بوابة الجزائر الإخبارية : أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها القاطع لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية المبرمة سابقاً بين حكومة الوفاق الوطني (برئاسة فايز السراج) وتركيا. واعتبرت القاهرة أن هذه الاتفاقية ومخرجاتها “باطلة بطلاناً مطلقاً” ومعدومة الأثر القانوني، مشددة على احتفاظها بحقها الكامل في حماية مصالحها وحقوقها السيادية في شرق المتوسط، في خطوة تعيد تسليط الضوء على الخلافات المستمرة بين مصر، واليونان، وقبرص من جهة، وبين تركيا وليبيا من جهة أخرى حول تقاسم مناطق النفوذ وثروات
الطاقة.
تهاوي الرهان على برلمان طبرق وتفكيك الوهم الدبلوماسي

يعتبر الخبير الاستراتيجي حامد محمود أن التصديق المتأخر من مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم المبرمة مع تركيا ليس سوى محاولة لتجميل اتفاق ولد ميتاً ولا يحمل أي قيمة قانونية أو ميدانية. ويؤكد الخبير الاستراتيجي حامد محمود أن مصر لم تنتظر مواقف البرلمانات المتصارعة لتعلن رفضها الصارم، بل أرست منذ عام 2019 معادلة حازمة مفادها أن المساس بالحدود البحرية والإقليمية هو خط أحمر يمس الأمن القومي المصري مباشرة. ويرى حامد محمود أن ما بني على باطل يظل باطلاً وفق القانون الدولي، مشيراً إلى أن محاولات أنقرة لإعادة تدوير “مذكرة السراج” عبر البرلمان تضع الدبلوماسية التركية في مأزق حقيقي أمام جدار الرفض المصري الشديد.
صراع الطاقة وحصانة الحدود في شرق المتوسط
يسلط الخبير الاستراتيجي حامد محمود الضوء على واقعية المشهد الميداني، مؤكداً أن معركة الطاقة في شرق المتوسط تخضع لمعادلات الردع والاستقرار القانوني وليس للشعارات السياسية. ويرى حامد محمود أن الترسيم المصري اليوناني للحدود البحرية أغلق عملياً الممر البحري المفترض لتركيا، وحوّل المناطق المتنازع عليها إلى ساحة محظورة جيوسياسياً أمام أي نفوذ أحادي. ويشدد حامد محمود على أن شركات التنقيب العالمية الكبرى لن تجازف بمليارات الدولارات في مناطق تقع ضمن دائر الموقف المصري الرافض، ما يجعل المذكرة التركية الليبية عاجزة عن جذب أي استثمارات فعلية.
ثبات المعادلة المصرية ورسائل الردع الإقليمية
يجزم الخبير الاستراتيجي حامد محمود بأن القاهرة لم تتراجع سانتيماً واحداً عن موقفه المعلن في 2019، وأن تصديق المؤسسات الليبية لن يمنح المذكرة أي شرعية أمام المجتمع الدولي أو الدول المتشاركة في حدود المتوسط. ويختتم الخبير الاستراتيجي حامد محمود تصريحه لبوابة الجزائر بالقول إن قواعد اللعبة في شرق المتوسط حُسمت بناءً على التوافقات الإقليمية والقوة البحرية الرادعة، ولن تنجح أي تفاهمات ثنائية صاغتها الغرف المغلقة في تغيير هذا الواقع أو تحريك الخطوط الحمراء التي رسمتها مصر لحماية حقوقها وحقوق شركائها.
وفي ذات السياق أوضح الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون، أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية المصرية يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 برفض تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين فايز السراج وتركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط يتجاوز كونه رد فعل دبلوماسي عابر، مؤكداً أنه يعبر عن موقف قانوني ثابت ومؤسَّس على أحكام القانون الدولي العرفي والاتفاقي.
المرجعية البحرية الدولية والاتفاقيات الإقليمية القائمة
وأشار الدكتور محمد محمود مهران إلى أن مصر تستند في موقفها إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، موضحاً أن المواد 55 و57 تُحدد الامتداد الأقصى للمنطقة الاقتصادية الخالصة بـ 200 ميل بحري من خط الأساس، بينما تقضي المادتان 74 و83 بأن تعيين الحدود بين الدول المتقابلة يتم بالتوافق وفق مبادئ العدل والإنصاف. وأضاف الدكتور مهران أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المبرمة بين مصر واليونان عام 2020 تجعل المذكرة التركية الليبية خاطئة جغرافياً ومنعدمة الأثر قانونياً، نظراً لتجاهلها لجزيرة كريت اليونانية التي تفصل جغرافياً بين المناطق المذكورة.

مبدأ عدم الإضرار بحقوق الدول الأخرى والقواعد المعاهداتية
وأكد الدكتور محمد محمود مهران على ترسيخ مبدأ عدم الإضرار بحقوق الغير في القانون الدولي العرفي، والذي يمنع الاتفاقيات الثنائية من المساس بالحقوق السيادية لدولة ثالثة لم تكن طرفاً فيها. وشدد الدكتور مهران على أن هذا المعنى يجسده نص المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، التي تنص صراحة على أن المعاهدات لا تُنشئ التزامات أو حقوقاً لدولة ثالثة دون رضاها، لافتاً إلى أن المذكرة التركية الليبية رسمت خطاً يتقاطع مع المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر دون التفاوض معها أو نيل رضاها.
التناقضات القانونية في الشرعية والأهلية عند التوقيع والتصديق
وبَيَّن الدكتور محمد محمود مهران وجود خلل في الأهلية القانونية لمن وقع المذكرة عام 2019، حيث أبرمها فايز السراج كرئيس لحكومة الوفاق التي لم تكن تحظى باعتراف داخلي موحد، وكان مجلس النواب الليبي في طبرق يرفضها حينها. وأوضح الدكتور مهران أن مصادقة مجلس النواب الليبي مؤخراً على المذكرة تحمل تناقضاً قانونياً وسياسياً، كونها تصديقاً متأخراً على إجراء صادر عن طرف كان المجلس نفسه يطعن في شرعيته، مما يطرح تساؤلات حول مدى صحة هذه المصادقة.
الموقف الإقليمي الموحد وحماية الحقوق السيادية المصرية
ونوّه الدكتور محمد محمود مهران إلى أن رفض اليونان للموافقات الليبية على الاتفاقيتين البحرية والأمنية مع تركيا يؤكد أن مصر ليست منفردة في هذا الطرح، بل تتشارك الموقف مع دول ذات سيادة متضررة من المذكرة. واختتم الدكتور مهران تصريحاته بالتأكيد على أن قواعد القانون الدولي صريحة في حماية الحقوق السيادية لمصر في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، وأن أي تصديق برلماني لا يُنتج أي أثر قانوني يسري في مواجهتها.













