بوابة الجزائر الإخبارية : سلط تقرير تحليلي حديث صادر عن “مركز أبحاث التدخل الأجنبي” الضوء على الأبعاد الجيوسياسية للقرار التاريخي الذي اتخذته الجزائر في سبتمبر 2026 بقطع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل مع دويلة الإمارات العربية المتحدة. وأكد المركز أن هذا الإجراء الاستثنائي – الذي يعد أقصى أداة دبلوماسية تسبق الصراع الفعلي – يمثل تحولاً جذرياً يصعب التراجع عنه دون أن يبدو كخسارة سياسية لأحد الطرفين.

وأشار التقرير إلى أن إعلان الجزائرعن القرار استند إلى “أعمال استفزازية وعدائية” من قبل أبوظبي دون الخوض في تفاصيلها، موضحاً أن هذا الغموض “متعمد ومدروس”. وتستخدم الجزائر عقيدتها التاريخية القائمة على “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” – والمستمدة من ثورة التحرير ومبادئ جبهة التحرير الوطني – ليس فقط كخطاب سياسي، بل كأداة استراتيجية وسلاح دبلوماسي فعال لتأكيد سيادتها كصوت مناهض للإمبريالية في العالم العربي والجنوب العالمي.
ساحات الصراع المفتوحة
وفقاً لتحليل المركز، فإن هذا التصعيد ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات لتوترات عميقة بين البلدين تمتد لسنوات عبر جبهات إقليمية متشابكة، تبدأ من الملف الليبي الذي يُعد الجرح الأقدم، حيث تقف الدولتان على طرفي نقيض منذ عام 2014 بسبب دعم أبوظبي لخليفة حفتر ورفض الجزائر لهذا التدخل الذي يهدد أمن حدودها الممتدة لـ 982 كيلومتراً. ويمتد هذا التوتر إلى أزمة دول الساحل التي تمثل التحدي الأحدث والأخطر، إذ تعتبر الجزائر التمدد الإماراتي التجاري والأمني الهادئ في الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفرنسي تحدياً مباشراً لنفوذها التاريخي في حديقتها الاستراتيجية الخلفية، وهو قلق يتقاطع مع حرب السودان والاتهامات الموجهة للإمارات بتسليح قوات الدعم السريع، مما يهدد بتنشيط شبكات التهريب وزعزعة العمق الأمني الجزائري.
وتتوج هذه الخلافات الجيوسياسية بفجوة أيديولوجية عميقة وغير قابلة للجسر تتعلق بملف التطبيع، حيث تنظر الجزائر، بوصفها من أشرس المدافعين عن التضامن العربي، باستياء بالغ لتبعات “اتفاقيات أبراهام” ومواقف الإمارات منذ أكتوبر 2023، معتبرة إياها دولة فضلت مسار التطبيع في الوقت الذي تموّل فيه فصائل مسلحة داخل مناطق النفوذ الجزائري.
أوراق الضغط ومستقبل الصراع
أوضح المركز أن لجوء الجزائر لقرار القطيعة الشاملة بدلاً من استدعاء السفير أو تخفيض التمثيل الدبلوماسي يعكس وصول الاستياء الجزائري من الأنشطة الإماراتية إلى نقطة اللاعودة. وقد يكون القرار رداً على حادثة محددة لم تُعلن بعد، أو إشارة حازمة بأن “الرسائل الهادئة” قد استُنفدت.
ويؤكد التقرير أن الجزائر تمتلك أوراق ضغط حقيقية؛ فهي أكبر دولة أفريقية مساحة، وتسيطر على حدود بالغة الحساسية، وتتمتع بجيش هو الأقوى في شمال أفريقيا، فضلاً عن ثقلها الطاقوي كمنتج رئيسي للنفط والغاز (خاصة لأوروبا). وإذا قررت الجزائر تفعيل هذه الأدوات للعمل بنشاط ضد المصالح الإماراتية في ليبيا والساحل – عبر التحالفات الدبلوماسية، وتسهيل مهام الخصوم، ومشاركة الاستخبارات – فإنها قادرة على تغيير “هيكلة تكاليف” العمليات الإماراتية في المنطقة بأكملها.
وخلص التقرير إلى دعوة المراقبين لتسليط الضوء على “الملف الليبي” أولاً، مرجحاً أن يكون الساحة الأولى التي ستشهد الانعكاسات الميدانية والعملية لهذه القطيعة، حيث يمتلك كلا البلدين علاقات نشطة مع الفصائل المسلحة، وحيث سيظهر هذا التحول العدائي بشكل ملموس في المستقبل القريب.
























