بوابة الجزائر الإخبارية: بعد شهر واحد فقط من إعادة السفراء وفتح المجال الجوي بين الجزائر ومالي في 10 جويلية 2026، انتقلت العلاقة بين البلدين إلى خطوة أعلى في مسار التطبيع، بعدما وجه الوزير الأول سيفي غريب، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، دعوة رسمية إلى نظيره المالي، اللواء عبد الله مايغا، للقيام بزيارة عمل إلى الجزائر، في تحرك يفتح الباب أمام تحويل الانفراج السياسي إلى برنامج تعاون اقتصادي بين بلدين يتقاسمان حدودًا تمتد لنحو 1376 كيلومترًا، ويملكان مصالح مباشرة في التجارة والطاقة والنقل وتنمية المناطق الحدودية.
ويكتسب الاتصال الهاتفي الذي جمع رئيسي الحكومتين في 9 أوت أهميته من توقيته ومضمونه معًا. فبعد أقل من خمسة أسابيع على استعادة القنوات الدبلوماسية، لم يكتف الطرفان بالتأكيد على علاقات الأخوة وحسن الجوار، بل عبّرا عن إرادة مشتركة لإعطاء ديناميكية جديدة للعلاقات وإعادة بعث التعاون في مختلف المجالات، وربطا هذه الديناميكية برؤية أوسع للساحل بوصفه فضاءً للتبادل والتنمية المشتركة والأمن والاستقرار. وبذلك تنتقل العلاقة من إدارة آثار أزمة دبلوماسية إلى البحث عن مصالح اقتصادية يمكنها جعل العودة إلى القطيعة أكثر كلفة للطرفين.
شهر واحد نقل العلاقة من إعادة السفراء إلى زيارة عمل
يمثل 10 جويلية 2026 نقطة الانطلاق الفعلية للمرحلة الجديدة. ففي ذلك اليوم أعلنت الجزائر إعادة فتح مجالها الجوي بالكامل أمام حركة الطيران المالية، بعدما ظل مغلقًا منذ أزمة أفريل 2025، لترد باماكو في اليوم نفسه بإعادة فتح مجالها الجوي أمام الرحلات المدنية والعسكرية القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، وإعادة سفيرها إلى الجزائر. وبعد ساعات، أمر الرئيس عبد المجيد تبون بعودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى باماكو.
اقتصاديًا، لا يمكن اختزال إعادة فتح الأجواء في دلالتها السياسية. فالطيران يمثل قناة لنقل رجال الأعمال والوفود والخبراء والخدمات والشحنات ذات القيمة العالية، بينما تعني عودة السفارتين إلى العمل الكامل استعادة الأدوات المؤسسية اللازمة لمرافقة الشركات وتسوية الملفات وتسهيل التأشيرات والاتصالات الحكومية. ولذلك فإن الانتقال بعد شهر فقط إلى دعوة رئيس الحكومة المالية إلى الجزائر يعكس استعدادًا للانتقال من التطبيع السياسي إلى بحث الملفات القابلة للتحويل إلى مشاريع.
وتدعم الجغرافيا هذا الاتجاه أكثر مما تدعمه المجاملات الدبلوماسية. فالجزائر ومالي تتقاسمان حدودًا بطول 1376 كلم، وتعود علاقاتهما الرسمية إلى 1963، وفق البيانات الرسمية الجزائرية، فيما تم توقيع اتفاق ترسيم الحدود بينهما في الجزائر سنة 1983. وهذه الحدود الطويلة تجعل العلاقة الاقتصادية بين البلدين مختلفة عن علاقة تجارية تقليدية؛ فالطرق، ونقاط العبور، وتموين المناطق الجنوبية، وحركة السلع والخدمات، وأمن الشحنات كلها تتحول مباشرة إلى عناصر في حساب الجدوى الاقتصادية.

مالي تحتاج منافذ جديدة.. والجزائر تبحث عن عمق اقتصادي في غرب إفريقيا
تأتي الدعوة الجزائرية في وقت يظل فيه الاقتصاد المالي بحاجة كبيرة إلى تحسين الربط اللوجستي والطاقة وتقليل تكاليف الاستيراد. فمالي بلد غير ساحلي، ويشير البنك الدولي إلى أن ارتفاع كلفة الواردات، بما فيها الطاقة، يضغط على الحساب الخارجي، بينما تمثل الزراعة والخدمات جزءًا واسعًا من الاقتصاد، وتظل الصادرات شديدة التركيز في الذهب والقطن مع صعود الليثيوم تدريجيًا. ويتوقع البنك نمو الاقتصاد المالي بنحو 5% في المتوسط خلال 2026 و2027، في حين يضع صندوق النقد الدولي توقع نمو 2026 عند نحو 5.5%.
ويمنح هذا الوضع الجزائر فرصة اقتصادية لا تقتصر على تصدير السلع. فاقتصاد ينمو بأكثر من 5% ويعاني في الوقت نفسه ارتفاع تكاليف الطاقة واللوجستيك يحتاج إلى الكهرباء والمحروقات ومواد البناء والمنتجات الغذائية والأدوية والخدمات الهندسية والاتصالات والنقل، وهي قطاعات تمتلك الجزائر فيها قدرات إنتاجية وخبرة يمكن تحويلها إلى عقود وتدفقات تجارية إذا تم تأمين القنوات المالية واللوجستية المناسبة.
ومن الجانب الجزائري، تندرج مالي ضمن سوق أوسع تبحث عنها سياسة تنويع الصادرات خارج المحروقات. فالهدف لا يتوقف عند بيع المنتجات داخل سوق مالية يتجاوز عدد سكانها 26 مليون نسمة، بل استخدام موقع مالي للاقتراب أكثر من عمق غرب إفريقيا، خصوصًا إذا تمكن البلدان من تطوير المعابر والطرق والخدمات البنكية والتأمين والنقل البري واللوجستيك.
ومن هنا يمكن أن تتحول الزيارة المرتقبة لمايغا، إذا جرى توجيه جدولها اقتصاديًا، إلى منصة لإعادة بناء العلاقة على خمسة ملفات أساسية: التجارة الحدودية، الطاقة، البنى التحتية والنقل، الخدمات المالية واللوجستية، والاستثمار المشترك. وهذه الملفات هي نفسها تقريبًا التي استخدمتها الجزائر خلال 2026 في إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية مع دول أخرى في الساحل، وفي مقدمتها النيجر.
الجزائر تنقل إلى مالي نموذجًا بدأ يعطي نتائج مع النيجر
يوفر التقارب الجزائري–النيجري خلال الأشهر الماضية مؤشرات مهمة على الطريقة التي يمكن أن تتطور بها العلاقة مع باماكو. ففي مارس 2026 ترأس سيفي غريب في نيامي مع نظيره النيجري منتدى الأعمال الجزائري–النيجري، بالتوازي مع انعقاد اللجنة المشتركة العليا، حيث وضعت الطاقة والبنى التحتية والمالية والاتصالات ضمن القطاعات ذات الأولوية.
ولم يبق التعاون عند مستوى الاجتماعات؛ فالجزائر انتقلت إلى إنجاز مشاريع ملموسة، أبرزها محطة كهربائية بقدرة 40 ميغاواط في النيجر، إلى جانب تعزيز التعاون النفطي وتبادل الخبرات بين سوناطراك والجانب النيجري. كما استقبلت الجزائر في ماي 2026 وفدًا من خبراء ومهندسي وزارة البترول النيجرية لتطوير التعاون في الاستكشاف والإنتاج وتبادل المعرفة التقنية.
هذا النموذج مهم بالنسبة إلى مالي لأنه يوضح أن الجزائر لا تتعامل مع الساحل باعتباره ملفًا أمنيًا فحسب، بل كسوق إقليمية يمكن بناء الاستقرار فيها بواسطة المصالح الاقتصادية. وكل محطة كهرباء، وطريق، وخط تموين، ومشروع طاقة، وشركة تدخل السوق، تضيف كلفة اقتصادية إلى أي عودة مستقبلية إلى التوتر.
والمنطق نفسه يفسر لماذا يمكن أن تكون زيارة مايغا أكثر أهمية من مجرد صورة مصافحة في الجزائر. فالرهان الحقيقي سيكون في ما إذا كان الطرفان سينتقلان إلى إنشاء آليات اقتصادية دائمة، من مجلس أعمال أو لجنة مشتركة نشطة إلى اتفاقات في النقل والطاقة والاستثمار، لأن القطيعة الأخيرة كشفت أن العلاقة السياسية غير المدعومة بمصالح اقتصادية كثيفة تبقى أكثر عرضة للصدمات.
الطاقة في مقدمة الأوراق الجزائرية
يمثل قطاع الطاقة أحد أكثر الملفات المرشحة للحضور في أي أجندة اقتصادية جزائرية–مالية جديدة. وسبق للمحلل السياسي عبد الرفيق كشوط، في تصريحات أوردتها المادة الأصلية، أن ربط المصالحة بين البلدين بإمكان استخدام الجزائر أوراقًا اقتصادية تشمل المساعدات اللوجستية والخبرة الطاقوية وقدرات الشركات الوطنية، معتبرًا أن الجغرافيا الاقتصادية كانت من العوامل التي دفعت في اتجاه إنهاء الأزمة.
وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد المالي. فالبنك الدولي يضع ارتفاع تكاليف الطاقة ضمن أسباب اتساع العجز الخارجي في مالي، فيما يشدد صندوق النقد الدولي على أن استعادة النمو تحتاج إلى معالجة اختناقات الاستثمار والإنتاج وجذب رأس المال وتحسين البنية الأساسية.
بالنسبة إلى الجزائر، لا يبدأ التعاون في الطاقة من الصفر من حيث القدرات. فسوناطراك تقدم نفسها كأكبر مجموعة محروقات في إفريقيا، وتملك خبرة تغطي الاستكشاف والإنتاج والنقل والتكرير والبتروكيمياء، فيما يدخل التوسع الدولي ضمن أهداف نشاط الاستكشاف والإنتاج للمجموعة. وهذا يفتح، على الأقل من حيث الإمكانات، مجالًا لدراسة خدمات فنية أو تعاون في المحروقات أو التكوين أو المنشآت الطاقوية إذا قرر البلدان إدراجها في جدول التعاون المقبل.
ويجب التفريق هنا بين الإمكان والاتفاق الفعلي؛ فالدعوة الحالية لمايغا لم تتضمن حتى الآن إعلان مشاريع طاقوية محددة مع مالي. لكن التجربة الجزائرية مع النيجر توضح أن الانتقال من الحوار السياسي إلى تعاون تقني وطاقوي يمكن أن يتم بسرعة عندما توجد إرادة حكومية وإطار تنفيذي واضح.
من أمن الحدود إلى اقتصاد الحدود
التحول الأكثر أهمية بالنسبة إلى الجزائر يكمن في إعادة تعريف وظيفة حدودها الجنوبية. فبدل التعامل مع الحدود المالية باعتبارها خطًا أمنيًا فقط، يمكن أن تصبح أيضًا مجالًا لحركة قانونية للسلع والخدمات، ما يرفع نشاط الولايات الجنوبية ويمنح المؤسسات الجزائرية منافذ جديدة.
وتزداد أهمية هذا الخيار مع السياسة الجزائرية الأوسع لإنشاء مناطق حرة وتنشيط المبادلات الحدودية مع دول الجوار الإفريقي. وكانت الجزائر قد أعلنت خلال السنوات الأخيرة خططًا لمناطق تبادل حر مع مالي والنيجر وليبيا وتونس وموريتانيا، في إطار استراتيجية تهدف إلى توجيه جزء أكبر من الإنتاج الوطني إلى الأسواق الإفريقية. وتكمن الفائدة الاقتصادية في استبدال جزء من التجارة غير المنظمة بتدفقات قابلة للقياس والتمويل والتأمين والجباية، وإدخال الشركات الجزائرية إلى أسواق كانت تاريخيًا أقرب إلى شبكات التجارة الصغيرة منها إلى التصدير الصناعي المنظم.
وفي الحالة المالية تحديدًا، يمكن أن يلعب محور برج باجي مختار والمناطق الحدودية دورًا أكبر إذا ترافقت عودة العلاقات مع تحديث المعابر وإنشاء مساحات لوجستية ومخازن وخدمات مصرفية وتأمين للشحنات وربط أفضل بين المنتجين في الشمال والجنوب والأسواق المالية.
وهنا تظهر العلاقة بين الأمن والاقتصاد بصورة مباشرة. فكلما زادت التجارة القانونية وتوفرت الوظائف والخدمات والبنية التحتية في المناطق الحدودية، تراجعت نسبيًا المساحة الاقتصادية التي تستفيد منها شبكات التهريب والجريمة المنظمة. لذلك لا يمثل الاستثمار في التجارة الحدودية تنازلًا عن المقاربة الأمنية، بل يمكن أن يصبح جزءًا منها.

1376 كلم من الحدود يمكن تحويلها من كلفة إلى أصل اقتصادي
لفترة طويلة مثّلت الحدود الواسعة مع مالي كلفة عالية من حيث المراقبة والأمن وصعوبة الحركة. لكن الاقتصاد يتيح قراءة مختلفة للمسافة نفسها. فـ1376 كلم من الحدود تعني أيضًا إمكانية بناء عدة نقاط ربط وممرات تجارية وخدمات لوجستية بين اقتصاد شمال إفريقي يمتلك موانئ على المتوسط ودولة حبيسة تبحث عن منافذ إضافية لتقليل اعتمادها على مسارات محدودة. ولا يعني ذلك أن الجزائر يمكنها أن تحل محل الموانئ الأطلسية التي يعتمد عليها الاقتصاد المالي، لكن توفير مسار شمالي إضافي لبعض السلع والقطاعات يمكن أن يمنح باماكو هامشًا أكبر في إدارة التوريد، وفي المقابل يمنح الجزائر ميزة القرب الجغرافي في تصدير منتجاتها.
ويمكن أن تكون مواد البناء والإسمنت والحديد والمنتجات الغذائية والأدوية والتجهيزات الكهربائية والخدمات الرقمية والهندسية ضمن القطاعات الأكثر قابلية للاستفادة إذا نشأ إطار اقتصادي منظم، خاصة أن حاجة مالي إلى الاستثمار والبنية التحتية ستظل مرتفعة مع توقعات نمو تتجاوز 5% خلال 2026.
فتح الأجواء أعاد أول شريان اقتصادي
قبل الحديث عن مشاريع أكبر، يحمل فتح المجال الجوي نفسه أثرًا اقتصاديًا مباشرًا. فقرار الجزائر في 10 جويلية بإعادة فتح أجوائها بالكامل أمام حركة الطيران المالي، ثم القرار المالي المتبادل، أنهيا قيدًا أثر في انسيابية التنقل بين البلدين خلال فترة الأزمة.
والطيران ليس ملفًا جانبيًا في العلاقات الاقتصادية؛ فهو شرط لتكثيف حركة الوفود والمستثمرين والفنيين ورجال الأعمال، وتسريع نقل الوثائق والشحنات الصغيرة، وإعادة تشغيل مسارات السفر التي تحتاج إليها الشركات. ولذلك يمكن اعتبار فتح الأجواء أول بنية اقتصادية أعيد تشغيلها قبل بدء الحديث عن مشاريع جديدة.
كما أن عودة السفيرين في اليوم نفسه أعادت القناة المؤسسية التي يمكن من خلالها إعداد الاتفاقات ومرافقة المستثمرين وحل الإشكالات الإدارية والقنصلية. وبذلك سبقت البنية الدبلوماسية زيارة مايغا المحتملة، ما يرفع احتمال أن تكون الزيارة، متى تمت، موجهة نحو تحديد ملفات عملية بدل الاقتصار على إعلان استئناف العلاقات.
مالي تنمو.. لكن كلفة الطاقة واللوجستيك تفتح نافذة للجزائر
تكشف أحدث أرقام المؤسسات المالية الدولية أن توقيت الانفتاح الجزائري على مالي يحمل فرصة اقتصادية حقيقية. فصندوق النقد يتوقع نمو الناتج الحقيقي المالي بنحو 5.5% في 2026، بعد أداء أظهر قدرة على الصمود رغم الضغوط الأمنية والإنسانية، مدفوعًا بالتعدين والزراعة والخدمات. كما أن إنتاج الليثيوم بدأ يتحول إلى محرك إضافي للنمو إلى جانب الذهب والقطن.
لكن الاقتصاد نفسه يعاني نقاط ضعف تمنح الشريك الجزائري مجالًا للدخول: ارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة، ضعف الربط، الحاجة إلى استثمارات جديدة، وضغط النمو الديموغرافي على الوظائف. ويشير البنك الدولي إلى دخول نحو 235 ألف شاب سنويًا إلى سوق العمل المالي، ما يجعل الاستثمار والإنتاج والتكامل الإقليمي أكثر إلحاحًا.
ومن مصلحة الجزائر أن يتحول الطلب المالي إلى طلب على المنتج والخبرة والاستثمار الجزائري بدل ترك السوق بالكامل للمنافسين الدوليين. وهذا يحتاج إلى سياسة تجارية نشطة وليس فقط علاقات سياسية جيدة: خطوط نقل مستقرة، بنوك، تمويل للصادرات، تأمين، معارض تجارية، مجالس أعمال، تسهيلات جمركية وآليات تسوية مالية قادرة على تحويل القرب الجغرافي إلى ميزة سعرية فعلية.
زيارة مايغا يمكن أن تكون نقطة الانتقال من المصالحة إلى العقود
من هنا تكتسب الدعوة الرسمية التي وجهها سيفي غريب إلى عبد الله مايغا أهميتها الاقتصادية. فالمرحلة الأولى من التطبيع أنجزت في 10 جويلية بإعادة فتح الأجواء والسفارات. المرحلة الثانية بدأت في 9 أوت بإعادة الاتصال على مستوى رئيسي الحكومتين. أما المرحلة الثالثة، إذا تمت زيارة مايغا إلى الجزائر، فيفترض اقتصاديًا أن تنتقل إلى تحديد الملفات والمشاريع والأجهزة التنفيذية.
وسيكون نجاح الزيارة، من منظور اقتصادي، قابلًا للقياس بعدد الملفات التي تنتقل من التصريح إلى التنفيذ: هل ستُفعّل لجنة تعاون اقتصادي؟ هل سيُنشأ أو يعاد تنشيط مجلس أعمال؟ هل ستُحدد قطاعات للتصدير والاستثمار؟ هل ستُبحث تسهيلات النقل البري والجوي؟ هل سيتم تطوير المعابر؟ وهل يمكن توسيع التعاون إلى الطاقة والخدمات والاتصالات؟
هذه الأسئلة أهم من الرمزية السياسية للزيارة، لأن الجزائر التي تعيد بناء علاقاتها في الساحل خلال 2026 تتحرك تدريجيًا بمنطق يجعل التعاون الاقتصادي أداة نفوذ واستقرار في الوقت نفسه.

من نيامي إلى باماكو.. الجزائر تبني شبكة مصالح في الساحل
تزامن التقارب مع مالي مع حركة جزائرية أوسع في محيطها الإفريقي. ففي النيجر جرى الانتقال خلال أشهر إلى لجنة مشتركة، مجلس أعمال، مشاريع كهرباء، تعاون نفطي وبرامج للتكوين، في وقت يعمل البلدان مع نيجيريا على مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء.
وهذا المسار يعطي فكرة عن الرؤية التي يمكن أن تستوعب مالي: تحويل العلاقات مع دول الساحل من ملفات أمنية متقطعة إلى شبكة مصالح تشمل الطاقة والتجارة والبنية التحتية والخدمات.
وتكتسب مالي داخل هذه الشبكة وزنًا خاصًا لأنها تشترك مباشرة مع الجزائر في حدود واسعة وتقع في قلب غرب إفريقيا، ما يجعل تحسن العلاقة معها قادرًا على خدمة هدفين جزائريين في آن واحد: تخفيف المخاطر على الحدود الجنوبية وفتح مسار جديد أمام الصادرات والاستثمارات نحو القارة.
كما أن استعادة العلاقة مع باماكو تقلل كلفة سياسية كانت تستهلك جزءًا من قدرة الجزائر على تنفيذ استراتيجيتها الإفريقية، لأن التوتر مع دولة حدودية بهذا الحجم كان يفرض على الطرفين إدارة الأزمة بدل إدارة التنمية.
البراغماتية الاقتصادية تحل محل كلفة القطيعة
بهذا المعنى، لا يمثل التقارب الحالي تراجعًا عن المواقف السابقة بقدر ما يعكس قراءة مختلفة لكلفة استمرار الخلاف. فالدولتان تستطيعان الاستمرار في الاختلاف حول ملفات سياسية وأمنية، لكن الجغرافيا لا تتغير، والحدود لا تختفي، ومخاطر الإرهاب والتهريب لا تتوقف، كما أن حاجة مالي إلى التموين والاستثمار وحاجة الجزائر إلى أسواق إفريقية ستبقيان قائمتين.
ولهذا تبدو البراغماتية الاقتصادية أكثر قدرة على حماية العلاقة من هشاشة الحسابات السياسية قصيرة المدى. فكل شاحنة جزائرية تدخل السوق المالية، وكل عقد لشركة جزائرية، وكل مشروع طاقة أو طريق أو خدمة تربط البلدين، يبني طرفًا اقتصاديًا لديه مصلحة مباشرة في استقرار العلاقة.
وكان عبد الرفيق كشوط قد لخص هذا المنطق في المادة الأصلية حين ربط المصالحة بـ«حتمية الجغرافيا الاقتصادية»، مشيرًا إلى أن الورقة الأمنية لا يمكن فصلها عن المساعدات اللوجستية والطاقة وشبكات الطرق. وفي الاتجاه نفسه، رأى محمد الصالح جمال أن استئناف العلاقات يفتح المجال أمام إعادة تفعيل التشاور والتنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، وهي أرضية ضرورية لأي نشاط اقتصادي عابر للحدود.
ويصب ذلك في مقاربة أوسع تتبناها الجزائر تجاه الساحل، تقوم على أن التنمية والأمن ليسا مسارين منفصلين. فالاستثمار يحتاج إلى الاستقرار، لكن الاستقرار نفسه يصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما ينشأ اقتصاد حدودي قانوني ومصالح مشتركة وفرص عمل.
الجزائر تحول عمقها الأمني إلى عمق اقتصادي
الرهان الجزائري في هذه المرحلة أكبر من إعادة العلاقات مع مالي إلى ما كانت عليه قبل أفريل 2025. فإعادة فتح الأجواء وعودة السفراء تعيدان الوضع إلى نقطة الصفر فقط، بينما القيمة الحقيقية ستكون في استخدام المرحلة الجديدة لتغيير بنية العلاقة.
فالجزائر تمتلك اليوم قاعدة إنتاج أوسع، وشركات طاقة وإنشاءات واتصالات، وقدرات متنامية في الحديد والإسمنت والأدوية والصناعات الغذائية، بالتزامن مع توجه رسمي نحو رفع الصادرات خارج المحروقات والوصول إلى الأسواق الإفريقية.
ومالي، في المقابل، تمثل اقتصادًا يتجاوز 26 مليون نسمة، يتوقع له نمو يفوق 5% في 2026، ويحتاج إلى طاقة وبنية تحتية وتموين وخدمات واستثمارات.
هذه المعادلة تمنح الطرفين مساحة مصالح أكبر بكثير من حجم المبادلات الحالية، وتضع الزيارة التي دُعي إليها رئيس الحكومة المالية أمام اختبار اقتصادي واضح: هل تتحول المصالحة إلى عقود وتجارة واستثمار وربط حدودي؟
إذا حدث ذلك، ستكون الجزائر قد انتقلت في علاقتها مع مالي من منطق إدارة الحدود إلى منطق استثمار الحدود، ومن معالجة المخاطر القادمة من الساحل إلى بناء مصالح داخل الساحل نفسه.
وهذا هو التحول الأكثر أهمية في التحرك الذي يقوده الرئيس عبد المجيد تبون تجاه العمق الإفريقي: ألا تبقى المنطقة الجنوبية حزامًا أمنيًا يحتاج إلى الحراسة، بل تتحول تدريجيًا إلى امتداد للأسواق الجزائرية ومشاريع الطاقة والنقل والخدمات.
وبذلك، فإن الاتصال بين سيفي غريب وعبد الله مايغا في 9 أوت 2026 ليس الحلقة الأخيرة في إنهاء القطيعة، بل يمكن أن يكون الحلقة الأولى في بناء علاقة اقتصادية مختلفة. فبعد فتح الأجواء وعودة السفراء، تنتقل الكرة الآن إلى الاقتصاد، حيث ستقاس قيمة المصالحة بما يمر عبر الحدود من سلع واستثمارات ومشاريع، لا بعدد البيانات الدبلوماسية الصادرة من العاصمتين.
وإذا جاءت زيارة مايغا إلى الجزائر محملة بأجندة اقتصادية قابلة للتنفيذ، فإن باماكو يمكن أن تنتقل سريعًا من ملف كان يستنزف الدبلوماسية الجزائرية إلى بوابة تدعم استراتيجية الجزائر للتوسع في غرب إفريقيا، بينما تحصل مالي في المقابل على شريك حدودي يمتلك الطاقة والإنتاج والخبرة والمنفذ المتوسطي.
عندها فقط تصبح البراغماتية الميدانية التي أنهت القطيعة براغماتية اقتصادية تنتج قيمة للطرفين، وتتحول الحدود الجزائرية–المالية البالغ طولها 1376 كلم من خط للفصل بين اقتصادين إلى مساحة يمكن أن تربط الجزائر بأحد أهم محاورها المستقبلية نحو أسواق الساحل وغرب إفريقيا.



