عبد الجليل بن رابح وزير مفوض نائب السفير لدى سفارة تونس لـ”بوابة الجزائر”: أمن تونس والجزائر لا يتجزأ.. والشراكة الاستراتيجية رهان لتعزيز السيادة والتنمية والاستقرار الإقليمي
حوار : ربيعة خطاب
بوابة الجزائر الإخبارية : أكد عبد الجليل بن رابح، الوزير المفوض ونائب السفير بسفارة الجمهورية التونسية، في حوار مع «بوابة الجزائر»، أن العلاقات التونسية الجزائرية تستند إلى إرث تاريخي عميق من النضال المشترك والروابط الأخوية ووحدة المصير، مشدداً على أن التنسيق السياسي والأمني المستمر بين البلدين يعكس إرادة قيادتيهما في الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستويات أوسع، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار الإقليمي.

وأوضح بن رابح أن تونس والجزائر تتقاسمان رؤية تقوم على احترام السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية، سواء في معالجة الأزمة الليبية أو في مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود، لافتاً إلى أن تنمية المناطق الحدودية وتوسيع الشراكات الاقتصادية والصناعية والطاقوية تمثل ركائز أساسية لتعزيز التكامل بين البلدين.

كما شدد على أن الشراكات الدولية لا تعني التنازل عن السيادة الوطنية، محذراً من مخاطر التلاعب بالرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وداعياً إلى تعزيز الوعي الرقمي وحماية المجتمعات من محاولات إثارة الكراهية وضرب الاستقرار.
علاقات تاريخية وتنسيق سياسي يعكسان وحدة المصير
وفي حديثه عن طبيعة العلاقات الثنائية ومستوى التنسيق السياسي بين الجزائر وتونس، أكد عبد الجليل بن رابح أن العلاقات بين البلدين تستمد قوتها من تاريخ عريق من الروابط الأخوية والتلاحم والنضال المشترك بين الشعبين الشقيقين.
وأوضح أن هذا المسار التاريخي أسهم في ترسيخ وعي عميق لدى الشعبين وقيادتي البلدين بوحدة المصير وحتمية التعاون والتآزر من أجل بناء الدولتين وتحقيق تطلعاتهما إلى مزيد من التقدم والازدهار في مختلف المجالات، فضلاً عن مواجهة التحديات المشتركة.

وأشار الدبلوماسي التونسي إلى أن المرحلة الراهنة تتميز بتواصل سياسي مستمر وتنسيق دائم بين البلدين، وهو ما يعكس حرص قيادتيهما على تعزيز علاقات التعاون والشراكة وتبادل وجهات النظر بشأن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ولا سيما في المحيطين العربي والمتوسطي.
وأضاف أن هذا التنسيق يهدف إلى خدمة مصالح البلدين والشعبين، والحفاظ على المكاسب المشتركة وتعزيز الأمن وسلامة المجتمعات، إلى جانب الإسهام في إرساء نظام دولي وإقليمي أكثر عدلاً واستقراراً وتشاركية.
التعاون الأمني.. ترجمة عملية للإرادة السياسية المشتركة
وفي ما يتعلق بالأمن القومي وحماية الحدود، اعتبر بن رابح أن التعاون الأمني بين تونس والجزائر يمثل أحد أبرز المجالات التي نجحت فيها السلطات المختصة في تحويل الإرادة السياسية المشتركة إلى واقع ملموس.
وأوضح أن التواصل المباشر والمستمر بين الأجهزة الأمنية المختصة في البلدين مكّن من تطوير آليات مواجهة التهديدات القائمة والمحتملة، انطلاقاً من قناعة مشتركة مفادها أن أمن تونس وسلامتها لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن أمن الجزائر واستقرارها، والعكس صحيح.

وأكد أن هذه الرؤية ظلت حاضرة في مختلف اللقاءات والزيارات رفيعة المستوى التي تجمع قيادتي البلدين، مشيراً إلى أن السلطات التونسية والجزائرية أثبتت قدرتها على التعامل السريع والسلس والناجع مع الملفات الأمنية المطروحة، ونجحت إلى حد كبير في مواجهة التهديدات المرتبطة بمظاهر الجريمة العابرة للحدود.
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن القضاء النهائي على هذه التهديدات، بما فيها الهجرة غير النظامية والمخاطر المرتبطة بها، يستوجب تضافر جهود مختلف الدول المعنية
.

وأوضح أن الدبلوماسيتين التونسية والجزائرية تعملان على تكريس هذا التوجه من خلال مقاربة شاملة تتجاوز المعالجة الأمنية البحتة، نحو بناء شراكات دولية وإقليمية متكافئة تستهدف معالجة الأسباب العميقة لهذه الظواهر، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها.
وأشار إلى أن التجارب أثبتت أن شبكات تهريب البشر والاتجار بهم والجرائم المصاحبة لها لا يمكن القضاء عليها بجهود دولة واحدة، بل تتطلب تعاوناً وثيقاً ومتعدد الأطراف بين دول المصدر والعبور والمقصد.
كما شدد على أهمية دور المواطن بوصفه شريكاً أساسياً في حماية الأمن القومي وضمان نجاح الاستراتيجيات الأمنية والتنموية، خاصة في المناطق الحدودية المشتركة.
الأزمة الليبية.. رفض التدخلات الخارجية والتمسك بحل ليبي–ليبي
وبشأن الأزمة الليبية وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي، أكد نائب السفير التونسي أن هذه الأزمة طال أمدها وازدادت تعقيداً وعمقاً بفعل التدخلات الخارجية، مشيراً إلى أن تونس والجزائر تعدان من أكثر الدول تضرراً من استمرارها وما تفرزه من تحديات أمنية وسياسية.
وأوضح أن البلدين من أشد الأطراف حرصاً على التوصل إلى تسوية عاجلة تحفظ وحدة ليبيا وسيادتها وتصون مقدراتها وثرواتها.

وأشار إلى أن المقاربتين التونسية والجزائرية تجاه الملف الليبي ترتكزان على رؤية دبلوماسية وأمنية مشتركة ترفض التدخلات الأجنبية وتدعم الحل السياسي الشامل عبر حوار ليبي–ليبي يحافظ على وحدة الأراضي الليبية ومؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار، أبرز بن رابح أهمية التنسيق الثلاثي بين تونس والجزائر ومصر في إطار اللجنة الثلاثية، موضحاً أن هذا المسار يهدف أساساً إلى العمل المشترك من أجل ترسيخ هذه المقاربة باعتبارها ضرورة لمنع الانهيار الشامل في ليبيا.
وأضاف أن الدول الثلاث تسعى إلى إقناع مختلف الأطراف المعنية، داخل ليبيا وخارجها، بضرورة تهيئة الظروف الإقليمية والدولية الملائمة لإنهاء الأزمة.
وأكد أن تونس والجزائر ومصر تلتقي مواقفها ومصالحها حول ضرورة حماية وحدة ليبيا وإقامة دولة ليبية في إطار مسار مصالحة ليبية–ليبية.

و تستعد العاصمة الجزائرية مطلع الأسبوع المقبل لاحتضان اجتماع جديد لآلية التشاور الثلاثية بشأن ليبيا بمشاركة. وزارات خارجية تونس و الجزائر ومصر
التكامل الاقتصادي.. فرص واعدة في الصناعة والطاقة والفلاحة
وفي الشق الاقتصادي، أكد عبد الجليل بن رابح أن الإرادة المشتركة لتعزيز التعاون والشراكة بين تونس والجزائر تظل قوية ومتجددة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن البلدين يمتلكان من الإمكانيات والقدرات ما يؤهلهما لتحقيق العيش الكريم لشعبيهما، وخدمة مصالحهما المشتركة وبناء دولتين قويتين ومستقرتين وفاعلتين.
وأوضح أن السلطات التونسية والجزائرية عملت خلال السنوات الماضية على تحديد مجالات الاهتمام المشترك ووضع الخطط والبرامج اللازمة لتفعيل مشاريع التعاون وتجسيد فرص الشراكة المتاحة.
وأشار إلى أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تتميز حالياً بتنوع مجالاتها وتفاوت مستويات تقدمها، مثمناً التعاون القائم في قطاع الطاقة وحجم المبادلات التجارية في العديد من المواد بين الجانبين.
غير أنه شدد على أهمية مواصلة استكشاف فرص جديدة في قطاعات متعددة، بما يسمح بالارتقاء بالتعاون الاقتصادي إلى مستويات تتناسب مع الإرادة السياسية القائمة ومتطلبات المرحلة الراهنة.
وفي هذا السياق، حدد الدبلوماسي التونسي جملة من القطاعات الواعدة التي يمكن أن تشكل قاطرة لديناميكية اقتصادية جديدة بين البلدين، وفي مقدمتها الشراكة الصناعية، لا سيما في مجال صناعة السيارات.
وأوضح أن الجزائر تخوض تجربة رائدة في توطين هذه الصناعة، في حين تمكنت تونس من تحقيق نسبة اندماج معتبرة في صناعة مكونات السيارات والطائرات، وهو ما يفتح المجال أمام فرص للتكامل الصناعي.
كما أبرز أهمية توسيع التعاون الفني والاستفادة المتبادلة من خبرات البلدين في مختلف المجالات، إلى جانب الاستثمار المشترك في مشاريع الطاقة والطاقات المتجددة.
وأشار كذلك إلى الإمكانيات المتاحة في مجال تثمين الموارد الفلاحية والزراعية، وإنجاز مشاريع مشتركة، خاصة في المناطق الحدودية.
المناطق الحدودية.. التنمية صمام أمان في مواجهة الإرهاب والتهريب
وفي ما يتعلق بتنمية المناطق الحدودية والاستثمارات المشتركة، أكد بن رابح أن هذه المناطق ستظل رهاناً أساسياً للسلطات التونسية والجزائرية، ومقياساً حقيقياً لمدى نجاح البلدين في استغلال مواردها وتحقيق شروط نهضتها الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح أن المناطق الحدودية اضطلعت تاريخياً بدور محوري في تعزيز التواصل والروابط بين الشعبين، كما تمثل اليوم فضاءً مهماً لتطوير التعاون الثنائي وتحقيق التنمية المحلية.
وأشار إلى أن تحسين ظروف معيشة سكان الشريط الحدودي وتثبيتهم في مناطقهم يمثلان جزءاً أساسياً من المقاربة المشتركة، بما يجعل هذه المناطق صمام أمان في مواجهة الإرهاب والتهريب والجريمة العابرة للحدود.
وشدد على أن نجاح هذه المقاربة يتطلب الجمع بين البعدين الأمني والتنموي، باعتبارهما عنصرين متلازمين في حماية الاستقرار.
وأوضح أن السلطات التونسية والجزائرية أدركت مبكراً أهمية تنمية المناطق الحدودية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن تحسين ظروف عيش السكان وتوفير بدائل اقتصادية حقيقية يحول المواطن من ضحية محتملة لشبكات التهريب أو الجماعات الإرهابية إلى شريك فاعل في حماية الوطن وخط دفاع أول عن أمنه واستقراره.
وفي هذا الإطار، أشار إلى إعادة إحياء وتفعيل لجنة تنمية وترقية المناطق الحدودية، التي تعقد اجتماعات دورية بمشاركة ولاة المناطق الحدودية في البلدين.
وذكّر بأن الاجتماع الأول للجنة، المنعقد في جانفي 2024 برئاسة وزيري داخلية البلدين، أسفر عن وضع تصور تنموي شامل للمناطق الواقعة على امتداد الشريط الحدودي المشترك.
كما تُوج الاجتماع بالتوقيع على خارطة طريق لإنجاز عدد من المشاريع المشتركة، إلى جانب اعتماد توصيات لمتابعة مخرجات اللجنة وتفعيلها.
مشاريع مشتركة لتطوير النقل والتجارة والطاقة الشمسية
وفي استعراضه لأبرز المشاريع التي حددها الجانبان ويعملان على استكمال دراستها تمهيداً لتفعيلها، أوضح بن رابح أن تحسين النقل والتنقل بين تونس والجزائر يأتي في مقدمة الأولويات، من خلال تطوير ظروف استقبال المسافرين في المعابر الحدودية وتقليص فترات الانتظار.
وأشار إلى إعطاء إشارة انطلاق القطار الرابط بين تونس وعنابة منذ أوت 2024، فضلاً عن فتح خطوط نقل بري منتظمة بين البلدين منذ مارس 2026.
كما كشف أن المشاريع المطروحة تشمل دراسة سبل تنمية المبادلات التجارية بين الولايات الحدودية، وتطوير بعض المعابر الحدودية وتغيير تصنيفها، إلى جانب تهيئة مناطق للتبادل الحر وإنشاء مناطق لوجستية.
وفي المجال الطاقوي، أشار إلى وجود مشاريع لإقامة محطات لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية في بعض المناطق الحدودية.

وتتضمن مجالات التعاون المقترحة أيضاً تنظيم معارض مشتركة في الولايات الحدودية للتعريف بالمنتجات الثقافية والسياحية المحلية، فضلاً عن جرد فرص التكوين المتاحة في مختلف المجالات، بما يسمح بتثمين الإمكانيات البشرية والاقتصادية لهذه المناطق.
السيادة الوطنية.. الشراكات الدولية لا تعني التنازل عن القرار المستقل
وفي رده على القضايا المتعلقة بالسيادة الوطنية والخطاب الإعلامي، شدد عبد الجليل بن رابح على أن تونس، شأنها شأن الجزائر، تتمسك تمسكاً كاملاً بسيادتها الوطنية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدولة ومؤسساتها.
وأوضح أن السيادة التونسية تحققت بفضل التضحيات الجسام التي قدمها شهداء الوطن في مواجهة الاستعمار ونيل الحرية والاستقلال.
وأكد أن تونس لا تقبل التدخل في شؤونها الداخلية، مثلما تلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
وفي ما يتعلق بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية، أوضح أن التعاون بين الدول يمكن أن يشمل مختلف المجالات، بهدف إيجاد أطر قانونية ملائمة تواكب التحولات التي يشهدها العالم.
وأشار إلى أن صياغة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تندرج في إطار ممارسة الدول لسيادتها، باعتبارها أدوات لتطوير التعاون وخدمة المصالح المشتركة دون المساس باستقلالية القرار الوطني.
وشدد في هذا السياق على أن الشراكات الدولية لا تعني تقديم تنازلات تمس السيادة الوطنية، بل تمثل وسيلة لتعزيز مناعة الدولة وتوفير الأطر الملائمة لتنفيذ سياساتها الوطنية ومقارباتها التنموية والأمنية الشاملة.
التحذير من التلاعب الرقمي ومحاولات ضرب العلاقات والاستقرار
وفي ختام حديثه عن الخطاب الإعلامي والتحديات المرتبطة بالفضاء الرقمي، حذر بن رابح من مخاطر اختراق العديد من وسائل الإعلام، ولا سيما منصات التواصل الاجتماعي، وتوجيه مضامينها عبر خوارزميات مغرضة.
وأكد ضرورة اليقظة تجاه المحتويات التي قد تمس سلامة المواطن وأمنه الشامل، مشيراً إلى أن مواجهة هذه الظواهر أصبحت من أبرز التحديات الفكرية الراهنة.
وأوضح أن التصدي لمحاولات التلاعب بالرأي العام يستوجب اعتماد استراتيجيات متعددة الأبعاد تقوم على تطوير الوعي الرقمي وتعزيز السيادة الرقمية.
وشدد على أهمية حماية المجتمعات من المضامين التي تستهدف توجيه الرأي العام ضد مصالح البلدان، أو التأثير في السلم الأهلي وإثارة النعرات والكراهية.
كما أكد ضرورة مواجهة محاولات ضرب النسيج المجتمعي والمقومات الأساسية للاستقرار الاجتماعي والسياسي، بما يحفظ أمن الدول ومصالح شعوبها.
وتعكس مواقف عبد الجليل بن رابح، كما عرضها في حواره مع “بوابة الجزائر”، تمسك تونس بتعزيز التعاون مع الجزائر على أسس الأخوة التاريخية ووحدة المصير واحترام السيادة الوطنية، مع إعطاء أهمية خاصة للتنسيق الأمني والتكامل الاقتصادي وتنمية المناطق الحدودية، إلى جانب مواصلة العمل المشترك من أجل استقرار ليبيا والتصدي للتحديات الإقليمية والرقمية.









