بوابة الجزائر الإخبارية : في تطور خطير يكشف الوجه الجديد لحروب الجيل الخامس، أماطت شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية “أنثروبيك” (Anthropic) اللثام عن عملية تأثير استخباراتية معقدة وموجهة، أدارتها جهات مرتبطة بالحكومة الإماراتية. العملية التي حملت الرمز السري “GTG-84002”، استخدمت نموذج الذكاء الاصطناعي المتقدم “كلود” (Claude) كسلاح لتشكيل الخطاب العام العالمي، عبر استهداف جماعة الإخوان المسلمين، وتبييض التدخل في حرب السودان، وتقويض آليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة.
“ديدشوت” و”ملف العقيدة”: أتمتة التضليل السياسي
اعتمدت الجهة المشغلة للعملية على منصة خاصة لتشغيل شخصية ذكاء اصطناعي وهمية أُطلق عليها اسم “ديدشوت” ووفقاً لتقرير التهديدات الاستخبارية الذي نشرته الشركة، تم توجيه هذا النظام عبر ملف إعدادات رئيسي سُمي بـ “ملف العقيدة”.
قام هذا الملف بتلقين نظام “كلود” بموضوعات سياسية ووثائق معدة مسبقاً، ليقوم الذكاء الاصطناعي بتحويلها عبر مئات الجلسات المؤتمتة إلى مواد تبدو وكأنها تحليلات استخباراتية أو أبحاث مستقلة حيث كان الهدف الأول لهذه الأتمتة هو شن “عملية منسقة عبر الأطلسي وإقليمية لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين على مستوى العالم”.
حرب السودان: واجهات وهمية وشهادات مزورة
تزامناً مع التقارير الدولية والحقوقية المتزايدة التي تتهم أبوظبي بدعم “قوات الدعم السريع” في السودان، سخرت العملية قدرات الذكاء الاصطناعي لصناعة واقع موازٍ ينفي هذا التورط. ولإضفاء مصداقية مزيفة على سرديتها، لجأت الجهة المشغلة إلى تكتيكات انتحال معقدة شملت:
- خلق واجهات مدنية: انتحال هوية منظمة سويسرية حقيقية وتحويلها إلى واجهة لنشر تقارير حقوقية صاغتها جهات حكومية إماراتية، بالإضافة إلى اختطاف هوية منظمة حقوقية سودانية لإضفاء طابع محلي مستقل.
- تزوير الشهادات الأممية: كتابة شهادات رسمية كاملة بالنيابة عن شخصين محددين لتقديمها في الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وقد بُرمج الذكاء الاصطناعي بصرامة لعدم ذكر “الإمارات العربية المتحدة” في هذه الشهادات، لضمان ظهورها كأصوات محلية سودانية محايدة.

قوائم استهداف وقمع للمسائلة الدولية
لم تكتفِ العملية بالتضليل الإعلامي، بل انتقلت إلى الهجوم الاستباقي ضد كل من يملك سلطة الرقابة أو التأثير. استخدم القائمون على “ديدشوت” نموذج “كلود” لإجراء أبحاث استخباراتية معمقة، أسفرت عن:
- بناء ملفات تعريفية مفصلة (Profiles) استهدفت 18 عضواً في البرلمان الأوروبي، إلى جانب نخبة من الصحفيين البارزين.
- إعداد “ملفات مضادة للمساءلة” خصيصاً لمهاجمة مقررين خاصين للأمم المتحدة، كانوا قد انتقدوا سابقاً الدور الإماراتي في السودان، وذلك بهدف تشويه سمعتهم وإضعاف الجهود الدولية الرامية لفرض عقوبات أو رقابة.

جيوش إلكترونية ممولة مركزياً
لضمان وصول هذه المواد المزيفة إلى أوسع شريحة ممكنة، أنشأت العملية وموّلت شبكة تضخيم تضم نحو 300 حساب غير أصيل على منصات التواصل الاجتماعي، صُممت بعناية لتبدو كحسابات لمؤثرين حقيقيين.
وقد تجلى نشاط هذه الشبكة في حملة منسقة انطلقت في 4 يونيو 2026 على منصة “إكس” تحت وسم #SudanIslamists، حيث نُشرت رسومات ومحتويات شبه متطابقة تربط الإخوان المسلمين في السودان بعدم الاستقرار الإقليمي، في محاولة واضحة لحرف الأنظار عن الانتهاكات الجارية على الأرض.
وفي محاولة للتمويه، وصفت الوثائق الداخلية للعملية “استقلالية” هذه الشبكة بأنها “أعظم أصولها الاستراتيجية”.
الإجراءات المضادة وحدود التأثير
رغم تصميم العملية بسرية تامة وتوجيه مخرجاتها لكبار المسؤولين الإماراتيين، تمكنت تحقيقات “أنثروبيك” الداخلية من ربط هذا النشاط “بثقة عالية” بمسؤولين في الحكومة الإماراتية.
وقد صنفت الشركة هذا التهديد ضمن الفئة الثالثة على مقياس (Breakout Scale)، لعدم وجود أدلة قاطعة على أن هذه الحملة أحدثت تغييراً ملموساً في السياسات أو حظيت باهتمام جماهيري واسع خارج الدوائر المغلقة.
ورداً على هذا الانتهاك، حظرت “أنثروبيك” الحسابات المتورطة، وسحبت صلاحيات الوصول لخدماتها، مع مشاركة البيانات التقنية للعملية مع شركاء التكنولوجيا الآخرين لمنع تكرارها
تضع هذه الحادثة المجتمع الدولي أمام تحدٍ غير مسبوق؛ فدخول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى ترسانة الحكومات لخلق هويات مزيفة، وصياغة تقارير أممية، وأتمتة التضليل السياسي، يهدد بمسح الخط الفاصل بين الحقيقة والدعاية، ويفتح الباب واسعاً أمام حقبة جديدة من حروب المعلومات التي لا تعترف بالحدود.


























