بوابة الجزائر الاخبارية: تستعد الجزائر للدخول في مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية مع ألمانيا، مع الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى برلين يوم 16 جويلية المقبل، بدعوة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، في خطوة تحمل أبعادا سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتعكس تحوّل الجزائر إلى فاعل استراتيجي تزداد أهميته داخل الحسابات الأوروبية الجديدة.

فالزيارة تأتي في توقيت دولي بالغ الحساسية، تعيد فيه أوروبا ترتيب أولوياتها الاقتصادية والطاقوية، بحثا عن شركاء موثوقين خارج دوائر الارتهان التقليدي ، وفي هذا المشهد، تبرز الجزائر كقوة إقليمية صاعدة تمتلك ما تحتاجه القارة الأوروبية اليوم، الاستقرار السياسي، الموقع الجغرافي، الموارد الطاقوية، والقدرة على التحول نحو اقتصاد المستقبل.
ولم يعد الاهتمام الألماني بالجزائر مرتبطا فقط بالغاز الطبيعي، رغم الأهمية الكبرى التي يمثلها هذا الملف بالنسبة لأوروبا، بل بات يشمل مجالات أكثر عمقا ترتبط بالتحول الطاقوي، الصناعة، التكنولوجيا، المؤسسات الناشئة، والبحث العلمي. وهو ما يؤكد أن برلين تنظر إلى الجزائر كشريك طويل المدى، لا كسوق ظرفية مرتبطة بأزمة طاقة عابرة.
وكان سفير ألمانيا لدى الجزائر، جورج فلسهايم، قد كشف عن موعد الزيارة خلال لقاء خصص لبحث التعاون في مجالات الابتكار وريادة الأعمال والبحث العلمي، في إشارة واضحة إلى أن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة جديدة تتجاوز التعاون التقليدي نحو شراكات قائمة على المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار المنتج.
ويعكس هذا المسار تطورا لافتا في طبيعة العلاقات الجزائرية الألمانية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد المكالمة الهاتفية التي جمعت الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بنظيره الألماني في جويلية 2025، والتي تناولت سبل تعزيز التعاون الثنائي إلى جانب القضايا الدولية والإقليمية الراهنة.

ومنذ ذلك الحين، بدا واضحا أن هناك إرادة سياسية مشتركة لرفع مستوى العلاقات نحو أفق أكثر استراتيجية.وفي قلب هذه المعادلة، تبرز الطاقة كأحد أكبر مفاتيح التقارب بين البلدين. الجزائر لم تعد بالنسبة لألمانيا مجرد ممون للطاقة، بل تحولت إلى شريك قادر على لعب دور محوري في التحول الأوروبي نحو الطاقات النظيفة.
ومع تصاعد الرهان العالمي على الهيدروجين الأخضر، تبدو الجزائر في موقع متقدم بفضل إمكاناتها الشمسية والريحية الهائلة، وبنيتها التحتية وخبرتها الطويلة في مجال الإنتاج والنقل الطاقوي، وتدرك برلين أن الجزائر تملك مؤهلات تجعلها أحد أبرز الفاعلين المحتملين في سوق الطاقة المستقبلية، خاصة مع حاجة أوروبا إلى تنويع مصادرها الطاقوية وبناء شراكات مستقرة بعيدة عن التوترات الجيوسياسية.
ومن هنا، تكتسب زيارة الرئيس الجزائري إلى ألمانيا أهمية خاصة، باعتبارها فرصة لدفع مشاريع مشتركة في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والاستثمار الصناعي المرتبط بالتكنولوجيا النظيفة.غير أن الرهان الحقيقي يتجاوز الطاقة نحو الاقتصاد الجديد.
فألمانيا، صاحبة أحد أقوى النماذج الصناعية والتكنولوجية في أوروبا، تبدو معنية بتوسيع حضورها داخل السوق الجزائرية التي تشهد تحولات تدريجية في مجالات الرقمنة، الصناعة، الاستثمار والمؤسسات الناشئة. كما أن الجزائر تسعى، من جهتها، إلى الاستفادة من الخبرة الألمانية في نقل التكنولوجيا، دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير التكوين والبحث التطبيقي.
وفي هذا الإطار، يمكن للزيارة المرتقبة أن تشكل نقطة انطلاق لشراكات أكثر عمقا في قطاعات التصنيع الميكانيكي، الصناعة الصيدلانية، الاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي، والتكوين المهني، وهي ملفات أصبحت جزءا من معركة الدول من أجل بناء اقتصادات أكثر استقلالية وقدرة على خلق القيمة المضافة.




















