بوابة الجزائر الاخبارية : لم يعد خافيا على مراقبي الشأن الدبلوماسي في حوض المتوسط أن باريس تتابع تحركات الرئاسة الجزائرية بعين القلق، بل وبمنظار التوجس.
فالإعلان المفاجئ عن زيارة دولة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إسبانيا يومي 29 و30 سبتمبر الجاري ، وهي أول زيارة من هذا النوع يقوم بها رئيس فرنسي للجارة الإسبانية منذ 2009 ، جاءت متزامنة بشكل لافت مع إعلان الصحافة الإسبانية عن زيارة مرتقبة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى مدريد في أكتوبر المقبل، بدعوة رسمية من الملك فيليبي السادس ورئيس الحكومة بيدرو سانشيز.
من إيطاليا إلى إسبانيا.. الخريطة الجزائرية تتمدد
في يوليو 2025، وقف الرئيس تبون في فيلا دوريا بامفيلي بروما وسط استقبال ملكي ، لترأس مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني القمة الحكومية الجزائرية الإيطالية الخامسة، في لحظة شكلت انطلاقة شراكة وصفها الطرفان بالنموذجية.
ولم تكن المصادفة أن الزيارة جاءت في ذروة التوتر بين الجزائر وفرنسا، لتقول روما علناً ما تعجز باريس عن سماعه: الجزائر شريك استراتيجي لا مجرد فضاء نفوذ سابق.
ثم كانت الزيارة المعاكسة في مارس 2026، حين حطت ميلوني في الجزائر العاصمة لترسّخ الجغرافيا الجديدة للطاقة ، أن الجزائر أكبر مورّد غاز لإيطاليا، وشريكها التجاري الأول في إفريقيا بمبادلات بلغت 12.98 مليار يورو خلال سنة 2025 وفق بيانات وكالة ” نوفا ” الإيطالية .
كلمات ميلوني في المؤتمر الصحفي المشترك كانت وصفة دبلوماسية لما يؤرق باريس: “شريك استراتيجي وموثوق” ، صفة باتت روما تتسابق لتأكيدها، بينما فرنسا تتقاذف مع الجزائر ملفات التأشيرات والهجرة.
رمزية التوقيت .. عندما يصبح الإليزيه مطارداً
لم يعلن الإليزيه زيارة ماكرون لمدريد من فراغ، فالإعلان جاء مباشرة عقب تداول الصحافة الإسبانية لخبر الزيارة الجزائرية المرتقبة. والتوقيت يحمل دلالة مزدوجة:
أولا، باريس تريد حجز مكانها في العاصمة الإسبانية قبل أن يصل الرئيس تبون، كمن يهرع لإطفاء حريق قبل اشتعاله ، فاللقاءات المرتقبة بين الرئيس تبون والملك فيليبي وسانشيز في أكتوبر لن تكون مجرد مراسم بروتوكولية، بل محطة لتتويج مسار تقارب سياسي واقتصادي وصفه دبلوماسيون بـ”غير المسبوق” بين الجزائر ودول الضفة الشمالية للمتوسط.
ثانيا، الرئيس الفرنسي الذي اعتاد أن تكون باريس عنوانا إلزامياً في جولات القادة، يجد نفسه اليوم في موقع المستعجل يبحث عن أوراق نفوذ في مدريد ولشبونة وروما في الوقت الذي تعيد فيه الجزائر رسم خريطة علاقاتها مع المتوسط انطلاقا من موقع القوة: غاز، وموقع جيوسياسي، وثقل دبلوماسي يتجاوز إرث العلاقات الاستعمارية.
وبين إيطاليا وإسبانيا، يبدو الرئيس الفرنسي وكأنه يعيد إنتاج مسار سبق أن رسمه نظيره الجزائري، لكن الفارق جوهري ، تبون يتحرك من موقع الثقة والشراكة المتساوية، أما ماكرون فيتحرك من موقع الخوف من الفراغ.


























