بوابة الجزائر الاخبارية: قال الباحث في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية ، حمزة برحايل، في تصريح لـ”بوابة الجزائر“، إن التهديدات التي تواجه الدول في القرن الحادي والعشرين أصبحت أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في الحروب التقليدية أو المواجهات العسكرية المباشرة، موضحا أن التحولات التي شهدتها البيئة الأمنية الدولية أفرزت أنماطا جديدة من الصراع تعتمد على توظيف الفاعلين غير الحكوميين، والشبكات العابرة للحدود، والحرب المعلوماتية، والعمليات التخريبية، ضمن ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية ب ” التهديدات الهجينة ” .
وأوضح برحايل أن إعلان وزارة الدفاع الوطني عن تفكيك خلية إرهابية تابعة لحركة “الماك“، تضم أربعة أشخاص يحملون الجنسية المغربية، يكتسب أهمية تتجاوز البعد الأمني المباشر، إذ يطرح جملة من الدلالات المرتبطة بطبيعة التهديدات المعاصرة وانعكاساتها على الأمن القومي الجزائري.
وأشار محدثنا إلى أن هذا التطور، ومن منظور الدراسات الأمنية، يمكن قراءته بوصفه مؤشرًا على تطور أنماط التهديدات غير التقليدية، التي لم تعد تعتمد فقط على العمل السري المحلي، وإنما أصبحت تستند إلى شبكات مرنة تمتد عبر الحدود، بما يسمح لها بتوسيع هامش الحركة وتجاوز القيود الجغرافية، مضيفا أن المعطيات التي أعلنتها وزارة الدفاع الوطني بشأن وجود عناصر أجنبية ضمن خلية مرتبطة بتنظيم مصنف إرهابي تثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة الامتدادات البشرية واللوجستية التي قد تلجأ إليها مثل هذه التنظيمات، مؤكدًا أن مواجهة هذه التهديدات تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين العمل الاستخباراتي، والتنسيق الأمني، واليقظة المؤسساتية.
ولفت إلى أن مفهوم التهديدات الهجينة يعد من أكثر المفاهيم قدرة على تفسير طبيعة هذه التحديات، مبينًا أن الفاعلين الذين يعتمدون هذا النمط من العمل لا يسعون بالضرورة إلى تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، وإنما إلى استنزاف الدولة عبر توظيف وسائل متعددة تشمل النشاط السري، والتأثير الإعلامي، واستغلال الهشاشات الاجتماعية والسياسية، وتفعيل شبكات غير نظامية لتحقيق أهداف استراتيجية، مبرزا أن خطورة هذه التهديدات لا تكمن فقط في طبيعة العمليات التي قد تنفذها، وإنما أيضا في محاولتها التأثير في بيئة الدولة وإرباك مؤسساتها وإضعاف الإحساس بالأمن والاستقرار.
كما اعتبر برحايل أن توقيت العملية الأمنية يحمل دلالة استراتيجية تستحق التوقف عندها، لكونها جاءت في مرحلة تشهد استحقاقات سياسية وطنية، موضحًا أن أدبيات الأمن تشير إلى أن الفترات المرتبطة بالمواعيد السياسية الكبرى تمثل أهدافًا محتملة للتنظيمات المتطرفة أو الشبكات التخريبية، لما قد تتيحه من فرص لإثارة الارتباك أو التأثير في المناخ العام، مشددا على أن نجاح الأجهزة الأمنية في إحباط أي تهديد محتمل خلال هذه المراحل يعكس قدرة الدولة على حماية مؤسساتها وضمان استمرارية المسار الدستوري في بيئة تتسم بتزايد التحديات الأمنية.
وأكد المتحدث ذاته أن هذه العملية تبرز كذلك الأهمية المتزايدة للاستخبارات الوقائية باعتبارها أحد أهم مرتكزات الأمن القومي الحديث، موضحًا أن نجاح المصالح المختصة في كشف الخلية وتفكيكها قبل انتقالها إلى مراحل أكثر خطورة يعكس مستوى متقدمًا من العمل الاستباقي، ويبرز قدرة الأجهزة الأمنية على جمع المعلومات وتحليلها وربط المؤشرات المختلفة بما يسمح باحتواء التهديدات قبل تحولها إلى أزمات أمنية.
ونوه بأن هذا النجاح يحمل أيضا بعدًا ردعيًا، إذ يبعث برسالة واضحة مفادها أن اليقظة الاستخباراتية تمثل عنصرًا حاسمًا في الحد من قدرة الشبكات التخريبية على الحركة والتنظيم.
واستدرك بالقول إن مواجهة التهديدات الهجينة لا يمكن أن تعتمد على المقاربة الأمنية وحدها مهما بلغت كفاءتها، موضحًا أن الدراسات الاستراتيجية الحديثة تؤكد أن مرونة الدولة أصبحت أحد أهم عناصر الأمن القومي، وتعني قدرة المؤسسات والمجتمع على الحفاظ على تماسكهما واستمرارية أدائهما في مواجهة الضغوط والأزمات.
وختم بالتأكيد على أن الوعي المجتمعي، والثقة بالمؤسسات، وتعزيز ثقافة المسؤولية الوطنية، ومقاومة حملات التضليل والاستقطاب، تمثل خطوط دفاع موازية للعمل الأمني والاستخباراتي، بما يعزز قدرة الدولة على التصدي للتهديدات المركبة، مشيرا إلى أن هذه القضية تكشف أن الأمن القومي الجزائري يواجه بيئة أمنية متغيرة تتسم بتعدد مصادر التهديد وتداخل أبعادها، كما تؤكد أن حماية الدولة في العصر الراهن لم تعد ترتبط فقط بتأمين الحدود أو امتلاك القدرات العسكرية، وإنما أصبحت تقوم على تكامل الأداء الاستخباراتي، والجاهزية المؤسساتية، والوعي المجتمعي، بما يعزز قدرة الجزائر على التكيف مع التحولات الأمنية المعاصرة وصون استقرارها وسيادتها في مواجهة مختلف التحديات.






