بوابة الجزائر الإخبارية: كشف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن الأزمة التي مرت بها العلاقات الجزائرية–المالية لم تكن، وفق تقييمه، نتيجة رغبة الجزائر في التدخل داخل مالي، بل جاءت في سياق تحركات هدفت إلى إبعاد باماكو عن الجزائر وإضعاف قنوات التنسيق بين البلدين.

وقال الرئيس تبون، خلال لقائه الإعلامي الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، إن الجزائر لا تسعى إلى إلحاق الضرر بأي دولة مجاورة، مؤكدًا أن العلاقات مع مالي ظلت مستقرة لسنوات وأن بلاده ساعدتها على معالجة أزمات داخلية ذات طابع قبلي ومجتمعي.
وأضاف أن بعض الأطراف عملت على إقناع القيادة المالية بأن الوساطة الجزائرية تمثل تدخلًا في الشؤون الداخلية، معتبرًا أن الهدف من ذلك كان عزل باماكو عن محيطها الجزائري وجعلها أكثر عرضة لضغوط ومصالح خارجية.
ولم يسمّ الرئيس الجهات التي يقصدها، كما لم يقدم تفاصيل تثبت طبيعة تدخلها، ما يجعل الحديث عن محاولة العزل موقفًا سياسيًا جزائريًا بشأن خلفيات الأزمة، وليس نتيجة تحقيق دولي معلن.
الجزائر تنفي التدخل وتتمسك بوحدة مالي
شدد تبون على أن الجزائر لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأن تحركها السابق داخل الملف المالي جاء في إطار الوساطة وبطلب من الأطراف المعنية، بهدف الحفاظ على وحدة مالي ومنع تمدد الأزمات الأمنية نحو دول الجوار.
وتتقاسم الجزائر ومالي حدودًا تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، تمر عبر مناطق صحراوية تواجه نشاط جماعات مسلحة وشبكات تهريب وجريمة منظمة عابرة للحدود. ويجعل هذا الامتداد استقرار مالي قضية أمنية مباشرة بالنسبة إلى الجزائر، خصوصًا في ولايات الجنوب.
كما ترتبط مجتمعات شمال مالي بجنوب الجزائر بعلاقات عائلية وتجارية واجتماعية قديمة، ما يفسر انخراط الجزائر تاريخيًا في الوساطات بين الحكومات المالية والحركات السياسية والمسلحة في الشمال.
ويؤكد الموقف الجزائري الرسمي باستمرار دعم وحدة التراب المالي ورفض تقسيم البلاد، بالتوازي مع الدعوة إلى حلول سياسية تعالج مطالب سكان الشمال وتمنع تحول النزاعات المحلية إلى بيئة لتوسع التنظيمات الإرهابية.
اتفاق الجزائر في قلب الخلاف السياسي
بلغ الدور الجزائري ذروته مع توقيع اتفاق السلم والمصالحة في مالي سنة 2015، بعد مفاوضات قادتها الجزائر بين الحكومة المالية وتنسيقية الحركات المتمركزة في الشمال.
ونص الاتفاق على الحفاظ على وحدة مالي وسيادتها، مع توسيع اللامركزية وإدماج مقاتلين سابقين في مؤسسات الدولة وتنفيذ برامج تنموية في المناطق الشمالية، إلى جانب ترتيبات أمنية وسياسية للمصالحة.
غير أن تنفيذ بنوده تعثر على مدى سنوات بسبب ضعف الثقة بين الأطراف، وتغير السلطات في باماكو، وتدهور الوضع الأمني، وانسحاب بعثة الأمم المتحدة، وتوسع حضور القوات الروسية.
وفي جانفي 2024، أعلنت السلطات الانتقالية المالية إنهاء الاتفاق، متهمة الجزائر والحركات الشمالية بعدم احترام بعض الالتزامات. ورفضت الجزائر الاتهامات، محذرة من أن التخلي عن المسار السياسي قد يزيد تعقيد الأزمة ويقوي الجماعات المتطرفة.
وتكشف تصريحات تبون الجديدة أن الجزائر تفسر جزءًا من الانقلاب على الاتفاق بتأثير أطراف أقنعت باماكو بأن الوساطة الجزائرية تمثل تدخلًا، رغم أن الاتفاق أنجز داخل إطار تفاوضي شاركت فيه الحكومة المالية ووساطة دولية.
حادثة المسيّرة تدفع العلاقات إلى القطيعة
انتقلت الأزمة من الخلاف السياسي إلى مواجهة دبلوماسية في مارس 2025، بعدما أسقطت الجزائر طائرة مسيّرة مالية قرب منطقة تين زاوتين الحدودية.
وقالت الجزائر إن الطائرة اخترقت مجالها الجوي، بينما نفت مالي ذلك واتهمت الجزائر باستهداف معداتها العسكرية. وأدى الخلاف إلى استدعاء السفراء وإغلاق المجال الجوي واتساع التوتر بين الجزائر وتحالف دول الساحل.
وشددت الجزائر حينها على أن حماية حدودها ومجالها الجوي حق سيادي، كما رفضت اتهامات باماكو لها بدعم جماعات مسلحة أو عرقلة عمليات الجيش المالي.
واستمرت القطيعة أكثر من عام، في وقت واجهت فيه مالي تدهورًا أمنيًا واتساع نشاط الجماعات المسلحة، إلى جانب صعوبات في فرض سلطة الدولة على مناطق واسعة من الشمال.
عودة السفراء تفتح مرحلة جديدة
شهدت العلاقات تحولًا في 10 جويلية 2026، عندما اتفق البلدان على إعادة سفيريهما وفتح المجال الجوي، لتنتهي بذلك قطيعة استمرت نحو 15 شهرًا.
وأكد الرئيس تبون آنذاك عودة السفير الجزائري إلى باماكو، بالتزامن مع استئناف حركة الطائرات المدنية والعسكرية بين البلدين. كما اتخذت مالي خطوات مماثلة، بما أعاد القنوات الدبلوماسية المباشرة بعد أشهر من التصعيد. وكالة أسوشيتد برس
وتمنح استعادة العلاقات الطرفين فرصة لإعادة بناء التنسيق الأمني والاقتصادي، خصوصًا في مراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب وتنظيم حركة الأشخاص والبضائع.
كما تسمح ببحث استئناف الرحلات والتجارة والخدمات القنصلية، ومعالجة أوضاع المجتمعات الحدودية التي تضررت من إغلاق المجال الجوي وتراجع الاتصالات الرسمية.
مالي لا تستطيع الانفصال عن محيطها الجغرافي
يحمل حديث تبون عن «عزل باماكو» بعدًا جغرافيًا واقتصاديًا، إذ تعتمد مالي، بوصفها دولة غير ساحلية، على علاقاتها مع الدول المجاورة للوصول إلى الموانئ والأسواق ومصادر الوقود والمواد الغذائية.
وتوفر الجزائر منفذًا شماليًا محتملًا عبر شبكة الطرق العابرة للصحراء وموانئ المتوسط، كما تملك قدرات في الطاقة والاتصالات والتكوين والصحة يمكن توظيفها ضمن شراكة اقتصادية أوسع مع مالي.
وفي المقابل، يمثل السوق المالي امتدادًا طبيعيًا للصادرات الجزائرية نحو الساحل، خصوصًا مواد البناء والأدوية والمنتجات الغذائية والمعدات والخدمات الطاقوية.
ويعني ذلك أن استمرار الخلاف كان سيكلف البلدين فرصًا في التجارة والأمن الحدودي والمشروعات اللوجستية، بينما تستفيد الشبكات غير النظامية من ضعف التنسيق الرسمي.










