القضاء أسقط الغطاء وبروكسل كادت تغلق الباب..
بوابة الجزائر الإخبارية: لم يحتج الأمر إلى انتصار قضائي مغربي، ولا إلى حجة قانونية قلبت أحكام محكمة العدل الأوروبية، ولا حتى إلى أغلبية برلمانية اقتنعت برواية الرباط. كل ما احتاجه المخزن لإنقاذ ترتيباته الزراعية في بروكسل كان غياب صوت واحد فقط. ففي نوفمبر 2025، أيد 359 نائبًا أوروبيًا اعتراضًا على قواعد وسم منتجات الصحراء الغربية، مقابل 188 معارضًا و76 ممتنعًا، غير أن إسقاط النص كان يتطلب 360 صوتًا. وهكذا تحولت الهزيمة السياسية الواضحة إلى نجاة إجرائية هشة، حاولت الرباط تسويقها وكأنها انتصار دبلوماسي مكتمل.

هذه الواقعة تختصر طبيعة المعركة التي تخوضها السلطة المغربية داخل أوروبا. فحين ضاقت أمامها قاعات المحاكم، انتقلت إلى ممرات النفوذ. وحين فشلت في محو الفاصل القانوني بين المغرب والصحراء الغربية، حاولت الالتفاف عليه بتعديل الملصقات والصيغ الإدارية. وحين أصبح الدفاع عن الاتفاقات القديمة أكثر صعوبة، جرى استدعاء سياسيين سابقين ومستشاري علاقات عامة وشبكات مصالح لمحاولة إنقاذ الامتيازات التجارية من آثار أحكام لم تستطع الرباط إسقاطها بالقانون.
وفي أحدث فصول هذا التحرك، كشف تقارير دولية أن وزير الدفاع الإيطالي السابق وعضو البرلمان الأوروبي الأسبق ماريو ماورو أصبح شخصية مركزية في استراتيجية الدفاع عن المصالح الزراعية المغربية داخل بروكسل. ولا يأتي استدعاء سياسي أوروبي سابق من فراغ، بل يعكس حاجة الرباط إلى شخص يعرف المؤسسات الأوروبية من الداخل، ويمتلك القدرة على الوصول إلى دوائر القرار التي لم تعد المرافعات القانونية وحدها كافية للتأثير فيها.
المشهد لا يعكس قوة مغربية صاعدة بقدر ما يكشف نظامًا محاصرًا يبحث عن مخارج جانبية. فالدولة الواثقة من سلامة موقفها تذهب إلى القضاء بالحجج، بينما الدولة التي تخشى الحكم تستثمر في تخفيف أثره. والدولة التي تملك أساسًا قانونيًا صلبًا لا تحتاج إلى حشد الوزراء السابقين خلف حملات ضغط تجارية، ولا إلى تغيير قاموس المنشأ كي تتجنب كتابة الاسم الذي أقرته المحكمة.
حين تصبح شبكات الضغط بديلًا عن الحجة القانونية
في 4 أكتوبر 2024، وجهت محكمة العدل الأوروبية ضربة مباشرة إلى البناء الذي أقامته الرباط مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول موارد الصحراء الغربية. وأكدت أن الاتفاقات الزراعية والسمكية التي جرى توسيعها لتشمل الإقليم لم تحترم شرط موافقة شعب الصحراء الغربية، كما أعادت تثبيت المبدأ القائل إن الإقليم منفصل ومتميز عن المغرب من منظور القانون الدولي وتطبيق الاتفاقات الأوروبية.
وفي قضية متصلة بالوسم التجاري، شددت المحكمة على أن المنتجات المزروعة أو المحصودة في الصحراء الغربية لا يجوز تقديمها للمستهلك الأوروبي باعتبارها مغربية المنشأ، لأن ذلك يحجب المصدر الحقيقي للسلعة ويخلق التباسًا بشأن الوضع القانوني للإقليم.
بدل التعامل مع الحكم باعتباره حدًا قانونيًا واضحًا، دخلت الرباط والمفوضية الأوروبية في هندسة صيغة جديدة تحافظ على الامتيازات وتغير طريقة تقديمها. وابتداء من 4 أكتوبر 2025، جرى تطبيق اتفاق جديد بصورة مؤقتة، يسمح باستمرار المعاملة التفضيلية لمنتجات قادمة من الصحراء الغربية، مع استخدام تسميتي «الداخلة وادي الذهب» و«العيون الساقية الحمراء» على وثائق المنشأ والملصقات.
وبهذه المناورة، لم يختفِ اسم الصحراء الغربية بسبب تغير حقيقتها القانونية، بل جرى استبداله بتقسيمات إدارية تفرضها الرباط على الإقليم. ولم تُحل مشكلة الموافقة التي كانت في قلب الحكم، بل جرى تجاوزها عبر إعادة تصميم الغلاف التجاري للاتفاق.
إنها طريقة المخزن المفضلة في إدارة الأزمات. عندما يعجز عن تغيير الجوهر، يغيّر العبارة. وعندما لا يستطيع الحصول على اعتراف قانوني، يبحث عن صياغة إدارية توحي به. وعندما ترفض المحكمة اعتبار الصحراء الغربية جزءًا من المغرب، يحاول إدخال التسميات المغربية من نافذة الملصقات بعدما أُغلق الباب القضائي.
لكن النتيجة داخل البرلمان الأوروبي كشفت هشاشة هذه الحيلة. فقد صوّت معظم النواب المشاركين لصالح الاعتراض على النص الجديد، ولم ينجُ الترتيب سوى لأن الأغلبية القانونية المطلوبة تختلف عن الأغلبية العددية العادية. وكان انتقال صوت واحد فقط كفيلًا بإسقاطه. هذه ليست حصانة أوروبية للرباط، وإنما إنذار سياسي كاد يتحول إلى هزيمة تشريعية كاملة.
3.7 مليارات يورو تفسر حالة الاستنفار
لا تتحرك ماكينة الضغط المغربية دفاعًا عن مسألة رمزية. ففي خلفية النزاع توجد تجارة زراعية تدر مليارات اليوروهات، وشركات راكمت مصالحها داخل السوق الأوروبية، ومنظومة تصدير تعتمد بدرجة كبيرة على استمرار المعاملة الجمركية التفضيلية.
وتظهر بيانات المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي استورد من المغرب سلعًا بقيمة 25.5 مليار يورو خلال 2025، بينها منتجات زراعية بقيمة 3.734 مليارات يورو. كما بلغت الصادرات الأوروبية إلى المغرب 36.7 مليار يورو، ما يؤكد ثقل العلاقة التجارية وحجم المصالح التي تجعل بروكسل ساحة مواجهة بين القانون والمصالح السياسية والاقتصادية.
هذه المليارات تفسر لماذا تحشد منظمة أرباب العمل المغربية والشركات الزراعية كل ما تملكه من علاقات. فأي تشدد في قواعد المنشأ أو مراجعة للامتيازات أو طعن قضائي جديد يمكن أن يصيب نموذجًا تصديريًا جرى بناؤه على سهولة الدخول إلى أكبر سوق مجاورة للمغرب.
كما تفسر لماذا لم تتعامل الرباط مع حكم محكمة العدل الأوروبية كمسألة قانونية ينبغي الامتثال لها، بل كخطر تجاري ينبغي تطويقه. فالحكم لا يهدد خطابًا سياسيًا فقط، وإنما يضع علامات استفهام حول منشأ المنتجات، وشرعية الاستفادة من التفضيلات الجمركية، ومسؤولية الشركات الأوروبية المستوردة، وحق المستهلك في معرفة المنطقة الحقيقية التي جاءت منها الطماطم أو البطيخ أو غيرهما من السلع.
والأكثر إحراجًا للرباط أن الاعتراض على هذه الترتيبات لم يعد مقتصرًا على مؤيدي تقرير المصير، بل دخلت على الخط جهات زراعية أوروبية تخشى المنافسة وتطالب بشفافية أكبر في المنشأ والحصص والأسعار. وبذلك أصبح المخزن مضطرًا للدفاع عن نموذجه أمام جبهتين في الوقت نفسه، جبهة القانون الدولي وحقوق الشعب الصحراوي، وجبهة المنتج الأوروبي الذي يرى في الامتيازات الممنوحة للسلع القادمة من الإقليم منافسة غير متكافئة.
دولة تسابق القضاء إلى مكاتب اللوبيات
تسعى الرباط إلى إظهار تحركاتها في بروكسل باعتبارها نشاطًا دبلوماسيًا عاديًا، غير أن توقيتها وطبيعتها يكشفان وظيفة أكثر تحديدًا. فالسلطة لا تتحرك للحصول على اتفاق جديد من موقع قانوني مريح، وإنما تعمل على منع تفكك ترتيبات سبق للقضاء الأوروبي أن أسقط أساسها.
وظهور ماريو ماورو في قلب هذه الحملة يمثل اعترافًا ضمنيًا بأن المعركة لم تعد تدور حول قوة الملف المغربي، بل حول القدرة على التأثير في المؤسسات والأحزاب والنواب واللجان. فالرجل لم يُستدع بوصفه خبيرًا في الزراعة الصحراوية أو في حق تقرير المصير، وإنما باعتباره سياسيًا أوروبيًا سابقًا يعرف مفاتيح بروكسل ومسالكها.
وتكشف هذه الاستراتيجية ضآلة ما تسميه الرباط «مكاسب دبلوماسية». فحين يحتاج نظام كامل إلى تعبئة شبكة ضغط حتى يمنع كتابة «الصحراء الغربية» على صندوق طماطم، يصبح الحديث عن حسم الملف مجرد دعاية داخلية. وحين يسقط الاتفاق أمام المحكمة ثم ينجو البديل بفارق صوت واحد، تبدو صورة القوة التي يصنعها الإعلام الرسمي أقرب إلى ديكور هش منه إلى تحول قانوني مستقر.
وقد تؤخر هذه الحملات تنفيذ بعض آثار الأحكام، أو تمرر لائحة مؤقتة، أو تستميل كتلة برلمانية، لكنها لا تستطيع تغيير ما قررته المحكمة بشأن الوضع المنفصل والمتميز للإقليم، ولا أن تمنح الرباط سيادة لم يمنحها لها القانون الدولي.
الأموال متاحة للواجهة.. والبطالة تنتظر المغاربة
يتناقض النشاط المحموم لحماية مصالح المصدرين في أوروبا مع بطء الاستجابة للأزمة الاجتماعية داخل المغرب. ففي الوقت الذي تجند فيه السلطة شبكاتها السياسية والاقتصادية للدفاع عن مليارات الزراعة، يواجه سوق العمل اختلالًا لا تخفيه المؤشرات الرسمية الصادرة عن مؤسسات المملكة نفسها.
فخلال 2025، بلغ عدد العاطلين 1.621 مليون شخص، واستقر معدل البطالة عند 13%. وارتفعت النسبة إلى 37.2% لدى الشباب بين 15 و24 عامًا، وإلى 20.5% بين النساء، بينما بلغ نقص التشغيل 10.9%. كما خسر قطاع الزراعة والغابات والصيد 41 ألف منصب في سنة واحدة، رغم تحسن صافي الوظائف على المستوى الوطني.
وحين غيرت المندوبية السامية للتخطيط منهجية قياس سوق العمل في الفصل الأول من 2026، ظهر معدل البطالة الصارم عند 10.8%، لكنه لم يقدم الصورة الكاملة. فقد بلغ المؤشر المركب لعدم استغلال قوة العمل 22.5% على المستوى الوطني، وقفز إلى 45.3% بين الشباب و31.1% بين النساء، وهي أرقام تعكس البطالة والعمل الناقص والأشخاص الراغبين في العمل الذين تعوقهم ظروف البحث أو التوافر.
هذه الأرقام تفضح التجميل الإحصائي الذي يمكن أن يصنعه التركيز على مؤشر واحد. فالقول إن البطالة انخفضت إلى 10.8% لا يعني أن أزمة التشغيل انحسرت، ما دام نحو نصف الشباب تقريبًا داخل دائرة الاحتياج غير الملبى للعمل وفق المؤشر المركب.
وفي دولة تسوق نفسها باعتبارها «قوة إقليمية صاعدة»، تبدو نسبة 45.3% بين الشباب إعلانًا رسميًا عن فشل النموذج في تحويل الاستثمار والبنية التحتية والصادرات إلى فرص منتجة لجيل كامل. إنها فجوة لا تستطيع شركات العلاقات العامة ردمها، ولا يمكن للوبيات بروكسل أن تخفيها خلف بيانات عن الاستقرار والجاذبية الاستثمارية.
مونديال باهظ ومستشفيات تشعل الشوارع
في الجهة المقابلة، خصص المغرب أكثر من 190 مليار درهم، بما يقارب 20 مليار دولار، لتطوير السكك والطرق والمطارات والملاعب والبنية الحضرية استعدادًا لكأس العالم 2030. ويدعم هذا الاستثمار النمو وقطاع البناء، لكنه أثار في الوقت نفسه غضبًا اجتماعيًا بسبب المقارنة بين سرعة تشييد واجهة رياضية دولية وبطء إصلاح الصحة والتعليم والتشغيل.
وفي سبتمبر 2025، لم تعد هذه المقارنة مادة للنقاش الاقتصادي فقط، بل تحولت إلى احتجاجات شبابية واسعة. فقد خرجت حركة «جيل زد 212» في مدن عدة للمطالبة بتحسين المستشفيات والمدارس، وإنهاء الفساد، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام. وربط المحتجون بين الملاعب الحديثة وتدهور الخدمات الأساسية، في مواجهة مباشرة مع الرواية الرسمية التي تقدم المشروعات الكبرى باعتبارها منفعة تلقائية لجميع السكان.
ووثقت «هيومن رايتس ووتش» اندلاع الاحتجاجات في 27 سبتمبر 2025، مشيرة إلى أن السلطات منعت تجمعات وفرقتها بالقوة، وأن المواجهات خلفت ثلاثة قتلى وعشرات المصابين، مع توقيف قرابة ألف شخص وفتح قضايا ضد ما لا يقل عن 270 محتجًا، بينهم 39 طفلًا. كما أشارت المنظمة إلى أن بعض الاحتجاجات شهدت أضرارًا في ممتلكات عامة وخاصة، وهو ما لا يلغي واجب التحقيق في استخدام القوة أو احترام حق التظاهر السلمي.
هنا تنكشف حقيقة الأولويات دون حاجة إلى خطاب سياسي. فالسلطة التي تتحرك بسرعة استثنائية حين يتعلق الأمر بملصق زراعي في بروكسل، احتاجت إلى موجة احتجاجات حتى تصبح أوضاع المستشفيات والتعليم قضية عاجلة. والدولة التي تعرض على المستثمر الأوروبي صورة الانضباط والاستقرار ردت على غضب شبابها بالمنع والاعتقال والمحاكمات.
لا يتعلق الأمر برفض تطوير الموانئ أو المطارات أو الملاعب، وإنما بنموذج سياسي يتعامل مع الواجهة باعتبارها هدفًا، ومع الخدمات الأساسية باعتبارها ملفًا يمكن تأجيله. فالمونديال يملك موعدًا نهائيًا لا يمكن تأخيره، أما المدرسة الريفية والمستشفى العمومي وفرصة العمل فتظل قابلة للترحيل من ميزانية إلى أخرى.
القرى تدفع كلفة نموذج التصدير
خلف بريق الصادرات الزراعية تظهر مفارقة أكثر قسوة. فالمغرب يوجه منتجات زراعية عالية القيمة إلى أوروبا، بينما تعاني مناطقه الريفية من الفقر والهشاشة والجفاف وفقدان الوظائف.
وتشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن 71.8% من الأسر المغربية تحصل على دخل سنوي يقل عن المتوسط الوطني، وترتفع النسبة إلى 85.4% في الوسط الريفي. كما ظل الفقر متعدد الأبعاد في 2024 ظاهرة ريفية بصورة أساسية، إذ عاش قرابة 72% من الفقراء متعددي الأبعاد في القرى، وبلغ معدل هذا الفقر 13.5% في الريف مقابل 2.5% في المدن.
ولا تعني هذه الأرقام أن المغرب يعيش مجاعة، لكنها تكشف مجتمعًا شديد التفاوت، حيث تنتج المزارع الموجهة إلى الأسواق الأجنبية قيمة تصديرية بمليارات اليوروهات، بينما يبقى جزء واسع من سكان الريف تحت ضغط الدخل المنخفض والخدمات الضعيفة والتغير المناخي.
وقد أكد البنك الدولي في جويلية 2026 أن الجفاف المتكرر لا يزال خطرًا طويل الأمد على الزراعة والقطاعات المعتمدة على المياه، رغم توقع نمو الاقتصاد المغربي بنحو 4.2% خلال العام. كما أشار إلى أن صدمات الطاقة والشحن المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط تقتطع من زخم النمو وتزيد الضغوط على اقتصاد يستورد جانبًا مهمًا من حاجاته الطاقوية.
وبذلك تتحول الزراعة التي تدافع عنها الرباط في بروكسل إلى مرآة لتناقضات النموذج المغربي. فهي مصدر للعملة الأجنبية ونفوذ المصدرين، لكنها أيضًا قطاع معرض للجفاف وفقدان الوظائف واستنزاف الموارد المائية. وكلما اشتدت المنافسة على المياه بين التصدير والمدن والقرى، أصبحت مسألة توجيه الإنتاج الزراعي إلى الخارج سؤالًا اجتماعيًا وليس تجاريًا فقط.
نظام يصدّر الطماطم ويستورد الشرعية
لا تكمن المشكلة في أن المغرب يدافع عن صادراته، فكل دولة تسعى إلى حماية مصالحها التجارية. المعضلة تكمن في الطريقة التي يجري بها هذا الدفاع، وفي محاولة استخدام النفوذ السياسي للالتفاف على قاعدة قضائية واضحة، ثم تقديم النجاة المؤقتة باعتبارها اعترافًا نهائيًا.
فالرباط لا تدافع هنا عن منتج منشؤه القانوني غير محل نزاع، وإنما عن امتيازات مرتبطة بموارد إقليم قضت المحاكم الأوروبية بأنه منفصل عنها، وأكدت ضرورة موافقة شعبه على الاتفاقات التي تشمل تلك الموارد.
ومن ثم، فإن حملة الضغط ليست مجرد تحرك زراعي، بل جزء من سياسة أوسع تقوم على تحويل العلاقات السياسية والاقتصادية إلى بديل عن الشرعية القانونية. وكلما تراكمت التصريحات المؤيدة للرباط، حاول المخزن تقديمها باعتبارها قادرة على إلغاء قرارات القضاء، مع أن الاعتراف السياسي من حكومة أو حزب لا ينسخ حكمًا صادرًا عن أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي.
كما أن حماية مصالح شركات التصدير لا تعني حماية المواطن المغربي تلقائيًا. فالمليارات المتأتية من التجارة الخارجية لا تظهر بالقدر نفسه في فرص العمل أو توزيع الدخل أو جودة الخدمات. ولو كانت الطفرة التصديرية تنعكس بصورة عادلة على المجتمع، لما وصل عدم استغلال قوة العمل بين الشباب إلى 45.3%، ولما خرج محتجون يطالبون بالمستشفيات والمدارس، ولما ظل أكثر من سبعة من كل عشرة فقراء متعددي الأبعاد في المناطق الريفية.
انتصار بحجم صوت واحد وهزيمة بحجم حكم قضائي
تحاول الدعاية المغربية قلب المعادلة. فهي تصف الاتفاق البديل بأنه نجاح، وتتجاهل أن الاتفاق السابق أُلغي. وتحتفي بعدم إسقاط قواعد الوسم، وتتجاهل أن 359 نائبًا أوروبيًا صوتوا ضدها. وتقدم شبكات الضغط كعلامة نفوذ، رغم أن الحاجة إليها تكشف ضعف القدرة على الدفاع عن الموقف أمام المحكمة.
والأدق أن الرباط لم تنتصر في بروكسل، بل اشترت وقتًا سياسيًا. ولم تتجاوز الحكم، بل غلفت آثاره بترتيب مؤقت. ولم تقنع غالبية النواب المشاركين، بل أفلتت من الاعتراض بسبب شرط عددي خاص. ولم تحسم معركة المنشأ، بل فتحت بابًا جديدًا للطعن والخلاف مع المنتجين والمستهلكين والمنظمات الحقوقية.
أما داخل المغرب، فلا تستطيع السلطة شراء الوقت بالطريقة نفسها. فالبطالة لا تختفي بتوظيف وزير أوروبي سابق، والفقر الريفي لا يعالج بحملة علاقات عامة، والجفاف لا يتراجع ببيان دبلوماسي، والمستشفى لا يصبح أفضل لأن ملعبًا جديدًا افتتح في مدينة أخرى.
وقد يستطيع المخزن تمرير ملصق، أو التأثير في تصويت، أو إقناع مسؤول أوروبي بغض النظر عن تناقض قانوني، لكنه لا يستطيع إلى ما لا نهاية إدارة الفجوة بين الصورة التي يسوقها في الخارج والواقع الذي تحتج عليه فئات واسعة في الداخل.
المغاربة الذين يطالبون بالصحة والتعليم والعمل ليسوا خصومًا للمغرب، بل ضحايا نموذج يضع الواجهة قبل الإنسان، والمصالح الكبرى قبل العدالة الاجتماعية، وشبكات الضغط قبل المؤسسات. ولهذا يبقى النقد موجهًا إلى السلطة وشبكاتها الاقتصادية والسياسية، لا إلى شعب يدفع كلفة تلك الاختيارات.
وفي المحصلة، تقدم قضية الصحراء الغربية صورة مكثفة عن أزمة المخزن. قضاء أوروبي يرفض روايته، وبرلمان كاد يسقط ترتيباته بفارق صوت، ولوبيات تُستدعى لإنقاذ مصالحه، واقتصاد يحقق أرقامًا تصديرية كبيرة من دون أن يمنع بطالة الشباب أو فقر الأرياف أو انفجار الاحتجاجات.
قد تستطيع الرباط تأجيل لحظة الحساب القانوني، لكنها لن تحول التأجيل إلى شرعية. وقد تنجح في حماية شحنة طماطم، لكنها لن تمحو اسم الصحراء الغربية من الحكم القضائي. وقد تشتري النفوذ في بروكسل، لكنها لا تستطيع شراء رضا جيل يراقب المليارات تتدفق إلى الواجهات بينما ينتظر مدرسة محترمة ومستشفى يعمل وفرصة عيش بكرامة.









