وإنما في أن أي تعديل جوهري لبنية المجلس يعني إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة الدولية الأكثر تأثيراً في قضايا السلم والأمن.
وأشار القزاز إلى أن منح إفريقيا تمثيلاً دائماً لا يمثل مجرد إضافة مقعدين جديدين، بل قد يساهم في تغيير طبيعة النقاش بشأن الأزمات الدولية، من خلال تعزيز حضور الدول الإفريقية في تحديد الأولويات الأمنية ومناقشة القضايا التي تمس القارة بصورة مباشرة.
واعتبر أن التحدي الأساسي يتمثل في تجنب صيغة إصلاحية توسع عدد الأعضاء دون أن تغير موازين التأثير الفعلي، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج الاختلالات القائمة تحت غطاء تمثيل أوسع.
وفي ختام تصريحه لـ”بوابة الجزائر” شدد عبدالله فارس القزاز على أن نجاح المساعي الإفريقية يتوقف على قدرة لجنة العشرة على الحفاظ على وحدة الموقف، واستثمار التباينات بين القوى الكبرى، وربط إصلاح مجلس الأمن بمصداقية النظام الدولي وشرعيته.
وخلص الباحث إلى أن المعركة الدبلوماسية الإفريقية لا تتعلق بالمقاعد وحدها، وإنما بإعادة صياغة موقع القارة داخل منظومة صنع القرار العالمي، مؤكداً أن التحول الحقيقي سيحدث عندما يصبح استمرار تهميش إفريقيا أكثر كلفة سياسياً من الاستجابة لمطالبها، وعندما تتحول العدالة في التمثيل من مطلب قابل للتأجيل إلى اختبار فعلي لقدرة النظام الدولي على التكيف مع التحولات الجيوسياسية وموازين القوى الجديدة.










