تكميم أفواه 500صحفي فرنسي .. هل وقّع بولوري شهادة وفاة الإعلام الفرنسي؟
بوابة الجزائر الإخبارية : يعدّ الملياردير الفرنسي فنسان بولوري واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للجدل في المشهد الإعلامي الفرنسي , فقد أثارت سيطرته المتزايدة على وسائل الإعلام الفرنسية، إلى جانب اتهامات منظمة “مراسلون بلا حدود” (RSF) بفرضه الصمت على حوالي 500 صحفي سابق من خلال اتفاقيات سرية، تساؤلات خطيرة حول مستقبل حرية الصحافة في فرنسا.
هذا المقال يستعرض تأثير بولوري على الإعلام الفرنسي، وكيف بات اسمه مرادفًا لأزمة تُهدد استقلالية الصحافة، بل وتُنذر بما يُمكن وصفه رمزيًا بـ”شهادة وفاة” الإعلام الحر.
بولوري: إمبراطورية إعلامية مثيرة للجدل
فنسان بولوري، الملياردير البالغ من العمر 66 عامًا، يترأس مجموعة “بولوري” التي تمتلك حصصًا كبيرة في مؤسسات إعلامية بارزة مثل قناة “كانال بلوس”، ومجموعة “فيفاندي”، وإذاعة “يوروب 1″، وصحيفة “جورنال دو ديمانش” (JDD)، إضافة إلى مجلة “باري ماتش” (التي تم بيعها لاحقًا). هذه السيطرة جعلته يُلقب بـ”مردوخ الفرنسي”، في إشارة إلى قطب الإعلام الأمريكي روبرت مردوخ.

لكن هذا التوسع أثار مخاوف من تحويل الإعلام إلى أداة لخدمة أجندات سياسية واقتصادية، خاصة مع اتهامات بتوجيه الخط التحريري لدعم اليمين المتطرف.
وفقًا لتحقيق نشرته منظمة “مراسلون بلا حدود“وقّع حوالي 500 صحفي سابق في وسائل إعلام يملكها بولوري على اتفاقيات سرية تُلزمهم بالصمت عند مغادرتهم العمل.
هذه الاتفاقيات، التي تشمل بنودًا للسرية، الولاء، أو عدم التشهير، تُعتبر “غير متناسبة” بحسب المنظمة، لأنها تقيّد حرية التعبير وتمنع الصحفيين من انتقاد أو التحقيق في مواضيع تتعلق بأصحاب عملهم السابقين. بدأ تطبيق هذه البنود منذ عام 2016، بعد استحواذ بولوري على “كانال بلوس” وقناة “آي تيلي” (التي أصبحت “سي نيوز“)، ثم توسع ليشمل “يوروب 1″ و”جورنال دو ديمانش“.

تكميم الأفواه: فضيحة تهز أركان الصحافة الفرنسية
تؤكد “مراسلون بلا حدود” أن هذه البنود تُشكل تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة وحق الجمهور في المعلومات.
فهي لا تقتصر على منع الصحفيين من الكشف عن أسرار تجارية، بل تمتد لتحد من قدرتهم على ممارسة مهنتهم بحرية، خاصة إذا أرادوا التحقيق في ممارسات مجموعة بولوري أو الجهات المرتبطة بها.
وفقًا للمنظمة، كان الصحفيون الذين يرغبون في مغادرة هذه المؤسسات يحصلون على تعويضات مغرية، لكن مقابل توقيعهم على هذه الاتفاقيات التي تُلزمهم بالصمت.

وقد أكد عدد من الصحفيين لـوكالة “فرانس برس” في عام 2023 هذه الممارسات، مشيرين إلى أن التعويضات كانت مشروطة بالتزام الصمت.
في حالة بارزة، أُدين الصحفي الاستقصائي جان باتيست ريفوار في فبراير 2024 بدفع غرامة تزيد عن 150 ألف يورو لصالح “كانال بلوس”، بعد خرقه لبند سرية. جاءت الإدانة عقب تصريحات أدلى بها في وثائقي لـ”مراسلون بلا حدود” عام 2021 بعنوان “النظام ب”، تناول تأثير بولوري على الإعلام. ر
يفوار انتقد هذه البنود، واصفًا إياها بـ”عقود الصمت”، فيما دافع رئيس “كانال بلوس”، ماكسيم سادا، عن القضية، مشيرًا إلى أن ريفوار اختار قبول تعويض إضافي مقابل التزامه بعدم التشهير.

صمت الإعلام الفرنسي يطرح عدة تساؤلات ..كم سعر الصحفي الفرنسي ؟
عندما طُلب من مجموعتي “كانال بلوس” و”لاغاردير نيوز” (التي تدير “جورنال دو ديمانش”) التعليق على الاتهامات، امتنعتا عن الرد، وفقًا لوكالة “فرانس برس”. من جانبها، نفت إدارة “بريزما ميديا”، أكبر مجموعة مجلات فرنسية وجزء من إمبراطورية بولوري عبر “فيفاندي” منذ 2021، وجود أي علاقة بين هذه البنود واستحواذ “فيفاندي”. وأكدت أنها لم تتلق أي توجيهات من “فيفاندي” لفرض مثل هذه الاتفاقيات.
رغم أن بنود السرية تُعتبر شائعة في قانون العمل، إلا أن مدير عام “مراسلون بلا حدود”، تيبو بروتان، يرى أن طابعها “غير المحدود” يجعلها تهديدًا غير مقبول في مجال الصحافة. فهذه البنود لا تُقيد الصحفيين فقط أثناء عملهم، بل تستمر في تقييد حريتهم المهنية بعد مغادرتهم، مما يُضعف دورهم كحراس للمعلومات العامة.
أزمة الإعلام الفرنسي
تأتي فضيحة بولوري في سياق أزمات متعددة تضرب الإعلام الفرنسي. على سبيل المثال، شهدت قناة “BFMTV” في 2023 فضيحة تتعلق ببث تقارير مشبوهة تهدف إلى تلميع صورة المغرب، مما أدى إلى تحقيق داخلي وتعليق عمل صحفي. كما أن هجمات باريس عام 2015، بما في ذلك الهجوم على صحيفة “شارلي إبدو”، سلّطت الضوء على التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الصحفيين. وفي سياق دولي، اتهمت وسائل إعلام جزائرية الإعلام الفرنسي بالترويج لخطاب معادٍ للجزائر، .
هذه الأزمات المتراكمة تجعل تأثير بولوري أكثر وضوحًا كعامل يُفاقم انهيار الثقة في الإعلام. فسيطرته لم تقتصر على فرض بنود سرية، بل امتدت إلى توجيه الخط التحريري، مما أدى إلى استقالات جماعية لصحفيين رفضوا التدخل في عملهم. على سبيل المثال، شهدت “كانال بلوس” و”جورنال دو ديمانش” تغييرات جذرية في السياسة التحريرية، مع ميل واضح نحو دعم الخطاب اليميني المتطرف.
هل هي شهادة وفاة الإعلام الفرنسي؟
مصطلح “شهادة وفاة الإعلام” يعكس مخاوف حقيقية حول تراجع حرية الصحافة , ففي مقال نشرته صحيفة “لوموند” عام 2016، وُصف النظام الإعلامي الفرنسي بأنه في “حالة موت إكلينيكي“، مع عدم وجود بديل واضح لاستعادة الاستقلالية. بولوري، بسيطرته المالية والتحريرية، يُعتبر رمزًا لهذا التراجع. ففرض الصمت على 500 صحفي ليس مجرد إجراء إداري، بل مؤشر على تهديد وجودي لمهنة الصحافة التي تعتمد على حرية التعبير والشفافية.
فنسان بولوري، من خلال سيطرته على وسائل إعلام رئيسية وفرضه الصمت على حوالي 500 صحفي عبر اتفاقيات سرية، يُمثل تحديًا خطيرًا لحرية الصحافة في فرنسا.













