بقلم:العربي مازيغ
بوابة الجزائر الإخبارية: أليس غريبا، ففي الوقت الذي يذهب فيه الجزائريون في مدينة “باريس” للتصويت في الانتخابات الرئاسية على قائد جديد للبلاد لعهدة مدتها خمسة سنوات سيكون الفرنسيون مجددا في الشارع للتظاهر ضد قرار الرئيس الفرنسي الذي عصف بالأغلبية السياسية التي كشفت عنها الانتخابات البرلمانية الأخيرة ورمى بأصوات الناخبين الفرنسيين في سلة المهملات بقصر الإليزيه.

“ماكرون” ينتقل بفرنسا من ربيعها إلى خريفها
وبالفعل لم ينتظر “ماكرون” نهاية الحدث الرياضي الذي تنظمه فرنسا وتحت وطأة المعارضة التي بدأت بجمع التوقيعات لإزاحته من الإليزيه أنهى مشاوراته السياسية عاجلا بالإعلان عن “ميشيل بارنييه” رئيسا للوزراء.
ومن رئيس وزراء شاب هو “أتال” (34 سنة) قفز “ماكرون” بالفرنسيين من الربيع إلى الخريف وهو يختار شيخا هو “بارنييه” (73 سنة) ليشكل ما أسماها “حكومة وحدة في خدمة البلاد”.
ومع أن الرئيس الفرنسي حاول إظهار ورقته الجديدة كشخصية “جامعة” يمكنها توحيد الطبقة السياسية الفرنسية المتشرذمة حاليا إلا أن السحر انقلب على الساحر سريعا حين وضعت المعارضة رئيس الوزراء المعين في خانة المرشح “التوافقي” الذي تم اختياره بعد الزواج السياسي الجديد بين الماكرونيين والتجمع الوطني المتطرف.
ولكن من هو “بارنييه” وماهو دوره في المرحلة المقبلة؟
يبدو “بارنييه” السبعيني خيار توافقيا لليمين بمختلف أطيافه، فعضو الحزب الجمهوري الذي كان جزءا من حكومات سابقة في عهد ثلاث رؤساء فرنسيين هم “ميتران” و”شيراك” و”ساركوزي” يمكن أن يساهم على الأقل في توحيد الجبهة اليمينية والتحالف مع التلميذ الجديد لمارين لوبان (بارديلا).
لقد سُرقت الانتخابات من الفرنسيين
ويملك هذا المخضرم القادم من القرن الماضي قدرة كبيرة على التفاوض يبدو صانع القرار بأمس الحاجة إليها حاليا حين تحاصره قريبا الحركات المطلبية (العمال) والثورة الخضراء (الفلاحون) ومسيرات التيار اليساري التي لن تتأخر كثيرا وستبدأ غدا السبت.
اليسار الفرنسي يندد بالانقلاب
وما إن نشر بيان الإليزيه حتى ظهر زعيم حزب فرنسا الأبية (أقصى اليسار) “جان لوك ميلونشون” الذي اعترض على الاختيار وقال “لقد سُرقت الانتخابات من الفرنسيين”.

ودعا السياسي المثير للجدل في فيديو نشِر على منصات التواصل الاجتماعي إلى “أقوى تعبئة ممكنة” يوم السبت 7 سبتمبر ضد ما أسماه “انقلاب القوة” الذي قام به رئيس الجمهورية الفرنسية بعد رفضه تعيين مرشحة ائتلاف اليسار “لوسي كاستيتس”.
وعلى نفس المنوال، قالت “ماتيلد بانو” وهي رئيسة المجموعة النيابية لحزب فرنسا الأبية أن “الرئيس إيمانويل ماكرون رفض احترام السيادة الشعبية.”
وأردفت المتحدثة “بعد 52 يوما من هزيمة الحكومة في صناديق الاقتراع، لا يزال ماكرون يعيش كحاكم مستبد”.
وأعلن الحزب الاشتراكي (حليف ميلونشون) أن ماكرون “يدوس على أصوات الشعب الفرنسي”. وعلى منصة إكس وضع السكرتير الوطني لهذا الحزب اليساري “أوليفيه فور” الأزمة السياسية التي تعرفها فرنسا في خانة “الإنكار الديمقراطي الذي وصل إلى ذروته بتعيين رئيس وزراء من الحزب الذي جاء في المركز الرابع في الانتخابات البرلمانية المسبقة.”
وبعد أن أشار إلى أن الحزب الذي ينتمي إليه نزيل ماتينيون الجديد لم يشارك في الجبهة الجمهورية ضد اليمين المتطرف في الدور الثاني من الانتخابات الأخيرة اعتبر فور أن فرنسا تدخل في “أزمة نظام.”
“بارنييه” لوبان بقناع جديد

ومع أن الرئيس “إيمانويل ماكرون” عين “بارنييه” بعد مشاورات سياسية غير مسبوقة تم خلالها تحييد كل مرشحي اليسار الفائز بالانتخابات إلا أن وعوده وهو يؤدي واجبه الدستوري كما قال بخصوص الاستقرار الحكومي وتوفير الظروف لظهور جبهة سياسية موحدة يمكنها الظفر بثقة البرلمان أصبحت في مهب الريح.
ومرد ذلك أن خيار “ماكرون” لم يكن فقط “ضعيفا” (لأنه من الحزب الرابع في البرلمان) و”معزولا” (لم يشارك في الجدار الوطني لصد باردييلا) فحسب بل هو الخيار “المناسب” للتجمع الوطني المتطرف.
وذهب حزب فرنسا الأبية بعيدا عندما أكد أن هناك تقاطعات كثيرة بين بارنييه ولوبان فيما يتعلق مثلا بملف الهجرة والقدرة الشرائية وقضايا أخرى.
وبالفعل، فبخلاف اليسار لم يسارع اليمين المتطرف إلى اتخاذ موقف من رئيس الوزراء الجديد واختار التريث إلى غاية بيان السياسة العامة للحكومة الفرنسية الجديدة.
وقال رئيس التجمع الوطني “جوردان بارديلا” “سوف نحكم على خطاب بارنييه بشأن السياسة العامة وقراراته المتعلقة بالميزانية وتصرفاته من خلال الأدلة”.
وأردف بارديلا أن “الرقابة على الحكومة الجديدة لن تكون تلقائية بالنسبة للتجمع الوطني.” وهو ما يعني أن التفاوض أصبح ممكنا وقريبا جدا إن لم يكن قد تم بالفعل.
فهل كان “ماكرون” مجبرا على اختيار “بارنييه” فعلا أم هي مناورة لربح مزيد من الوقت وتمديد عمر الأزمة السياسية التي لم تتمكن الانتخابات المسبقة من إيجاد حلا لها؟
وهل سيصمد “بارنييه” وحكومته أمام عاصفة اليسار أم أن المرشح المقبل الذي سيتم التوافق عليه جزئيا سيقود البلاد إلى غاية الانتخابات الرئاسية المسبقة التي ستأتي بالشاب الواعد من جديد، لكن هذه المرة من بوابة الإليزيه وليس من ماتينيون؟


















