مقال رأي بقلم: توفيق هيشور محامي جزائري
بوابة الجزائر الإخبارية: هذه المرة الأولى التي أكتب فيها عن ملف العلاقات الجزائرية المغربية، لا بدافع الإنفعال ولا تحت ضغط حدث ظرفي، بل بعد قناعة راسخة بان الصمت في لحظات التحول التاريخي خيانة ناعمة، وبان التواطؤ غير المعلن أخطر من العداء المعلن.

أكتب اليوم منتقدا بوضوح جزءا من النخب الوطنية التي إختارت الهروب إلى العاطفة، والاحتماء بشعار الشعب المغربي الشقيق، وكأن الجغرافيا تدار بالنيات، وكأن الأمن القومي يحرس بالأغاني، وكأن التاريخ لم يكن يوما سجلا للغدر بقدر ما هو سجل للقوة.
هذا الخطاب ليس إنسانيا ولا أخلاقيا كما يروج له، بل ساذج استراتيجيا، أعمى خرائطيا، وخطير في صراع وجودي حقيقي تقوده دولة مخزنية بعقيدة توسعية قديمة، وبقيادة أمنية صهيونية ، وبدفع مباشر من غرف القرار الغربية.
الخطأ القاتل الذي يتم تسويقه عمدا أو جهلا هو اختزال الخلاف في ملف الصحراء الغربية، بينما الصحراء ليست سوى واجهة، عنوانا ظاهرا لمشروع أعمق بكثير، مشروع لم يتوقف منذ الاستقلال عن اختبار حدود الجزائر، من حرب الرمال، إلى الطعن المبكر في وحدتها الترابية، إلى العداء الممنهج لخياراتها السيادية، إلى تخريب الاتحاد المغاربي، وصولا إلى التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني، ليس كتفصيل دبلوماسي بل كتحالف أمني استخباراتي عسكري، وجلب الغزاة الصهاينة إلى تخوم الجزائر في أخطر سابقة في تاريخ المنطقة.

ما تقوم به الجارة الغربية ليس سوء تفاهم ولا زلة سياسة، بل تراكم كبائر استراتيجية، قائمة على عقيدة مخزنية ترى الحدود قابلة لاعادة التفاوض، وترى التاريخ ذريعة للتمدد، وترى الجزائر العقبة المركزية أمام لعب دور الشرطي الاقليمي لصالح الغرب.

هنا يجب أن يكون الكلام واضحا بلا مواربة، الجزائر لا تواجه المغرب كدولة ذات قرار سيادي مستقل، بل تواجه وظيفة إقليمية مرسومة بدقة، وظيفة تنفذ بالوكالة، تحمى بالضمانات الغربية، وتراقب بعين صهيونية ، المغرب اليوم منصة متقدمة لتطويق الجزائر، لضرب عمقها الاستراتيجي، لعرقلة امتدادها الافريقي، ولتحجيم قرارها المستقل في المتوسط والساحل.
وعندما يتحرك المخزن فإنه لا يتحرك من موقع القوة الذاتية، بل من وهم الحماية الخارجية، من وعد غربي قديم مفاده تقدم ونحن نغطيك.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن حب الشعوب وجمالها وتاريخها المشترك حديثا بلا معنى استراتيجي، فالشعوب تحب، لكن الدول تتصارع، والجغرافيا لا تعترف بالعواطف، والتاريخ يعلمنا ان أعظم الخيانات ارتكبت بين جيران يتشاركون اللغة والدين.
من يرفع شعار الأخوة لتبرير التراخي لا يمارس الحكمة بل يشارك في تعرية الجبهة الداخلية، نحن لا نعيش خلافا دبلوماسيا ولا تنافس نفوذ عادي، نحن أمام مشروع توسعي بالوكالة، بغطاء غربي، وبرعاية صهي ونية ، وباداة مخزنية، والجزائر بتاريخها الثوري، وعمقها الجغرافي، وعقيدتها السيادية، ليست هدفا عابرا بل الجائزة الكبرى، ولهذا فان الوضوح اليوم واجب وطني، والحزم ضرورة تاريخية، وكل تمييع باسم العاطفة ليس حيادا، بل اصطفافا غير معلن مع الخطر.











