بوابة الجزائر الإخبارية: ألقت تصريحات السفيرة الأمريكية بالجزائر، إليزابيث مور أوبين، خلال ندوتها الصحفية الأخيرة، الضوء على طبيعة العلاقات الجزائرية–الأمريكية في ظل تحولات إقليمية ودولية معقدة.
فقد شددت على أن التعاون العسكري بين البلدين “يمتد إلى وقت طويل” وأنه تعزز بتوقيع مذكرة التفاهم بين قيادة الجيش الوطني الشعبي وقيادة “أفريكوم”.
وفي المقابل، خصصت جزءا من حديثها للملف الشائك، الصحراء الغربية، مؤكدة أن “واشنطن تدعو كل الأطراف إلى التشاور والتفاوض لإيجاد حل دائم يرضي الجميع”.
هذا التوازي بين التعاون الأمني والبعد السياسي يكشف أن الولايات المتحدة تحاول الموازنة بين شراكة استراتيجية مع الجزائر من جهة، والحفاظ على مصالحها مع أطراف أخرى في المنطقة من جهة ثانية.
التعاون العسكري .. من التنسيق إلى الشراكة الاستراتيجية
يعكس حديث السفيرة عن زيارة المدمرة “شرمان“، وعن برامج مشتركة كسلامة الطيران بين قاعدتي بوفاريك ورمشن، أن التعاون لم يعد مقتصرا على التكوين أو تبادل الخبرات، بل بات يكتسي طابعا استراتيجيا متعدد الأبعاد.

كما أن توقيع مذكرة التفاهم بين الفريق أول السعيد شنقريحة والجنرال مايكل لانغلي، في جانفي الماضي ، أضفى طابعا رسميا ومؤسساتيا على هذا التعاون، حيث لم يعد مرتبطا بالظرف الأمني فقط، بل بني على “رؤية مشتركة للاستقرار الإقليمي”.
غير أن الجزائر، كما يظهر من خلال مواقفها، تسعى إلى ضبط هذا التعاون ضمن إطار يخدم مصالحها السيادية، دون الانخراط في أي اصطفاف قد يخل بتوازن علاقاتها الدولية، خاصة في ظل حضور شركاء تقليديين مثل روسيا والصين.
الصحراء الغربية .. ملف لا يغيب

السفيرة أوبين لم تتجاهل ملف الصحراء الغربية، بل ذكرت أن “تاريخ النزاع يمتد لأكثر من خمسين عاما وأثّر بشكل مباشر على حياة المواطنين الصحراويين”.
هذا الاعتراف بالأبعاد الإنسانية والسياسية للنزاع يعكس أن واشنطن تضع الملف على طاولة نقاشاتها مع الجزائر.
إلا أن موقفها ظل حذرا، فهي لم تعلن عن مبادرة جديدة، بل اكتفت بالدعوة إلى “حل دائم يرضي الجميع”، وهو تعبير يشي بمحاولة التوفيق بين دعم المغرب، الحليف التقليدي لواشنطن، والحوار المفتوح مع الجزائر التي تظل لاعبا أساسيا في أي تسوية مستقبلية.
الجزائر بدورها، تنظر إلى مثل هذه التصريحات كمساحة يمكن استغلالها لتأكيد موقفها الثابت من تقرير المصير، مع إبراز أن أي استقرار حقيقي في المنطقة لن يتحقق دون حل عادل لقضية الصحراء الغربية.
التعاون الجزائري الأمريكي على محك اختبار الصحراء الغربية
قال الخبير في الشؤون الأمنية الدكتور أحمد ميزاب في تصريح لـ”بوابة الجزائر“، إن تأكيد السفيرة الأمريكية على أن التعاون العسكري بين الجزائر والولايات المتحدة يمتد إلى وقت طويل، يعكس رغبة واشنطن في إبراز استمرارية هذا التعاون رغم التوترات الإقليمية.

وأوضح أن الولايات المتحدة تدرك أن الجزائر تمثل فاعلا محوريا في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل، بفضل قدراتها الميدانية والاستخباراتية التي لا يمكن تجاوزها.
كما اعتبر أن الحديث عن “الامتداد التاريخي” لهذا التعاون يوجه رسالة طمأنة مفادها أن العلاقات العسكرية بين البلدين تظل قائمة ومستقرة، حتى في ظل الخلافات السياسية المرتبطة بملفات إقليمية حساسة مثل قضية الصحراء الغربية.
وأشار ميزاب إلى أن اختيار واشنطن لهذا الخطاب في هذا التوقيت لم يأت من فراغ، بل يعكس حساسية الظرف الذي تمر به المنطقة نتيجة أزمة الساحل وتداعيات الموقف الأمريكي غير المتوازن من قضية الصحراء الغربية.
وأضاف أن التركيز على “الاستمرارية” و”الامتداد التاريخي” يترجم إدراك الإدارة الأمريكية أن الجزائر لا تقبل الشراكات الظرفية، بل تسعى إلى علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وأكد المتحدث أن هذا التصريح يهدف إلى طمأنة الجزائر بأن التعاون العسكري لن يكون رهينة الخلافات السياسية، خاصة وأن الجزائر تنظر بجدية إلى أي تقاطع بين البعد الأمني والمواقف السياسية الدولية.
واعتبر أن واشنطن تسعى من خلال هذا الموقف إلى الحفاظ على موقعها كشريك أمني للجزائر في الساحل، في وقت يتزايد فيه حضور قوى منافسة على غرار روسيا والصين وتركيا.
وفي السياق نفسه، أوضح ميزاب أن الجزائر تدرك تماما أن التعاون الأمني لا ينفصل عن التوازنات السياسية، ولذلك ستعمل على استثمار هذا المسار لإبراز ثقلها الإقليمي والدفع باتجاه مواقف أمريكية أكثر اعتدالا في ملف الصحراء الغربية.
وأضاف أن الجزائر قد تستفيد من هذا التعاون لتذكير الإدارة الأمريكية بأن الشراكة الأمنية لا يمكن عزلها عن التوازن السياسي، لكنه استدرك قائلا إن من الصعب اعتبار التعاون العسكري وحده ورقة ضغط حاسمة، بحكم أن الموقف الأمريكي من قضية الصحراء الغربية يظل رهين اعتبارات داخلية، أبرزها تأثير اللوبي المغربي، فضلا عن حسابات إقليمية أخرى.
وبخصوص تركيز السفيرة الأمريكية على “التشاور والتفاوض من أجل حل دائم يرضي الجميع” دون الإشارة صراحة إلى خيار الحكم الذاتي أو الاستفتاء، اعتبر ميزاب أن ذلك يعكس رغبة واشنطن في إبقاء مواقفها مرنة وعدم الانحياز علنا لأي خيار، بما يتيح لها الظهور كوسيط محتمل.
وأوضح أن غياب الإشارة إلى تلك الخيارات يعكس توجها أمريكيا نحو تجنب الدخول في التفاصيل الخلافية والاكتفاء بخطاب دبلوماسي عام.
كما رأى أن هذا الموقف يفتح الباب أمام الجزائر للتأثير في مسار الحل، باعتبارها متمسكة بمبدأ الشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تفادي الظهور بمظهر المنحاز بوضوح إلى المغرب.
















