بوابة الجزائر الإخبارية: بالعودة إلى أرشيف برونو روتايو الطامع في دخول رئاسيات 2027 في فرنسا وسجله الأسود في الفساد ، نعود بكم إلى تقرير استقصائي نشرته “ميديابارت” بتاريخ 18 مارس 2017، كشفت الصحفية ماتيلد ماتيو عن تورط وزير الداخلية الفرنسي الحالي برونو ريتايو، عندما كان رئيسا لكتلة الجمهوريين في مجلس الشيوخ الفرنسي ومنسق حملة فرانسوا فيون الرئاسية، في نظام “العمولات الخفية” الذي استمر بين عامي 2003 و2014. هذا النظام، الذي وصفه القضاة في فرنسا بـ”اختلاس الأموال العامة”، سمح لعشرات من أعضاء مجلس الشيوخ المنتمين لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية (UMP، الذي أصبح لاحقًا الجمهوريين) باستعادة جزء من الأموال المخصصة نظريًا لتوظيف مساعدين برلمانيين، في عملية أثارت الجدل وهزت أركان السياسة الفرنسية.

آلية “العمولات الخفية”: سرقة منظمة تحت ستار القانون
يعتمد النظام على استغلال الأموال التي يخصصها مجلس الشيوخ للسناتورات لتوظيف مساعدين، والتي تبلغ حوالي 7500 يورو شهريًا. إذا لم يستخدم السناتور كامل هذا المبلغ، كان بإمكانه إما إعادة الفائض إلى خزينة المجلس، أو تحويله إلى “مجموعته” السياسية لدعم العمل البرلماني الجماعي. لكن في حالة حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية أنذاك وفي عهد برونو روتايو ، تحولت هذه العملية إلى ممارسة غير قانونية: كان السناتور يسترد ثلث المبلغ الذي يحوله إلى مجموعته، فيما يُعرف بـ”العمولة الخفية”.
هذا النظام، الذي استمر لأكثر من عقد، أدى إلى توزيع ما لا يقل عن خمسة ملايين يورو على العشرات من السناتورات، بما في ذلك لتغطية نفقاتهم الشخصية، عبر حسابات بنكية ومسارات مالية معقدة.

ولضمان سرية العملية، تم تنظيم دفاتر حسابات سرية داخل المجموعة، سجلت بدقة أسماء المستفيدين والمبالغ المستردة. هذه الوثائق، التي صادرتها الشرطة في مايو 2016، كشفت عن أسماء شخصيات بارزة، من بينها برونو ريتايو.
تورط ريتايو: من “السيد النظيف” إلى دائرة الاتهام

برونو ريتايو وزير داخلية فرنسا، كان قد تولى رئاسة مجموعة الجمهوريين في مجلس الشيوخ في أكتوبر من عام 2014، وحاول تقديم نفسه كسياسي نزيه، مدعيًا أنه أوقف هذه الممارسات “القديمة” وأجرى تدقيقًا ماليًا، بل ونشر الحسابات لأول مرة في تاريخ المجلس. لكن الوثائق التي حصلت عليها “ميديابارت“، مدعومة بشهادات، تكشف صورة مغايرة تمامًا. فقد أظهرت أن ريتايو، الذي انضم إلى الاتحاد من أجل حركة شعبية في 2012 بعد انفصاله عن حليفه السابق فيليب دو فيلييه، بدأ يستفيد من نظام العمولات فور انضمامه، واستمر في ذلك لمدة ثمانية أشهر على الأقل.

وفقًا للوثائق، كان ريتايو يحول حوالي 3000 يورو شهريًا من ميزانية مساعديه إلى مجموعته السياسية، ليسترد بعدها ثلث هذا المبلغ، أي حوالي 1000 يورو شهريًا، تحت مسمى “تسديد نفقات”. في جدول يونيو 2012، يظهر اسمه إلى جانب سناتورات آخرين مثل جان-كلود غودان وهوبير فالكو، وبعضهم واجه لاحقًا تهمًا قضائية. ومع ذلك، لم يكن ريتايو، حتى تاريخ نشر المقال، قد تلقى استدعاءً من القضاء.
ريتايو: فواتير مشبوهة وتبريرات متعثرة
في مواجهة هذه الاتهامات، نفى ريتايو أي تورط في نظام العمولات، مؤكدًا أن المبالغ التي تلقاها كانت مجرد “تسديد نفقات” مدعومة بفواتير تتعلق بأنشطة سياسية، مثل طباعة صحيفة موجهة للناخبين، أو شراء أكاليل زهور، أو اقتناء معدات حاسوبية. وفي حوار مع “ميديابارت”، ادعى أن سكرتاريته هي التي كانت تدير هذه الفواتير، وأنه لم يكن على دراية بتفاصيل الآلية، بل إنه لا يتذكر حتى من اقترح عليه هذا “الدعم” في البداية.
لكن هذا الدفاع سرعان ما اصطدم بتساؤلات محرجة. فلماذا احتاج ريتايو إلى تمويل من مجموعته السياسية لشراء معدات حاسوبية بينما يحصل كل سناتور على ميزانية مخصصة لذلك؟ وكيف يبرر استخدام هذه الأموال لتغطية نفقات مثل طباعة الصحف أو شراء الزهور، بينما كان يتلقى بالفعل بدلًا شهريًا بقيمة 6000 يورو (IRFM) لتغطية تكاليف ممارسة مهامه؟ وعندما سُئل عن سبب تطابق المبلغ المسترد مع “الثلث” المحدد في نظام العمولات، أصر ريتايو على أن ذلك مجرد “صدفة”، وأنه لم يسمع قط بقاعدة الثلث.

فضيحة فساد روتايو ..من قام بغلق الملف ؟
توقف نظام العمولات فجأة في ربيع 2014، عندما أدركت مجموعة الاتحاد من أجل حركة شعبية أن القضاء بدأ يحقق في الممارسة. وقد أسفرت التحقيقات عن توجيه اتهامات لستة سناتورات، مع استدعاء آخرين للتحقيق. ومع ذلك، ظل ريتايو بعيدًا عن دائرة الاتهامات القضائية حتى ذلك الحين، مما أثار تساؤلات حول مدى استمرار حمايته السياسية.
هذه الفضيحة، التي طالت أحد أبرز حلفاء فرانسوا فيون خلال حملته الرئاسية، تلقي بظلال كثيفة على مصداقية ريتايو كسياسي يروج لنفسه كمدافع عن النزاهة. فبينما حاول تقديم نفسه كـ”السيد النظيف” الذي أصلح الأوضاع في مجلس الشيوخ، كشفت الوثائق عن تورطه في نظام أضر بخزينة الدولة وخدع دافعي الضرائب.
نحو محاسبة أم استمرار الإفلات؟
يبقى السؤال المطروح: هل ستواصل هذه القضية إحراج ريتايو وتؤثر على مسيرته السياسية، وهو الطامع في الارشح لرئاسيات 2027 أم أنها ستبقى مجرد فصل آخر في سلسلة الفضائح التي تهز السياسة الفرنسية دون محاسبة حقيقية؟ للإجابة، قد تكون هناك حاجة لمتابعة التطورات القضائية وردود الفعل العامة، خاصة في ظل الدور المحوري الذي يلعبه ريتايو في المشهد السياسي الفرنسي الآن خاصة تصدره جبهة معاداة الجزائر









































