بقلم : عبد الله ولد بونا
لم يدخر المغرب جهدا في سبيل تغيير الموقف الموريتان الرسمي المعترف بالجمهورية العربية الصحراوية ؛ وكانت الخيبة قدر الرباط مع كل رئيس يحكم موريتانيا.
من أول رئيس انقلابي عام 1978 ورؤساء الحقبة مابين 1978 و1984
وفي حقبة الرئيس الأسبق معاوية ؛ الطويلة.

بل كان رؤساء موريتانيا القدامى مابعد انقلاب 78 أشد حسما في ردهم على الرباط ؛ حين تم طرد القوات المغربية من موريتانيا ثم إغلاق الأجواء والبر والبحر الموريتاني في وجه الرباط وحظر سفر الموريتانيين إلى المغرب ؛ وكل ذلك جاء ردا على مخططات مغربية سرية وعلنية لقلب نظام الحكم في موريتانيا .
الرئيس معاوية رغم انتماءه للأشراف الأدارسة المنحدرين من المغرب الإدريسي القديم أرغم الرباط على احترام موريتانيا ونظامها واختيارها الحر لموقفها السيادي المعترف بالجمهورية العربية الصحراوية رغم تودد الملك الحسن الثاني له ودعوته في زيارة دولة وتقليده أعلى وشاح ملكي.
لقد كانت مواقف المغرب العلنية الودية اتجاه موريتانيا يكذبها واقع المؤامرة على موريتانيا في كل ظرف استثنائي ؛ فلقد ناصرت الرباط السنغال في أزمة 89 في الوقت الذي وضعت البوليساريو كل مقدراتها العسكرية تحت أمر الرئيس معاوية ؛ والمفارقة العجيبة هي أن الرئيس الصحراوي الحالي ابراهيم غالي الذي يزور موريتانيا حاليا هو من حمل تلك الرسالة كمبعوث إلى الرئيس معاوية.
ولقد فرحت الرباط بانقلاب 2005ثم انقلاب 2008 لأنها كانت على يقين أن قائد تلك الانقلابات خريج كلياتها العسكرية أولا؛ وهو ثانيا ينتمي إلى قبيلة الأشراف السباعيين الذين ينحدورن من المغرب ؛ فقد أقاموا به برهة في طريقهم إلى بلاد شنقيط ولهم جذور ممتدة هناك.
لكن الرئيس السابق ولد عبد العزيز أجاد اللعبة مع المغرب ورفض كل دعوات الملك ؛ وأدار الملف مع المغرب بحسم وقوة ؛ وعزز العلاقات مع الجزائر ومع الصحراويين ؛ محتفظا بعلاقات باردة ومتوترة أحيانا مع المغرب.
وقد كان حاسما في التصدي لتسلل مغربي يستهدف لكويره فتم أسر سرية ضباط بحريين مغاربة ؛ وكانت رسالة حاسمة للرباط.
وقد حكم موريتانيا عشر سنوات دون أن يزور المغرب زيارة رسمية ؛ رغم تردد حرمه التي تحمل جنسية مزودجة على المغرب.
لقد فهم عقلية الرباط التي لا يناسبها إلا الردع .
مغ تولي الرئيس ولد الغزواني السلطة برز نمط جديد من التعاطي مع الرباط ؛ فالثوابت الموريتانية اتجاه العلاقات مع الجزائر والصحروايين ظلت كما هي ؛ وعنون الرئيس ولد الغزواني ذلك بالحياد الإيجابي بين المملكة المغربية والجمهورية العربية الصحراوية وبين الجزائر والمغرب ؛ فموريتانيا حريصة على علاقة سوية مع الجميع.
لكن الرباط التي تضع موريتانيا دائما تحت الضغط بوسائل ناعمة وخشنة قررت استغلال ذلك لصالحها ؛ فلأول مرة تسمع من انواكشوط خطابا هادئا ؛ لكنها فهمته على أنه ضعف وهو غير كذلك.
فمزجت بين وسائل ناعمة وأخرى خشنة لتضغط أكثر ؛ وتمادت في ذلك حتى وصل الأمر اختراق الرباط لملحق وقف إطلاق النار 92 وإلغاء المنطقة العازلة بين موريتانيا والصحراء الغربية المحتلة ونشر قوات مقاتلة على تماس مع البر الموريتاني وأطلقت حملة دولية تحيي خطاب التوسع واعتبار موريتانيا كيان طارئ منفصل عن المملكة.
وأطلقت مسيراتها لقتل المدنيين الموريتانيين في أطراف الأراضي الصحراوية .
خاصة بعد الرد الموريتاني الاستراتيجي بالإسراع في التكامل الاقتصادي مع الجزائر .
وازدادت الحملات المغربية المغرضة ضد موريتانيا والرئيس ولد الغزواني وضد الجيش الموريتاني ؛ وبالخصوص بعد تنفيذ الجيش الموريتاني لأول مرحلة تطوير لدفاعاته الجوية والبحرية والبرية ؛ واعتبرت أبواق مخابرات المغرب أن ذلك موجه ضد المغرب فقط!
كل هذا يحري في ظل وجود مجلس موريتاني مغربي أعلى وتعاون صوري لا يعدو أن يكون سحبا للعملة الصعبة من موريتانيا عبر بنوك مغربية وشركات تجارية تغرق سوقنا بمنتجات من درجة خامسة وشركات مقاولات تضع يدها على سوق الأشغال العامة بتنفيذ رديء للمشاريع.
وتحت واجهة بيانات السفارة المغربية البراقة عن العلاقات الموريتانية المغربية تستمر الرباط في تنفيذ خطط معادية لموريتانيا.
وتدس الرباط أنفها في ملفات داخلية حساسة؛ فقد بدأت تنسيقا خاصا مع المتطرفين اللونيين وأرسلت بعثة “إعلامية” لإجراء مقابلة مع برامه الذي وعد بتغيير ثوابت موريتانيا اتجاه الملف الصحراوي في حالة وصوله للسلطة.
المغرب تقدم خطوات في خطته لتطويق موريتانيا ومنع قيامتها الاقتصادية ؛ فمشاريعه البحرية في جنوب الصحراء الغربية المحتلة مصممة لمنع أي منافسة في الخدمات البحرية على الشواطئ الموريتانية ؛ ويدخل كمحرض ضد موريتانيا والجزائر في معمعة دول الساحل المختنقة بالانقلابات والحروب ؛ ويروج مبادرة استفادتها من الأطلسي وهو بلا حدود معها وغير ذلك من خيوط المؤامرة.
وتنتج الآلة الإعلامية المغربية 500مادة موجهة ضد موريتانيا يوميا ؛ ثم يتحدثون عن حسن العلاقات مع موريتانيا.
ويبدو أن الرباط أخطأت في فهم الرئيس ولد الغزواني فهو لايرد ردا عاطفيا على التحديات القادمة من المغرب كما فعل رؤساء موريتانيا السابقين حين قطعوا العلاقة بالرباط أو أغلقوا كل السبل معها.
إنه يرد استراتيجيا برفع وتيرة الشراكة مع الجزائر وترسيخ الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية وتسليح الجيش الموريتاني وتعزيز دفاعاته ؛ وبإرسال رسائل غير مشفرة تنبه الرباط أن الوصول للسوق الافريقي يفرض احترام موريتانيا ومصالحها ؛ فقد كانت مضاعفة الرسوم على الصادرات المغربية الزراعية عبر موريتانيا ضمن ذلك.
منهج الرئيس ولد الغزواني ليس منهج انفعال لكنه منهج تعامل استراتيجي مع التهديد المغربي القديم المتجدد والاستعلاء المخزني الفارغ.
وليس لحضور اخنوش نيابة عن الملك أي قيمة سياسية ولا معنوية عند الموريتانيين
موريتانيا تدرك تماما أن أمنها القومي لا جوهر له من دون دولة صحراوية مستقلة قوية تضع صخرة في فم التمساح المغربي الهزيل ؛ مع الحرص على علاقات ودية مع الرباط تحترم القرار السيادي الموريتاني ؛ لكن الرباط لاتريد ذلك.
حاول الملك زيارة موريتانيا قبل عامين وأعلن الديوان الملكي عن تلك الزيارة
لكن النخب الموريتانية أعلنت عدم الترحيب بتلك الزيارة ؛ ثم تتالت الأحداث لتلغيها ؛ فالمغرب المطبع والمتحالف مع الصهاينه والذي يقتل المدنيين الموريتانيين لن يكون ملكه محل ترحيب من الشعب الموريتاني ؛ والمغرب هو ضمن دول لم تدن اغتيال القائد الرمز اسماعيل هنية رحمه الله ولم تدن حرب الإبادة في غزة ؛ بل أكد معارضون مغاربة ومصادر مستقلة أن المغرب يمد تلابيب بالمقاتلين والمعلومات ويعتبر نفسه خط إسناد للبحرية الصهيونية.
لكن بالمقابل انهالت بيانات الترحيب بالرئيس الصحراوي وكان حضوره حفل تتصيب الرئيس ولد الغزواني رسالة استراتيجية أخرى للرباط فهل فهمت الرسالة ؟.
انواكشوط 1آغشت 2024
الخبير الاستراتيجي : عبد الله ولدبونا




