بوابة الجزائر الاخبارية: قرابة 7.7 ملايين دولار فقط بلغ حجم التجارة الرسمية بين الجزائر ومالي خلال 2024، رغم حدود مشتركة تمتد لنحو 1376 كيلومترًا؛ وهي فجوة اقتصادية ضخمة تتحرك الجزائر لمعالجتها عبر زيارة يقودها الوزير الأول سيفي غريب إلى باماكو، الاثنين 14 سبتمبر 2026، حاملًا رسالة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى رئيس المرحلة الانتقالية المالي أسيمي غويتا، ومكلفًا بتحويل استعادة الحوار السياسي إلى تجارة ومشروعات وطاقة وممرات مؤمّنة بين شمال إفريقيا وعمق الساحل.

وتتجاوز الزيارة في دلالتها لقاءً بروتوكوليًا بين رئيسي حكومتين، إذ تأتي بعد أقل من أسبوع على انعقاد الدورة الـ13 للجنة الكبرى المشتركة الجزائرية–المالية في باماكو يومي 9 و10 سبتمبر، وبعد نحو ثلاثة أسابيع فقط من زيارة العمل التي أجراها رئيس الوزراء المالي، الفريق أول عبد الله مايغا، إلى الجزائر في 24 أوت.
ويكشف هذا التسلسل سرعة الدبلوماسية الجزائرية في الانتقال من استعادة الاتصال إلى إعادة تشغيل المؤسسات الثنائية، ثم رفع مستوى المتابعة إلى رئاسة الحكومتين. كما يعكس المقاربة التي أرساها الرئيس تبون في إدارة جوار الجزائر الجنوبي، والقائمة على حماية السيادة من دون إغلاق باب الحوار، وربط الأمن بالتنمية، وتحويل العمق الإفريقي من ساحة لإدارة الأزمات إلى مجال للمصالح الاقتصادية المتبادلة.
وبحسب البرنامج الذي أعلنته رئاسة الوزراء المالية ونقلته وكالة الأنباء الإفريقية، يتوجه سيفي غريب إلى باماكو على رأس وفد رفيع المستوى، بدعوة من نظيره عبد الله مايغا، حيث يُستقبل من طرف أسيمي غويتا، قبل أن يعقد جلسة عمل مع رئيس الحكومة المالية حول العلاقات الثنائية والملفات ذات الاهتمام المشترك.
وتمنح الرسالة الرئاسية التي يحملها الوزير الأول للزيارة وزنًا سياسيًا خاصًا، لأنها تضع إعادة بناء العلاقة تحت الإشراف المباشر للرئيس تبون، وتؤكد أن الجزائر لا تدير ملف مالي باعتباره شأنًا حدوديًا محدودًا، بل كجزء من تصورها الاستراتيجي لأمن الساحل واستقرار دوله وتنمية مناطقه وربط اقتصاداتها بالبنية التحتية الجزائرية.
دبلوماسية تبون تنقل العلاقة من القطيعة إلى التعاون
تأتي الزيارة بعد مسار دبلوماسي بالغ الحساسية، شهد توترًا حادًا بين الجزائر ومالي، قبل أن تنجح قنوات الاتصال في إعادة السفراء وفتح المجال الجوي في جويلية 2026، منهية أزمة استمرت أكثر من عام.
وبدل ترك الخلاف يتحول إلى قطيعة مزمنة يستفيد منها المتنافسون على النفوذ في الساحل، اختارت الجزائر استعادة التواصل وفق منطق سيادي يحفظ مصالحها ولا يغلق الطريق أمام التعاون مع دولة تشترك معها في أطول حدود برية تقريبًا داخل محيطها الجنوبي الغربي.
وتُظهر سرعة الخطوات اللاحقة حنكة المقاربة الرئاسية؛ فمن استعادة العلاقات في جويلية، انتقل المسار إلى زيارة عبد الله مايغا للجزائر في 24 أوت، ثم إلى عقد اللجنة الكبرى المشتركة في 9 و10 سبتمبر، وصولًا إلى زيارة الوزير الأول الجزائري لباماكو في 14 سبتمبر.
وخلال شهرين تقريبًا، أعادت الجزائر تشغيل أربعة مستويات من العلاقة: القناة الدبلوماسية، والتشاور الرئاسي، والتنسيق الحكومي، واللجنة القطاعية المشتركة. وهذا التدرج يكشف أن التقارب لم يُبنَ على مصالحة إعلامية مؤقتة، بل على استعادة الأدوات التي تسمح بتحويل الإرادة السياسية إلى برامج تنفيذ.
كما تبرهن الخطوة على قدرة الجزائر على الفصل بين حماية أمنها القومي وبين استمرار التواصل مع دول الجوار. فالسياسة الرشيدة لا تعني التنازل عن الثوابت، مثلما لا تعني إدارة الخلاف إلغاء المصالح الجغرافية والاقتصادية التي تفرضها الحدود والتاريخ وحركة السكان والتجارة.
ومن هذا المنظور، يمثل نجاح الجزائر في إعادة باماكو إلى الحوار انتصارًا للواقعية الاستراتيجية. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأمن مالي لا يمكن فصله عن جنوب الجزائر، كما أن استقرار الحدود لا يتحقق بالوسائل العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى تجارة شرعية وطرق ومؤسسات وتمويل وفرص اقتصادية تقلص مساحات نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
الدورة الـ13 تعيد تشغيل آلية مجمدة منذ 2016
تكتسب الدورة الـ13 للجنة الكبرى المشتركة أهمية استثنائية لأنها انعقدت بعد نحو عشر سنوات من الدورة السابقة المنظمة في نوفمبر 2016، بحسب ما أوردته وسائل إعلام مالية، بينها Maliweb.
ولا تعكس العودة بعد عقد كامل استئناف اجتماع دوري فقط، بل إعادة تفعيل إطار تعاون يمتد تاريخه إلى أكثر من نصف قرن. وتضم اللجنة القطاعات الحكومية المعنية، ما يسمح لها بمراجعة الاتفاقات السابقة، وتحديد البرامج المتوقفة، وفتح ملفات جديدة في التجارة والنقل والطاقة والتكوين والخدمات والأمن الحدودي.
وتتمثل القوة المؤسسية لهذه الآلية في قدرتها على الانتقال بالعلاقة من التفاهمات السياسية العامة إلى توزيع المسؤوليات بين الوزارات والإدارات. فالمشروع الاقتصادي يحتاج إلى جهة تموله، وأخرى تنجز البنية التحتية، وثالثة تضبط العبور، ورابعة تتابع التنفيذ.
غير أن المصادر المتاحة لم تنشر حتى الآن محضرًا رسميًا مفصلًا بنتائج دورة 9 و10 سبتمبر، ولم تكشف قائمة نهائية بالاتفاقات الموقعة أو قيمتها وآجال تنفيذها. ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع ما نشرته بعض الصحف المالية عن توقيع «عدة اتفاقيات» إلى غاية صدور بيان مشترك يحدد طبيعتها ووضعها القانوني.
ولا يقلل غياب التفاصيل المعلنة من أهمية انعقاد اللجنة نفسها بعد عشر سنوات؛ لكنه يجعل الزيارة الحكومية المرتقبة حاسمة في تثبيت التفاهمات، وتحديد الملفات الجاهزة للانتقال إلى التنفيذ، ووضع آليات تمنع عودة التعاون إلى الجمود.
تجارة رسمية لا تعكس وزن الحدود المشتركة
تكشف أحدث التقديرات المتاحة عن فجوة واسعة بين الإمكانات والواقع. فقد بلغت الصادرات الجزائرية إلى مالي خلال 2024 نحو 2.75 مليون دولار، مقابل واردات جزائرية من السوق المالية تقارب 4.9 ملايين دولار، ليصل إجمالي التجارة الرسمية إلى نحو 7.7 ملايين دولار.
وتظل هذه البيانات محدودة مقارنة بحجم الاقتصاد الجزائري، واحتياجات السوق المالية، وطول الحدود المشتركة. كما أنها أدنى من المستوى الذي بلغته الصادرات الجزائرية إلى مالي في 2019، حين قدرت بنحو 16.3 مليون دولار، وشملت الإسمنت والأسمدة والعجائن الغذائية والأدوات الطبية، وفق تحليل صادر عن مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.
وتكشف المقارنة أن المشكلة لا تتعلق بغياب الطلب أو المنتجات القابلة للتبادل، وإنما بصعوبات الأمن والنقل والتحويلات والمسالك التجارية. كما أن الأرقام الرسمية لا تستوعب كامل النشاط الحدودي غير المهيكل.
وكانت دراسة للبنك الدولي حول التجارة الجزائرية–المالية قد قدرت المبادلات غير الرسمية، في مرحلة سابقة، بأكثر من 150 مليون دولار خلال ذروتها سنة 2011، مع عبور نحو 180 شاحنة أسبوعيًا. ثم انخفض النشاط المقدر بنحو الثلثين إلى أكثر من 54 مليون دولار سنويًا، بينما بقيت البيانات الرسمية في مستويات ضئيلة للغاية.
ولا تمثل هذه التقديرات قياسًا للوضع الحالي في 2026، لكنها تكشف الحجم الاقتصادي الذي يمكن استرجاعه إذا انتقلت التجارة من المسالك غير الرسمية إلى المعابر والقنوات الجمركية والمصرفية المنظمة.
ومن هنا، لا تستهدف الجزائر زيادة الصادرات فقط، بل استعادة جزء من اقتصاد الحدود لمصلحة الدولة والمؤسسات النظامية وسكان الجنوب. فكل شحنة تمر عبر القنوات القانونية توفر إيرادات وبيانات وفرص عمل، وتقلص هامش الشبكات التي تستفيد من التهريب وفوضى الأسعار.
الجزائر تملك ما تحتاج إليه السوق المالية
تملك الجزائر قاعدة إنتاجية تسمح لها بتوفير سلة واسعة من السلع التي تحتاج إليها مالي، تتقدمها مواد البناء والإسمنت والكلينكر والحديد والصلب، إلى جانب الأدوية والمنتجات الغذائية والعجائن والتمور والسكر، والأسمدة والمعدات الكهربائية والمنتجات البترولية.
وتستفيد هذه السلع من القرب الجغرافي مقارنة بمنتجات تصل إلى مالي عبر موانئ غرب إفريقيا قبل نقلها برًا لمسافات طويلة. وإذا توافرت الطرق المؤمنة والخدمات اللوجستية والتخليص السريع، يمكن للمنتج الجزائري أن يحقق ميزة في السعر ومدة التسليم.
كما يمنح تنوع القاعدة الصناعية الجزائرية العلاقة طبيعة مختلفة عن نموذج تصدير المحروقات الخام. فالتجارة مع مالي قادرة على استيعاب منتجات صناعية وغذائية ذات قيمة مضافة، بما ينسجم مع سياسة الرئيس تبون لرفع الصادرات خارج المحروقات وتنويع وجهاتها.
وكانت الجزائر قد سجلت صادرات خارج المحروقات بقيمة قياسية بلغت نحو سبعة مليارات دولار في 2022، قبل أن تتواصل الجهود لإقامة مناطق حرة مع الدول المجاورة، وبينها مالي والنيجر وتونس وليبيا وموريتانيا.
ولا تقتصر قيمة هذه المناطق على الإعفاءات الجمركية، بل تكمن في إنشاء منصات للتخزين والتوضيب والتوزيع، وجمع المؤسسات والبنوك والجمارك وشركات النقل داخل فضاء واحد. ويمكن للجنوب الجزائري، وفق هذا التصور، أن يتحول من نهاية للسلسلة الاقتصادية الوطنية إلى نقطة انطلاق نحو الساحل.
الطريق العابر للصحراء يتحول إلى أصل اقتصادي
يمثل الطريق العابر للصحراء إحدى أهم الأدوات القادرة على ربط موانئ الشمال الجزائري بمالي وأسواق غرب إفريقيا. غير أن وجود الطريق على الخريطة لا يكفي لإنتاج حركة تجارية منتظمة، إذ يحتاج إلى تأمين المقاطع الحدودية، وتوفير محطات الوقود والصيانة والتخزين، وتسهيل عمل الشاحنات والسائقين والمتعاملين.
كما يحتاج الممر إلى منظومة جمركية رقمية تسمح بالتصريح المسبق بالبضائع، وتقلص مدة الانتظار، وتحدد الوثائق والتكاليف قبل وصول الشحنة إلى المعبر. فالتنافسية اللوجستية لا تُقاس بالمسافة وحدها، وإنما بزمن العبور وإمكان توقع الكلفة.
وتبرز ولاية برج باجي مختار في هذا المسار باعتبارها نقطة ارتكاز تاريخية للتجارة الصحراوية وقريبة من الحدود المالية. ويمكن للمشروعات اللوجستية والتجارية فيها أن تدعم التوزيع نحو شمال مالي، على أن يقترن ذلك بحماية الطرق وتأمين حركة البضائع.
وتتجسد هنا النظرة الاستشرافية للرئيس تبون إلى الجنوب بوصفه واجهة اقتصادية لا هامشًا جغرافيًا. فقد دفعت الرئاسة نحو تطوير المعابر والمناطق الحرة والطرق العابرة للحدود، ضمن سياسة تسعى إلى تحويل موقع الجزائر إلى قيمة تجارية فعلية تربط المتوسط بعمق إفريقيا.
ويقدم مشروع الطريق الرابط بين تندوف والزويرات في موريتانيا، بطول 847 كيلومترًا، مثالًا على هذا التحول؛ إذ انتقلت الجزائر من الحديث عن التكامل الإفريقي إلى تمويل وإنجاز بنى تحتية تعطيه محتوى ماديًا. كما أعلنت استثمارات بنحو 442 مليون دولار في مشروعات للطاقة داخل مالي والنيجر وليبيا، وفق ما أوردته رويترز.
وتوفر هذه السياسة نموذجًا يمكن توسيعه في المحور المالي: طريق مؤمّن، ومنطقة تبادل، ومركز لوجستي، وخدمات مصرفية، ثم عقود توريد واستثمار.
الطاقة الجزائرية في خدمة التنمية لا الهيمنة
تحتل الطاقة مكانة مركزية في إمكانات التعاون، بالنظر إلى خبرة الجزائر في الكهرباء والغاز والمحروقات والطاقة الشمسية وشبكات النقل والتوزيع، مقابل احتياجات مالي إلى إمدادات مستقرة وقدرات إضافية في الإنتاج والتخزين.
وتستطيع مؤسسات جزائرية مثل سونلغاز وسوناطراك ونفطال وشركات الإنجاز والخدمات التابعة لها دراسة فرص التعاون في محطات الكهرباء والشبكات والطاقة الشمسية وتوزيع المنتجات النفطية وغاز البترول المميع وتكوين الكفاءات.
ولا يقوم الدور الجزائري المقترح على فرض تبعية طاقوية، بل على بناء مصالح متبادلة ترفع قدرة مالي على تأمين احتياجاتها وتمنح المؤسسات الجزائرية سوقًا إقليمية لخدماتها وخبرتها. وهي مقاربة تميز الدبلوماسية الجزائرية عن نماذج التدخل الخارجي التي تنظر إلى الساحل باعتباره مجالًا لاقتسام الموارد والنفوذ.
فالجزائر لا تدخل مالي من وراء البحار ولا تحتاج إلى اختراع مبرر لوجودها؛ إنها دولة جارة تتأثر مباشرة بأي اضطراب أمني أو اقتصادي خلف حدودها الجنوبية. ولذلك يرتبط دعم التنمية المالية بحماية الأمن الوطني الجزائري، كما ترتبط زيادة التجارة بخلق بدائل اقتصادية عن شبكات التهريب والتطرف.
وإذا جرى الانتقال إلى مشروعات كهرباء أو طاقة شمسية أو توزيع وقود، فسيتطلب ذلك تحديد التمويل والتعريفة والقدرات ومواعيد الإنجاز والجهات المنفذة. وحتى الآن، لا تتضمن البيانات المتاحة إعلانًا عن عقود جديدة محددة ضمن زيارة 14 سبتمبر، ما يجعل الطاقة مجالًا للتفاوض وليس صفقة منجزة.
الأمن الحدودي يتحول إلى ضمانة للاستثمار
لا يمكن فصل النشاط الاقتصادي عن الاستقرار على حدود يبلغ طولها 1376 كيلومترًا. فالشاحنة والمستثمر والعامل والمصرف وشركة التأمين يحتاجون جميعًا إلى بيئة تسمح بتوقع المخاطر وكلفة التشغيل.
ويؤدي التنسيق الأمني، في هذا السياق، وظيفة اقتصادية مباشرة؛ فهو يحمي الطرق والمنشآت والمخازن والعاملين، ويمنع استخدام الممرات نفسها في التهريب والجريمة المنظمة وتجارة الأسلحة والمخدرات.
كما تستطيع التجارة الشرعية أن تصبح جزءًا من سياسة الأمن، لأنها تمنح سكان المناطق الحدودية فرصًا نظامية للدخل، وتربطهم بالمؤسسات الرسمية، وتقلص اعتمادهم على الأنشطة الخارجة عن الرقابة.
وهذا هو جوهر المقاربة الجزائرية التي تجمع الأمن والتنمية في معادلة واحدة. فالقوة وحدها لا تنشئ الاستقرار، والمشروعات وحدها لا تصمد في بيئة غير مؤمنة. أما الجمع بينهما، فينتج ممرات اقتصادية قادرة على الاستمرار.
وتمنح الجزائر هذا التوازن خبرة تراكمت خلال عقود من التعامل مع أزمات الساحل، إلى جانب معرفة جغرافية واجتماعية وأمنية لا تملكها القوى البعيدة. ولذلك تبقى شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة جدية لاستقرار مالي.
رسالة تبون تعيد ضبط بوصلة العلاقة
تمنح الرسالة الرئاسية التي يحملها سيفي غريب إلى أسيمي غويتا الزيارة بعدًا يتجاوز جدول الأعمال الحكومي. فهي تؤكد أن الرئيس تبون يريد استعادة العلاقة على قاعدة واضحة: احترام سيادة الدول، وحماية الأمن المشترك، وعدم السماح للخلافات العابرة بتدمير مصالح تفرضها الجغرافيا والتاريخ.
كما تمنح الرسالة المؤسسات الجزائرية والمالية غطاءً سياسيًا للانتقال إلى التنفيذ. فبعد استعادة السفراء وفتح المجال الجوي وانعقاد اللجنة المشتركة، تصبح الأولوية لتحديد المشاريع والجداول الزمنية والجهات المسؤولة.
وفي المقابل، لا ينبغي الخلط بين البرنامج الرسمي للزيارة وبين بعض القراءات السياسية التي قدمتها منابر مالية، خصوصًا تلك التي تصور التقارب باعتباره تراجعًا جزائريًا أو اضطرارًا إلى التخلي عن مواقف سابقة.
فهذه التوصيفات تمثل آراء إعلامية، وليست جزءًا من البيانات الرسمية أو مخرجات اللجنة المشتركة. كما أن الوقائع تظهر أن الجزائر تتحرك من موقع الدولة التي حافظت على قنواتها واستقلالية قرارها، ثم اختارت استئناف التعاون عندما أصبحت الظروف مواتية لحماية مصالحها ومصالح جوارها.
ولا تمثل العودة إلى الحوار تنازلًا؛ بل تعكس قدرة الدولة الواثقة على الجمع بين الصرامة والمرونة. فالقطيعة الدائمة ليست دليل قوة، مثلما أن التسوية لا تعني التفريط في الثوابت. والقوة الدبلوماسية الحقيقية تكمن في استعادة الشريك إلى طاولة التعاون من دون التخلي عن المصالح الوطنية.
اختبار اقتصادي لمرحلة ما بعد التقارب
ستقاس نتائج زيارة سيفي غريب بعدد الملفات التي تنتقل من النقاش إلى التنفيذ. ويأتي في مقدمتها تسهيل حركة المتعاملين والشاحنات، وتفعيل المعابر، وحماية الشحنات، وإنشاء فضاءات التخزين والتوزيع، وربط البنوك، وتوفير التأمين وضمان الصادرات.
كما تتطلب المرحلة الجديدة تحديد السلع الجزائرية ذات الأولوية في السوق المالية، وإعداد قوائم بالمؤسسات القادرة على التصدير، وتنظيم لقاءات مباشرة مع المستوردين والموزعين، بدل ترك المبادلات رهينة الوسطاء.
أما في الاتجاه المعاكس، فيمكن للجزائر استيراد منتجات مالية ضمن الأطر القانونية، ودعم التصنيع المشترك لبعض المواد، بما يمنح العلاقة طابعًا متوازنًا ويشجع المؤسسات المالية على الانخراط فيها.
وسيكون رفع التجارة الرسمية من 7.7 ملايين دولار أول مؤشر على نجاح التقارب. فالوصول مجددًا إلى مستوى صادرات 2019، البالغ 16.3 مليون دولار، يمثل هدفًا أوليًا ممكنًا، لكنه يظل أقل كثيرًا من الإمكانات الحقيقية لسوقين تجمعهما حدود طويلة.
كما يمكن استعادة جزء من النشاط غير الرسمي الذي قدر سابقًا بعشرات الملايين من الدولارات، عبر توفير مسارات قانونية أسرع وأقل كلفة. فالمتعامل لا ينتقل إلى القناة الرسمية بالمواعظ، وإنما عندما تصبح أكثر أمانًا وربحية ووضوحًا.
وعليه، لا تتجه الجزائر إلى باماكو لإعادة التقاط صورة دبلوماسية، بل لإعادة بناء عمقها الاقتصادي في الساحل على أسس أكثر واقعية. فالزيارة تجمع رسالة رئاسية، ولجنة مشتركة عادت بعد عقد، وحدودًا بطول 1376 كيلومترًا، وتجارة رسمية لا تتجاوز 7.7 ملايين دولار، ومشروعات محتملة في الطاقة والنقل والمناطق الحرة.
وتكشف هذه المعادلة حجم العمل المطلوب، لكنها تكشف أيضًا ضخامة الفرصة. فكل زيادة في التجارة النظامية تعني منفذًا جديدًا للمصانع الجزائرية، وكل طريق مؤمّن يعني انخفاضًا في كلفة التصدير، وكل مشروع طاقة يعني حضورًا أعمق للمؤسسات الوطنية، وكل تنسيق حدودي يحمي الاستثمار والأمن معًا.
وبذلك تكرس زيارة سيفي غريب نهج الرئيس تبون الذي أعاد للدبلوماسية الجزائرية بعدها التنفيذي: سيادة بلا عزلة، وحوار بلا تنازل، وأمن تدعمه التنمية، ونفوذ تصنعه الطرق والمشروعات والمنتجات الجزائرية، لا الشعارات أو التدخل في شؤون الآخرين.
أما القيمة الاستراتيجية الكبرى، فتتمثل في أن الجزائر تعيد وصل المتوسط بالساحل عبر مصالح ملموسة، وتؤكد لباماكو وللقارة أن الشريك الأقرب والأكثر قدرة على فهم تحديات مالي ليس قوة عابرة تبحث عن موقع مؤقت، بل دولة جارة تمتلك الذاكرة والخبرة والإمكانات والإرادة السياسية لبناء استقرار طويل الأجل




























