بوابة الجزائر الإخبارية: أربع آبار استكشافية تعتزم سوناطراك إطلاقها في شمال النيجر خلال السنتين المقبلتين، تتقدمها «كافرا جنوب شرق 1» على بعد نحو 85 كيلومترًا من الحدود الجزائرية، في وقت تقدر فيه السلطات النيجرية الموارد النفطية المحتملة في حوض كافرا بنحو 2.7 مليار برميل. ويضع تزامن هذه المعطيات المشروع في صدارة مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين الجزائر والنيجر، تقوم على الجمع بين استكشاف المحروقات والحفر والخدمات البترولية والكهرباء والتكوين ونقل المعرفة ومشاريع الربط الطاقوي القاري، ضمن مقاربة تسعى إلى تحقيق مصالح متبادلة وتعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين.

ويأتي إطلاق أشغال البئر الاستكشافية الجديدة في أوت 2026 تتويجًا لمسار تسارع بصورة لافتة منذ بداية السنة، انطلاقًا من إعادة تنشيط مشروع كافرا، مرورًا بالدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-النيجرية في مارس، ثم توقيع ثلاث مذكرات تفاهم بين فروع سوناطراك وشركة «سونيداب» في جوان، وتدشين محطة الكهرباء الجزائرية-النيجرية في غوروباندا بقدرة 40 ميغاواط، وصولًا إلى إطلاق أشغال الشطر الجزائري من أنبوب الغاز العابر للصحراء TSGP. وهي مشاريع مختلفة في طبيعتها، لكنها تلتقي حول هدف اقتصادي واحد يتمثل في بناء شراكة طويلة الأجل تربط الموارد بالبنية التحتية والخدمات والكفاءات.

وتكتسب هذه الديناميكية بعدها المؤسسي من التوجيه الذي وضعه الرئيس عبد المجيد تبون لتعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي وتطوير مشاريع تنموية مستدامة داخل القارة، وهو الإطار الذي وضعت فيه سوناطراك رسميًا الاتفاقات الموقعة مع الجانب النيجري في 2 جوان. وفي المقابل، تؤكد السلطات النيجرية تمسكها بشراكات تقوم على حسن الجوار والمنفعة المتبادلة واحترام الخيارات السيادية للدول، وهي قاعدة وفرت أرضية ملائمة لنقل التعاون بين البلدين من مستوى التفاهمات السياسية إلى مشاريع اقتصادية قابلة للتنفيذ.

وبالنسبة إلى كافرا تحديدًا، تبقى الدقة ضرورية عند قراءة الرقم الأكبر المتداول حول المشروع. فقد أعلن وزير البترول النيجري حمادو تيني أن الموارد المحتملة في حوض كافرا تقدر بنحو 2.7 مليار برميل، لكنه أكد في الوقت ذاته أن من السابق لأوانه تحديد احتياطات نهائية للمشاريع الجديدة الجاري استكشافها. ويبلغ حجم الاحتياطات المثبتة المستغلة في النيجر حاليًا نحو 853 مليون برميل، فيما تستهدف البلاد الحفاظ على إنتاج في حدود 110 آلاف برميل يوميًا، وفق المعطيات التي قدمتها وزارة البترول النيجرية.
وعليه، فإن 2.7 مليار برميل لا تمثل اكتشافًا تجاريًا نهائيًا لسوناطراك ولا احتياطات مثبتة، وإنما تقديرًا للإمكانات الجيولوجية للحوض، بينما ستكون مهمة «كافرا جنوب شرق 1» والآبار التي ستليها تحسين مستوى المعرفة بالمكامن وتحديد الجزء الذي يمكن تحويله مستقبلًا إلى احتياطات قابلة للتطوير والاستغلال الاقتصادي.
وفي أحدث المعطيات الواردة من أغاديز في 12 أوت، كشف مدير شركة «سيبكس» فرع النيجر رابح بوشاك أن استراتيجية الشركة خلال السنتين المقبلتين تتضمن إطلاق أربع آبار استكشافية في شمال النيجر، من بينها كافرا، مشيرًا إلى أن نتائج الدراسات الأولية التي تنجز بالتوازي مع عمليات الحفر تظهر إمكانات مهمة قابلة للاستغلال.
وبذلك، لا تنظر سوناطراك إلى «كافرا جنوب شرق 1» باعتبارها عملية منفردة، وإنما بوصفها أولى حلقات برنامج استكشافي أوسع يمكن أن يوفر قاعدة بيانات أكثر دقة لاتخاذ القرارات الاستثمارية التالية، سواء تعلق الأمر بحفر آبار إضافية أو تقييم المكامن أو الانتقال لاحقًا إلى مرحلة التطوير.

من 2005 إلى 2026.. شراكة نفطية تدخل مرحلة تنفيذ جديدة
يملك مشروع كافرا تاريخًا يمتد لأكثر من عقدين. فقد بدأت سوناطراك نشاطها الاستكشافي في المنطقة عبر فرعها الدولي «سيبكس» منذ 2005، قبل الانتقال إلى عقد تقاسم إنتاج بشأن البلوك في 2015، ثم تنفيذ عمليات حفر بين نهاية 2017 وبداية 2018 أكدت، وفق المعطيات الحكومية النيجرية، وجود نظام بترولي يستدعي استكمال الدراسات والأعمال التقييمية.
وفي نوفمبر 2018، اتجه الطرفان إلى توسيع البرنامج من أجل تحسين معرفة المكامن ودقة تقدير الموارد والكميات الإضافية الممكن اكتشافها، قبل أن يعرف المشروع لاحقًا فترة من التباطؤ.
أما العودة الفعلية إلى التنفيذ، فقد بدأت بوضوح في 26 جانفي 2026 عندما زار وزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب نيامي على رأس وفد جزائري لمتابعة مشروع كافرا وTSGP. وأكد عقب محادثاته مع الرئيس عبد الرحمان تياني أن الطرفين اتفقا على إجراءات تهدف إلى تسريع تطوير البلوك، إلى جانب التعاون في التكوين والمرافقة التقنية. كما عبّر عن استعداد الجزائر للعمل مع النيجر على رفع قدرات مؤسساتها الوطنية العاملة في النفط والغاز.

وجاءت زيارة الرئيس عبد الرحمان تياني إلى الجزائر يومي 15 و16 فيفري لتمنح التعاون دفعة إضافية، قبل أن تحتضن نيامي يومي 23 و24 مارس الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-النيجرية، التي وضعت المشاريع الاقتصادية والاستثمارية في صميم المرحلة الجديدة من العلاقات. وأكد الجانب النيجري خلالها ضرورة تحويل الإمكانات التي يملكها البلدان إلى مشاريع ذات منفعة متبادلة، فيما تحدث الوزير الأول سيفي غريب عن تأسيس «شراكة متجددة وطموحة» تخدم مصالح البلدين.
وفي 24 مارس، أعلنت الجزائر أن سوناطراك أنهت عدة دراسات مرتبطة بكافرا وأن الحفر سينطلق بعد وصول المعدات والتجهيزات اللازمة، واعتبر مدير التعاون الدولي بوزارة المحروقات حكيم زبيري العملية خطوة عملية نحو تثمين الموارد الطاقوية للنيجر.
ثم اتسع نطاق العمل في ماي ليشمل سلسلة القيمة النفطية بأكملها. ففي اجتماع بين مسؤولين جزائريين ووفد من وزارة البترول النيجرية، شملت المحادثات التكرير والبتروكيمياء والحفر وتطوير المنتجات البترولية، إلى جانب مساهمة نفطال في المشاريع المرتبطة بهذا النشاط. وهذا التطور يكشف أن التعاون لم يعد محصورًا في استخراج الخام، بل بدأ يتحرك باتجاه حلقات اقتصادية متعددة يمكن أن تولد أعمالًا واستثمارات جديدة في البلدين.
وتعزز هذا المسار في 2 جوان، عندما وقعت فروع سوناطراك ثلاث مذكرات تفاهم مع الشركة النيجرية للبترول «سونيداب». الأولى بين «إيناجيو» و«سونيداب» وتشمل اقتناء ومعالجة البيانات الزلزالية داخل النيجر، والثانية بين «إينافور» و«سونيداب» لدراسة إنشاء شركة مختلطة متخصصة في أعمال حفر النفط والغاز، بينما تشمل الثالثة التعاون بين نفطال و«سونيداب» في توزيع المنتجات البترولية ومراكز التعبئة والتكوين، إلى جانب دراسة إنشاء شركة مختلطة لصناعة وتركيب وتوزيع وتخزين البيتومين.
وتكتسب هذه الاتفاقات أهمية إضافية لأنها لا تبدأ من جوان فقط؛ فقد أوضحت سوناطراك أنها تأتي امتدادًا لمذكرة التفاهم الموقعة بينها وبين «سونيداب» في 1 أكتوبر 2024، ما يعكس انتقال الشراكة تدريجيًا من إطار عام إلى اتفاقات قطاعية أكثر تخصصًا.
وفي الجانب العملياتي، أصبحت «إينافور» اليوم أحد أبرز مكونات مشروع كافرا. فقد سُجل فرع ENAFOR Niger في نيامي في أفريل 2026، وتقدم المؤسسة وجودها في البلاد بوصفه امتدادًا لخبرتها الجزائرية في الحفر ضمن منطق يقوم على الشراكة ونقل المهارات.
وفي تصريحات 12 أوت بأغاديز، أكد الرئيس المدير العام لـ«إينافور» إبراهيم حمودي أن أولوية المؤسسة خلال المرحلة المقبلة تتمثل في ترسيخ حضورها في النيجر ضمن رؤية تعاون مستدام، مع الحرص على شروط السلامة والجودة والأداء وحماية الأشخاص والمعدات والبيئة.
وأوضح أن «إينافور» تتولى في «كافرا جنوب شرق 1» مهمة المقاول الرئيسي وتنسيق الوسائل والمتدخلين، بمشاركة مؤسسات أخرى تابعة لسوناطراك، لا سيما المؤسسة الوطنية لخدمات الآبار والمؤسسة الوطنية للجيوفيزياء. ويمنح هذا التنظيم المشروع بعدًا مهمًا بالنسبة إلى الاقتصاد الجزائري، لأنه يسمح بتقديم عرض خدمات متكامل بدل تدخل شركة واحدة في نشاط معزول.
كما أن مشروع الشركة المختلطة بين «إينافور» و«سونيداب» يحمل، في حال انتقاله إلى التنفيذ، إمكانات تتجاوز كافرا، بالنظر إلى اتساع سوق الاستكشاف في النيجر. وتظهر البيانات الرسمية وجود 44 بلوكًا نفطيًا في البلاد، منها 35 بلوكًا مفتوحًا أمام المستثمرين، إضافة إلى أكثر من 430 بئرًا وكمية واسعة من البيانات الزلزالية.
وبالتالي، فإن نجاح عمليات كافرا يمكن أن يمنح المؤسسات الجزائرية مرجعًا عملياتيًا جديدًا في السوق النيجرية، بينما يستفيد الجانب النيجري من الحفر والتكوين ونقل الخبرة وتطوير قدراته المحلية، وهي معادلة تجعل المنفعة الاقتصادية متبادلة بدل اقتصار العلاقة على استغلال مورد طبيعي.

من كافرا إلى الكهرباء.. مشاريع تتحول إلى شبكة مصالح مشتركة
ولا ينفصل المسار النفطي عن توسع التعاون في الكهرباء. ففي 24 مارس، وضع الوزير الأول سيفي غريب ونظيره النيجري علي مهمان لمين زين حجر الأساس لمحطة «التضامن» في غوروباندا، قبل أن يعود غريب إلى نيامي في 3 جوان لتدشين المنشأة بعد إنجازها في فترة قصيرة.
وتبلغ قدرة المحطة 40 ميغاواط، وقدمتها الجزائر إلى النيجر لدعم قدرات منظومته الكهربائية. ووصفت السلطات النيجرية المشروع بأنه أول ثمرة بارزة للشراكة التضامنية بين البلدين، فيما أكد الرئيس عبد الرحمان تياني، خلال استقباله الوزير الأول الجزائري، أهمية استمرار تنفيذ برامج التعاون التجاري والاقتصادي ومشاريع البنية التحتية الاستراتيجية.
أما بالنسبة إلى الجزائر، فحملت المحطة بعدًا اقتصاديًا ومؤسساتيًا إضافيًا، إذ مثلت بداية انتشار «سونلغاز الدولية» عبر مشروع طاقوي منجز خارج البلاد. كما رافقت العملية برامج تكوين للكوادر النيجرية في تشغيل وصيانة المحطة والسلامة الصناعية وأساليب الإدارة التقنية، وهو ما يضع نقل المعرفة إلى جانب إنجاز المنشأة نفسها.
ويعكس الجمع بين سوناطراك وسونلغاز في النيجر توسع طبيعة العرض الجزائري للقارة. فسوناطراك توفر خبرة الاستكشاف والحفر والجيوفيزياء والخدمات النفطية، بينما تقدم سونلغاز قدراتها في الهندسة الكهربائية وتطوير منظومات إنتاج الطاقة، وهو ما يسمح بتكوين حزمة تعاون تتجاوز بيع النفط أو الغاز.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات وزير البترول النيجري حمادو تيني في جوان ذات دلالة، عندما وصف مستوى العلاقات بين البلدين بأنه استراتيجي وأشاد بتقدم تنفيذ الاتفاقات الناتجة عن اللجنة المشتركة، سواء في كافرا أو عبر الاتفاقات الجديدة مع فروع سوناطراك.
كما يوفر هذا التعاون فرصًا إضافية للنيجر في مجال تأهيل الكفاءات الوطنية. فقد جعل حمادو تيني تنمية رأس المال البشري والتكوين إحدى الأولويات لتطوير الصناعة النفطية في بلاده، ما ينسجم مع الاتفاقات الجزائرية التي لا تقتصر على تنفيذ الأعمال بل تشمل التكوين والمرافقة الفنية.
وعليه، فإن البعد الاقتصادي للمشاريع الجزائرية في النيجر لا يقاس فقط بقيمة الأصول التي تنجز، وإنما كذلك بعدد الكفاءات التي يجري تكوينها، والخدمات التي تستطيع المؤسسات المحلية توليها مستقبلًا، ونسبة القيمة التي يمكن إبقاؤها داخل الاقتصاد النيجري.

TSGP.. التكامل الطاقوي يتجاوز الحدود الثنائية
وتكتمل هذه الخريطة بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء TSGP، الذي يجمع الجزائر والنيجر ونيجيريا في مشروع قاري يستهدف ربط موارد الغاز النيجيرية بالنيجر ثم بالشبكة الجزائرية ومنافذها على المتوسط.
وفي 4 جوان 2026، أطلقت الجزائر رسميًا أشغال الجزء الواقع داخل أراضيها من الأنبوب بأولف في ولاية أدرار، بحضور وزراء الطاقة من الدول الثلاث والرئيس المدير العام لسوناطراك نور الدين داودي. وسيمر الشطر الجزائري بمحاذاة محور الطريق العابر للصحراء، من الحدود الجزائرية-النيجرية إلى مركز توزيع الغاز في حاسي الرمل.
ويضع هذا المشروع النيجر في موقع شريك عبور أساسي داخل ممر طاقوي إقليمي، بينما توفر الجزائر بنيتها الغازية الحالية وخبرتها في النقل والتسييل والتصدير، وتقدم نيجيريا قاعدة الموارد الغازية التي يقوم عليها المشروع.
وتتعامل نيامي مع TSGP باعتباره مشروعًا هيكليًا يتجاوز المصالح الثنائية إلى البعد القاري، إذ جدد وزير البترول النيجري التزام بلاده بالمشروع ووصفه بأنه مهم للدول الثلاث وللقارة الإفريقية ككل.
وهذه المقاربة هي الأكثر دقة دبلوماسيًا واقتصاديًا عند قراءة المشروع؛ فالقيمة الأساسية لـTSGP لا تأتي من وضعه في مواجهة ممرات أخرى، وإنما من قدرته على إثبات جدواه المالية، وتأمين التمويل، واستكمال البنية التحتية، وتقديم مسار إضافي للطاقة الإفريقية نحو الأسواق.

وبالنسبة إلى الجزائر والنيجر، فإنه يضيف إلى مشاريع النفط والكهرباء بعدًا ثالثًا يجعل التعاون أكثر ترابطًا: استكشاف وإنتاج محتمل للنفط في كافرا، كهرباء لدعم النشاط الاقتصادي، وخط غاز عابر للحدود يربط اقتصادات المنطقة.
وتظهر هنا إحدى أهم سمات التحول الذي عرفته العلاقات الاقتصادية في 2026. ففي جانفي كان الطرفان يناقشان إعادة تشغيل كافرا؛ وفي فيفري وفرت زيارة الرئيس تياني إلى الجزائر الدفع السياسي؛ وفي مارس عقدت اللجنة المشتركة ومنتدى رجال الأعمال؛ وفي ماي توسعت المباحثات إلى كامل سلسلة المحروقات؛ وفي جوان وقعت الاتفاقات، دشنت محطة الكهرباء وانطلقت أشغال TSGP؛ ثم وصلت العمليات في أوت إلى منصة الحفر في «كافرا جنوب شرق 1».
هذه الكرونولوجيا تجعل 2026 سنة انتقال فعلية من إعلان النوايا إلى تنفيذ الأصول.
وفي الوقت نفسه، يبقى الطرفان حريصين في خطابهما الرسمي على ربط هذه المشاريع بمفهوم المنفعة المشتركة. فالجانب النيجري يبحث عن تثمين موارده، توسيع قدراته الإنتاجية، تطوير المؤسسات الوطنية وتكوين الكفاءات، فيما تتجه الجزائر إلى تدويل خبرة مؤسساتها الطاقوية وفتح أسواق إضافية أمام خدمات الحفر والجيوفيزياء والكهرباء والتوزيع.
وهذه الصيغة تجعل العلاقة أكثر استدامة من نموذج يقوم على شراء مورد أو تنفيذ صفقة منفردة، لأنها تبني مصالح موزعة على مؤسسات وقطاعات وفترات زمنية طويلة.
كما أن القرب الجغرافي يمنحها ميزة إضافية. فالجزائر والنيجر تتقاسمان حدودًا تقارب 951 كيلومترًا وفق البيانات النيجرية، وهو ما يجعل توسيع النشاط الاقتصادي في المناطق الحدودية جزءًا من تحسين الربط بين شمال النيجر والجنوب الجزائري وخلق تدفقات جديدة للمعدات والخدمات والتجارة.
ومن هنا، فإن أكثر ما يميز «كافرا جنوب شرق 1» ليس فقط احتمال ما ستكشفه البئر من نفط، بل الشبكة الاقتصادية التي بدأت تتشكل حولها.
هناك «سيبكس» بصفتها الذراع الدولية لسوناطراك.
وهناك «إينافور» في الحفر.
و«إيناجيو» في الجيوفيزياء.
ونفطال في المنتجات البترولية.
وسونلغاز الدولية في الكهرباء.
وفي المستوى القاري، يوجد TSGP.
وهذا التنوع يسمح للجزائر بالانتقال تدريجيًا من حضور شركة واحدة إلى حضور منظومة خدمات طاقوية متكاملة، فيما يوفر للنيجر إمكانية التعامل مع شريك يستطيع تغطية حلقات متعددة من سلسلة القيمة.
ومع ذلك، يبقى نجاح الجزء النفطي مرتبطًا بنتائج الحفر. وحتى الآن لم تعلن احتياطات تجارية جديدة خاصة بـ«كافرا جنوب شرق 1»، ولم تنشر نتائج اختبار إنتاج أو معدل تدفق للبئر، وهو ما يجعل الحديث عن 2.7 مليار برميل في إطار الموارد المحتملة فقط أكثر دقة من تقديمه على أنه نفط مكتشف قابل للإنتاج.
وسيكون برنامج الآبار الأربع خلال العامين المقبلين هو الأداة التي تسمح لسوناطراك والجانب النيجري بتقليص هذا الهامش من عدم اليقين.
فإذا أكدت النتائج وجود مكامن قابلة للتطوير بكميات اقتصادية، ستنتقل العلاقة إلى مرحلة جديدة تشمل وضع خطط الإنتاج والمنشآت والنقل والاستثمار.
وإذا أضيف إلى ذلك تنفيذ الشركة المختلطة للحفر وتوسيع التعاون في التكرير والمنتجات البترولية والتخزين، فإن قيمة كافرا ستتجاوز حدود البلوك نفسه لتتحول إلى نقطة ارتكاز لتعاون صناعي أوسع.
وهنا تبرز أهمية النهج الذي تدفع إليه الجزائر بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون في علاقاتها الإفريقية: ربط التضامن بالتنمية، والتنمية بالمشروع الاقتصادي، والمشروع ببناء القدرات المحلية، بدل اختزال العلاقة في المبادلات التجارية قصيرة الأجل. وقد استخدمت سوناطراك نفسها هذا الإطار عند إعلان اتفاقات جوان، مؤكدة أن الهدف هو تعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي وتطوير مشاريع تنموية مستدامة.
وبالنسبة إلى النيجر، تتيح هذه الشراكة توسيع خياراتها الاقتصادية مع الحفاظ على ملكية مواردها وسيادتها على قرارات تطويرها، والاستفادة في الوقت نفسه من خبرة دولة جارة راكمت عقودًا من العمل في المحروقات والكهرباء والبيئات الصحراوية.
أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن النجاح لا يقاس فقط بعدد البراميل التي يمكن أن تنتجها «سيبكس»، وإنما بقدرة المؤسسات الوطنية على تحويل خبرتها إلى صادرات خدمات وعقود واستثمارات خارج الحدود.
وبهذا المعنى، تحمل أحدث محطة في أغاديز دلالة اقتصادية أوسع من حفر بئر واحدة.
فبعد عقدين على أول حضور لسوناطراك في كافرا، تعود الجزائر في 2026 إلى المشروع ضمن بيئة مختلفة تمامًا: برنامج أربع آبار، فروع متعددة للمجمع تعمل في السوق، مشروع شركة حفر مشتركة، محطة كهرباء دخلت الخدمة، واتفاقات في المنتجات البترولية، بالتوازي مع انتقال TSGP إلى مرحلة الأشغال في الجزائر.
ومن ثم، فإن المرحلة الجديدة في العلاقات الجزائرية-النيجرية تُبنى أقل على لغة الوعود وأكثر على المشروع القابل للقياس: ميغاواطات تدخل الشبكة، آبار تصل إلى منصة الحفر، بيانات زلزالية تعالج، شركات مشتركة قيد الإنشاء، وخط غاز يبدأ في التحول من الدراسات إلى البنية التحتية.
وهذا هو البعد الدبلوماسي والاقتصادي الأهم في كافرا: أن تتحول الجغرافيا المشتركة بين الجزائر والنيجر من مجرد مساحة جوار إلى فضاء لبناء المصالح المتبادلة والتكامل الطاقوي والتنمية المشتركة، مع احترام كامل لسيادة كل بلد على موارده وخياراته الاقتصادية























