بوابة الجزائر الإخبارية: 1,300 كيلومتر من الحدود المشتركة تستعيد أهميتها الاقتصادية بعد إنهاء الجزائر ومالي، في 10 جويلية 2026، أزمة دبلوماسية استمرت نحو 15 شهرًا، عبر إعادة السفيرين وفتح المجال الجوي. ويمنح التقارب الجزائر فرصة لإعادة تنشيط تجارتها مع دول الساحل، بينما تحصل مالي على منفذ أكثر استقرارًا نحو الموانئ المتوسطية والأسواق الدولية.
وتزامن التحول مع معلومات نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية في 17 جويلية، تفيد بأن روسيا شجعت باماكو على استعادة التنسيق مع الجزائر والعودة إلى المسار السياسي الذي أسسه اتفاق السلام والمصالحة لعام 2015، بعد ارتفاع كلفة المواجهات وتعثر المقاربة الأمنية المنفردة.
موسكو تعترف بثقل الدور الجزائري
نقلت «لوموند» عن مصدر مالي مطلع أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكد، خلال اجتماع عقده مع نظرائه في دول تحالف الساحل بالعاصمة النيجرية نيامي يوم 8 جويلية، أن الحل العسكري وحده لا يستطيع إنهاء الأزمة، داعيًا مالي إلى المصالحة مع الجزائر والعودة إلى اتفاق السلام الموقع سنة 2015.
وتظل هذه المعلومات منسوبة إلى المصدر الذي تحدث للصحيفة الفرنسية، إذ لم تصدر موسكو بيانًا رسميًا يتضمن دعوة صريحة إلى إعادة تفعيل اتفاق الجزائر. وركز الإعلان العلني للاجتماع على توسيع التعاون الأمني والعسكري بين روسيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو.
ومع ذلك، يعكس التحرك المنسوب إلى روسيا إدراكًا متزايدًا بأن الجزائر تمتلك أدوات لا توفرها المقاربة العسكرية، تشمل المعرفة الدقيقة بتوازنات شمال مالي، والعلاقات التاريخية مع الأطراف المحلية، والخبرة المتراكمة في الوساطة، فضلًا عن حدودها الطويلة ومكانتها الاقتصادية في شمال إفريقيا.
كما أن استمرار الاضطرابات يرفع تكاليف انتشار نحو 2,500 عنصر من الفيلق الإفريقي الروسي في مالي، ويضغط على الجيش المالي والمالية العمومية، ويهدد المصالح الاقتصادية المرتبطة بالتعدين والطاقة والنقل. ويجعل ذلك التسوية السياسية أقل كلفة من إدارة أزمة مفتوحة تستنزف الموارد من دون نتائج مستقرة.
اتفاق الجزائر يعود كبرنامج للتنمية
ترتبط الأهمية الاقتصادية لاتفاق الجزائر بمضمونه التنموي، إذ لم يقتصر الاتفاق الموقع سنة 2015 على الترتيبات السياسية والأمنية، وإنما تضمن إنشاء منطقة لتنمية الأقاليم الشمالية، وتقليص الفوارق بينها وبين بقية مالي، وتوسيع اللامركزية ومنح الجماعات المحلية موارد أكبر.
كما وضع الاتفاق إطارًا لتوجيه التمويلات نحو الطرق والمياه والكهرباء والصحة والتعليم وفرص العمل. ويعالج هذا المسار جزءًا من الأسباب الاقتصادية التي غذت الاضطرابات، خاصة ضعف الخدمات وارتفاع البطالة وصعوبة الوصول إلى الأسواق وتفاوت توزيع الموارد.
وكانت باماكو قد أعلنت إنهاء الاتفاق بأثر فوري في جانفي 2024. ثم دخلت العلاقات مع الجزائر مرحلة أشد توترًا في أفريل 2025، عقب إسقاط طائرة مسيّرة مالية قرب الحدود وإغلاق المجال الجوي من الجانبين. وجاءت استعادة العلاقات في جويلية 2026 بعد أن أظهرت التطورات أن تجاوز الوساطة الجزائرية لا يوفر بديلًا عمليًا لإدارة أزمة شمال مالي.
ويرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3، توفيق بوقاعدة، أن التوجه الروسي نحو دعم المسار السياسي يرتبط بارتفاع كلفة استمرار المواجهات على الفيلق الإفريقي والجيش المالي. ويؤكد ذلك أن الخبرة الجزائرية في الوساطة تحولت إلى أصل استراتيجي قادر على حماية الاستقرار والنشاط الاقتصادي في الساحل.
فتح الأجواء يخفض كلفة العزلة المالية
يتيح فتح المجال الجوي إعادة تشغيل الرحلات المباشرة تدريجيًا، وتقليص مدة السفر وتكاليف نقل الأشخاص والبضائع. كما يمكن أن يسهل حركة رجال الأعمال والعمال والتجهيزات، ويعيد ربط السوق المالية بالشبكات التجارية الجزائرية.
وتحتاج مالي، باعتبارها دولة غير مطلة على البحر، إلى ممرات آمنة ومنتظمة لاستيراد الوقود والمواد الغذائية والأدوية والآلات. وأكد صندوق النقد الدولي أن اقتصادها تأثر خلال 2025 باضطراب إمدادات الوقود وانخفاض إنتاج الذهب وصعوبات التنقل وارتفاع الضغوط الأمنية، قبل أن تظهر مؤشرات تعافٍ في 2026 مع تحسن الإمدادات والإنتاج المنجمي.
ويمنح القرب الجغرافي الجزائر أفضلية في تزويد السوق المالية مقارنة بموردين يعتمدون على مسارات أطول وأكثر تكلفة. كما تستطيع مالي الاستفادة من الطرق والمنشآت اللوجستية والموانئ الجزائرية للوصول إلى البحر المتوسط، ما يساعدها على تنويع ممراتها الخارجية وتقليص مخاطر الاعتماد على مسار واحد.
سوق مالية غير مستغلة أمام الصادرات الجزائرية
بلغت الصادرات السلعية الجزائرية المسجلة رسميًا إلى مالي 2.75 مليون دولار فقط خلال 2024، وفق بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية. ويكشف هذا الرقم محدودية المبادلات مقارنة بطول الحدود وحجم الاحتياجات المالية، مع الإشارة إلى أن الإحصاءات الرسمية لا تشمل كامل التجارة غير المنظمة والأنشطة الحدودية.
ويفتح تحسن العلاقات مجالًا أمام الجزائر لزيادة صادرات الإسمنت والحديد والأدوية والمنتجات الغذائية والتجهيزات الكهربائية ومواد البناء. كما يمكن للمؤسسات الجزائرية دخول قطاعات النقل والأشغال العمومية والطاقة والخدمات اللوجستية، مستفيدة من القرب وانخفاض تكاليف الشحن.
وكانت الجزائر قد أعلنت في فيفري 2024 مشروع إنشاء منطقة تجارة حرة مع مالي، ضمن خطة تشمل النيجر وتونس وليبيا. كما كشفت عن استثمارات إقليمية في الطاقة بقيمة إجمالية تبلغ 442 مليون دولار موزعة على مالي والنيجر وليبيا.
ويمنح استقرار العلاقات فرصة لإعادة تحريك هذه المشاريع وربطها بالطريق العابر للصحراء والأسواق الحدودية ومخططات الربط الطاقوي. ويمكن لهذا المسار تحويل الجنوب الجزائري إلى منصة لتجميع السلع والخدمات وتوجيهها نحو مالي وبقية دول الساحل.
الجزائر تستعيد عمقها الاقتصادي في الساحل
تحقق الجزائر من التقارب ثلاثة مكاسب مترابطة، تتمثل في تأمين حدودها الجنوبية، وتقليص التكاليف المرتبطة بعدم الاستقرار، وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات والصادرات الوطنية. كما تعزز موقعها باعتبارها حلقة وصل بين اقتصاد الساحل والموانئ المتوسطية.
وتستفيد مالي في المقابل من ممر أقرب للحصول على السلع والطاقة، ومن إمكانية استقطاب الاستثمارات الجزائرية، ومن العودة إلى إطار سياسي يربط الأمن بالتنمية المحلية. أما روسيا، فتستفيد من خفض الضغط على وجودها العسكري وحماية مصالحها من مخاطر صراع طويل.
ويبقى تحويل المصالحة إلى مكاسب اقتصادية مرتبطًا بإعادة تنشيط المعابر البرية والرحلات الجوية، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وتطوير وسائل الدفع المصرفي، وتأمين نقل البضائع وحماية الاستثمارات. ويؤكد هذا المسار أن الجزائر عادت إلى مركز المعادلة المالية، بوصفها الشريك الأكثر قدرة على الجمع بين التسوية السياسية والأمن الحدودي والتنمية الاقتصادية.











