بوابة الجزائر الإخبارية :تكتسي الدورة الحالية لأعمال لجنة المسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار (اللجنة الرابعة) التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية بالغة في مسار التضامن الدولي مع القضايا العادلة، إذ شهدت جلساتها نقاشات مكثفة ركزت على ضرورة استكمال عملية تصفية الاستعمار في آخر إقليم غير متمتع بالتعليم الذاتي في أفريقيا، وهو الصحراء الغربية.
وقد شكلت مداخلات العديد من الدول الممثلة لمختلف القارات، وفي مقدمتها الدول الإفريقية كجنوب إفريقيا وموزمبيق، إلى جانب التكتلات الإقليمية كمجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي (سيلاك)، وجمهورية نيكاراغوا، جبهة دبلوماسية موحدة لرفض فرض سياسة الأمر الواقع والتمسك بالشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار 1514 (د-15) الصادر عن الجمعية العامة والمتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
وتُبرز هذه المواقف المتطابقة دلالات جيو-سياسية ودبلوماسية متعددة الأبعاد، حيث شددت موزمبيق على ضرورة التعجيل بتنفيذ استفتاء تقرير المصير ومعالجة الملفات غير المكتملة، بينما ركزت جنوب إفريقيا على رفض الميكاييلية والانتقائية في تطبيق حقوق الشعوب، في حين عكس بيان مجموعة سيلاك وموقف نيكاراغوا إجماعاً إقليمياً واسعاً يعزز الشرعية التاريخية لحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في الحرية والاستقلال وفق ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة.
وفي هذا السياق، أكد الخبير في الشؤون الإفريقية، محمد أكنوش، ل ” بوابة الجزائر ” أن الضغط الذي تمارسه التكتلات الإقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي ومجموعة “سيلاك”، يشكل إحدى الأدوات الدبلوماسية الأساسية لمواجهة ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، مشيراً إلى أن التنسيق بين هذه المجموعات يساهم في تعزيز المواقف الداعية إلى احترام حق الشعوب في تقرير المصير، بعيداً عن الحسابات السياسية والمصالح الاستراتيجية للقوى الدولية المؤثرة.
وأوضح محمد أكنوش أن أهمية هذا الضغط الجماعي تتجلى في قدرته على كشف التناقضات التي تطبع مواقف بعض القوى الكبرى داخل مجلس الأمن الدولي، لا سيما تلك التي تتمسك بمبادئ السيادة الوطنية وتقرير المصير في نزاعات دولية معينة، على غرار النزاع الروسي الأوكراني، بينما تعتمد مقاربات مختلفة في التعامل مع قضية الصحراء الغربية، الأمر الذي يثير، بحسب تقديره، تساؤلات جدية بشأن مصداقية الالتزام الدولي بالمبادئ القانونية ذاتها.
وأشار محمد أكنوش إلى أن المواقف التي تتبناها دول إفريقية، وفي مقدمتها جنوب إفريقيا، تعكس توجهاً متنامياً نحو رفض إخضاع القضايا المرتبطة بتصفية الاستعمار لمنطق المصالح السياسية والانتقائية، معتبراً أن هذا التوجه يضع القوى الدولية أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، ويعزز المطالب بضرورة اعتماد معايير موحدة في معالجة النزاعات الدولية.
وفي السياق ذاته، أبرز محمد أكنوش أن التقارب الدبلوماسي بين الاتحاد الإفريقي ومجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي يمنح قضية الصحراء الغربية بعداً دولياً أوسع، ويحول دون اختزالها في إطار خلاف إقليمي محدود، من خلال إعادة ربطها بسياقها التاريخي والقانوني باعتبارها إحدى قضايا تصفية الاستعمار المدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة.
واعتبر محمد أكنوش أن توسيع دائرة الاهتمام الدولي بالقضية الصحراوية يكتسي أهمية استراتيجية، بالنظر إلى ما يتيحه من فرص لتعزيز حضورها داخل المؤسسات متعددة الأطراف، مؤكداً أن مصداقية المنظومة الأممية تظل مرتبطة بمدى قدرتها على تطبيق المبادئ التي تأسست عليها، وفي مقدمتها احترام حق الشعوب في تقرير المصير وعدم التمييز بين القضايا الخاضعة للقانون الدولي.
وأضاف محمد أكنوش أن أحد أبرز المكاسب التي يمكن أن يحققها الضغط الدبلوماسي الجماعي يتمثل في تحصين المرجعيات القانونية للقضية الصحراوية، من خلال دعم استمرار تناولها داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار قضايا إنهاء الاستعمار، والتمسك بالمبادئ التي أرساها القرار الأممي رقم 1514، المتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.

وشدد محمد أكنوش على أن الحفاظ على هذه المرجعيات يمثل ضمانة قانونية وسياسية مهمة تحول دون تهميش القضية أو إخراجها من مسار تصفية الاستعمار، لافتاً إلى أن استمرار حضورها ضمن الأجندة الأممية يعكس بقاء المسؤولية الدولية قائمة تجاه إيجاد تسوية تتوافق مع مبادئ الشرعية الدولية.
مجلس الأمن أمام اختبار جديد في ملف الصحراء الغربية
وبخصوص مستقبل العملية السياسية، أكد الخبير في الشؤون الإفريقية محمد أكنوش أن تعثر المفاوضات واستمرار الانسداد السياسي يضعان قضية الصحراء الغربية أمام مرحلة دقيقة، تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية والميدانية والقانونية، في ظل صعوبة تحقيق اختراق دبلوماسي قادر على تقريب مواقف الأطراف المعنية.
وأوضح محمد أكنوش أن الأنظار تتجه إلى مجلس الأمن الدولي مع اقتراب موعد انتهاء الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو“، المرتقب في 31 أكتوبر 2026، معتبراً أن المداولات الأممية بشأن تجديد ولاية البعثة ستشكل مؤشراً مهماً على طبيعة التوجه الدولي خلال المرحلة المقبلة.
ويرى محمد أكنوش أن المرحلة المقبلة قد تفتح الباب أمام مراجعة المقاربة الأممية المعتمدة في إدارة الملف، خصوصاً في ظل الصعوبات التي تواجه جهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، مشيراً إلى أن استمرار تعثر المسار التفاوضي قد يدفع نحو البحث عن آليات جديدة لإعادة تنشيط العملية السياسية، سواء من خلال تعديل أساليب الوساطة أو اعتماد مقاربة تفاوضية مختلفة.
ولفت محمد أكنوش إلى أن احتمال تغيير المبعوث الأممي أو إعادة صياغة استراتيجية الوساطة يظل أحد السيناريوهات المطروحة في إطار التقديرات السياسية، غير أن تحقيق أي تحول فعلي سيبقى مرهوناً بمدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط في مسار تفاوضي جاد، فضلاً عن طبيعة التوازنات داخل مجلس الأمن ومواقف القوى الدولية المؤثرة.
وفي المقابل، أوضح محمد أكنوش أن السيناريو الآخر يتمثل في استمرار الوضع القائم، عبر تجديد ولاية بعثة «المينورسو» دون تسجيل تقدم سياسي ملموس، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد الجمود التفاوضي والإبقاء على الملف مفتوحاً في انتظار تحولات إقليمية أو دولية تسمح بإعادة تحريك مسار التسوية.
واعتبر محمد أكنوش أن التمديد التقني للبعثة، في حال عدم اقترانه بديناميكية سياسية جديدة، قد يعكس استمرار صعوبة التوصل إلى توافق دولي بشأن آليات الحل، خاصة في ظل تباين مواقف الأطراف المعنية واختلاف الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى داخل مجلس الأمن.
وأكد محمد أكنوش أن مستقبل القضية الصحراوية لن يتحدد فقط من خلال المداولات المرتقبة داخل مجلس الأمن، بل سيتأثر أيضاً بمدى قدرة التكتلات الإقليمية والدول الداعمة لمسار تصفية الاستعمار على الحفاظ على زخمها الدبلوماسي، والدفع نحو معالجة القضية وفق مرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وختم الخبير في الشؤون الإفريقية محمد أكنوش إلى أن المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً حقيقياً لقدرة المنظومة الدولية على تجاوز منطق الانتقائية في التعامل مع النزاعات، مشدداً على أن استمرار الضغط الإفريقي واللاتيني يمثل عاملاً مهماً في إبقاء قضية الصحراء الغربية ضمن أولويات النقاش الأممي، والحفاظ على بعدها القانوني المرتبط بحق تقرير المصير، في انتظار تبلور الظروف السياسية والدبلوماسية الكفيلة بإخراج الملف من حالة الجمود التي يعيشها منذ سنوات.



























