حجب الثقة يطيح بحكومة بايرو ويكشف عمق الأزمة السياسية في فرنسا
ن.ع
بوابة الجزائر الإخبارية: خسر رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو اقتراع الثقة في الجمعية الوطنية، ليتحول يوم الاثنين إلى محطة فارقة لم تسقط حكومة فحسب، بل كشفت عن تهاوي منظومة “الماكرونية” بأكملها .

ففي ضربة سياسية مدوية، أطاح النواب برابع رئيس وزراء يعينه إيمانويل ماكرون خلال ثلاث سنوات، بعدما صوت 364 نائبا لصالح حجب الثقة مقابل 194 مؤيدا فقط. وبموجب المادة 50 من الدستور، سيقدم بايرو استقالته، بعد تسعة أشهر على دخوله قصر ماتينيون.
لكن سقوط بايرو لم يأت من فراغ، بل جاء تتويجا لمسار من التصدعات المتلاحقة التي رافقت التجربة الماكرونية منذ قرار حل الجمعية الوطنية سنة 2024، والذي فتح الباب أمام حلقة مفرغة من الحكومات الضعيفة والمعارضة المتربصة.
وفيما يعاني الاقتصاد الفرنسي من تضخم ودين عام متصاعد، ويتصاعد الاحتقان الاجتماعي في الشارع، يجد الرئيس نفسه اليوم أمام خيارات محدودة، تعيين رئيس وزراء جديد قد يسقط سريعا، الدعوة لانتخابات مبكرة محفوفة بالمخاطر، أو مواجهة ضغوط متزايدة تهدد بفتح النقاش حول موقعه ذاته في الحكم.
البرلمان الفرنسي يطيح برابع حكومة في ثلاث سنوات
إطاحة البرلمان بفرانسوا بايرو لم تكن مجرد محطة جديدة في مسار الصراع بين الحكومة والمعارضة، بل علامة على عجز النظام السياسي الفرنسي عن إنتاج أغلبية مستقرة.
فمنذ 2022 حين فقد ماكرون أغلبيته في الجمعية الوطنية، أصبح كل رئيس وزراء عرضة لهجمات برلمانية متواصلة، حتى أن بعض المحللين شبهوا الوضع بما كان عليه خلال الجمهورية الرابعة، حيث تعاقبت الحكومات بشكل سريع بسبب الانقسامات الحزبية.

فقد حاولت حكومة بايرو تقديم نفسها كجسر للتوافق، لكنها اصطدمت بحائط رفض جماعي، اليمين اتهمها بالعجز عن ضبط الحدود والهجرة، فيما رأى اليسار أنها تجسد “سياسة تقشف قاتلة” تهدد المكتسبات الاجتماعية.
وفي النهاية، جاء التصويت ليؤكد أن الأزمة ليست أزمة شخص أو برنامج، بل أزمة نظام بأكمله غير قادر على إنتاج استقرار سياسي.
المنظومة الماكرونية تعيش ترهلا سياسيا وضعفا غير مسبوق

قال المحلل السياسي الدكتور إسماعيل خلف الله في تصريح لـ”بوابة الجزائر” إن سقوط حكومة فرانسوا بايرو بعد التصويت بأغلبية ساحقة على حجب الثقة عنها كان متوقعا، موضحا: “كنا نتنبأ بهذا السيناريو منذ فترة، إذ أكدنا مرارا أن تحالف كتلة اليسار الممثلة في الجبهة الشعبية مع اليمين المتطرف سيجعل الحكومة تنهار في ثوان، وهو ما حدث بالفعل.”

ورأى خلف الله أن هذه التطورات تمثل، بحسب تعبيره، “إعلانا واضحا عن فشل المنظومة الماكرونية، التي تشهد اليوم سقوط ثاني حكومة تسحب منها الثقة، في انعكاس مباشر للأزمة السياسية الحادة التي تضرب فرنسا وتلقي بظلالها على الوضع الاقتصادي المتأزم، حيث تتفاقم الديون وتتجلى ملامح الركود بوضوح.”

وأشار المتحدث إلى أن “هذه المستجدات تؤكد فشل السياسات التي انتهجها الرئيس ماكرون خلال عهدته الثانية، لاسيما قراره بحل الجمعية الوطنية الذي أفرز برلمانا بلا أغلبية مريحة، وأدى إلى خسارة الائتلاف الرئاسي عددا كبيرا من المقاعد، ما عمّق الأزمة السياسية وأضعف السلطة التنفيذية.”
وأكد خلف الله أن سقوط حكومة بايرو يعكس “حالة ضعف حقيقية وترهل سياسي واضح داخل المنظومة الماكرونية، الأمر الذي يضيّق خيارات ماكرون في تعيين رئيس الحكومة القادم، والذي –في تقديره– لن يقدم حلولا للأزمة، بل سيزيدها تعقيدا، ويعمق عجز المنظومة الماكرونية.”
وأضاف أن هذه التطورات “تفتح الباب واسعا أمام تصاعد المطالب الشعبية برحيل ماكرون، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 70 بالمئة من الفرنسيين يؤيدون ذلك، فيما يواصل اليسار بقيادة حزب فرنسا الأبية الدفع بقوة نحو خيار عزل الرئيس.”
وختم خلف الله بالقول: “إن تتابع سقوط الحكومات يعيد إلى الأذهان مشهد الجمهورية الرابعة، ما يجعلنا أمام مؤشرات واضحة على تآكل الجمهورية الخامسة، ويفتح الأفق نحو نشوء جمهورية سادسة ودستور جديد، بعدما صار ضعف المنظومة الماكرونية عنوانا بارزا لمشهد فرنسا السياسي اليوم.”
المنظومة الماكرونية تعيش ترهلا سياسيا وضعفا غير مسبوق

قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، البروفيسور نور الصباح عكنوش، في تصريحه لـ”بوابة الجزائر“، إن تصويت الجمعية الوطنية الفرنسية بالموافقة على حجب الثقة عن حكومة فرانسوا بايرو يمثل “لحظة مؤسساتية مفصلية في حياة الجمهورية الخامسة”، معتبرا أنها تدخل اليوم “مرحلة العجز البنيوي في ظل تراكم الأزمات الحكومية وحالة اللااستقرار النسقي التي لم تشهدها فرنسا منذ 1958″.
وأوضح عكنوش أن “من سقط فعليا هو الرئيس إيمانويل ماكرون وليس بايرو”، مبررا ذلك بأن فرنسا تعيش، بحسبه، “دنو أجل مكوث ماكرون في الإليزيه نتيجة تحالفه الموضوعي مع طبقة الأغنياء في البلاد بشكل راديكالي، على حساب الطبقات الأخرى التي صدقته قبل أن تكتشف حقيقية مصرفي شاب وجد نفسه، بصدفة من صدف التاريخ، رئيسا للجمهورية”.
وأضاف المتحدث أن “قيم العيش المشترك في إطار جمهوري جامع ومستدام أصبحت اليوم مهددة في ظل غياب نخب وآليات بديلة”، مشيرا إلى أن “فرنسا تقف أمام نهاية نموذج كامل”، وتوقع أن تدخل “مرحلة انتقالية صعبة على كافة المستويات قبل أن تعيد هندسة قيم ومعايير جديدة تبنى عليها أسس عقد اجتماعي جديد للمستقبل”.
















