بوابة الجزائر الاخبارية: لم تعد الجزائر في عهد الرئيس عبد المجيد تبون تكتفي بمتابعة التحولات المتسارعة التي تعصف بمنطقة الساحل من موقع الجار، بل باتت تتحرك داخلها باعتبارها دولة محورية تملك من الجغرافيا والتاريخ والقدرات ما يؤهلها لصناعة جزء مهم من معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
وفي أحدث رسائلها، جاءت الهبة العسكرية الجزائرية المقدمة للجيش النيجري، والتي شملت أربع مروحيات إلى جانب الذخائر وقطع الغيار وتجهيزات الصيانة والدعم اللوجستي، لتؤكد أن سياسة “اليد الممدودة” التي ينتهجها الرئيس تبون ليست شعاراً دبلوماسيا للاستهلاك السياسي، وإنما مقاربة عملية تتحول عند الضرورة إلى دعم أمني وعسكري ملموس. وقد تمت العملية تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني.
و لا ينبغي قراءة هذه الخطوة باعتبارها مجرد شحنة عسكرية موجهة إلى دولة جارة، فالمسألة أوسع من ذلك بكثير. فالجزائر، وهي تتحرك في فضائها الجنوبي، تدرك أن أمن حدودها لا يمكن فصله عن أمن دول الجوار، وأن استمرار هشاشة دول الساحل يعني بالضرورة استمرار التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى شبكات التهريب والهجرة غير النظامية وتجارة السلاح.
ومن هنا تبرز خصوصية المقاربة الجزائرية: لا قواعد عسكرية تفرض الوصاية، ولا أجندات سياسية جاهزة للتصدير، ولا مقايضة للمساعدات بالولاءات؛ بل تعاون قائم على احترام السيادة ودعم قدرات الدول على حماية أراضيها.
والأهم أن الجزائر لا تقدم نفسها في الساحل باعتبارها قوة تبحث عن نفوذ لمجرد النفوذ، وإنما كقوة إقليمية ترى أن استقرار جوارها الجنوبي جزء مباشر من أمنها الوطني.
وهذا الفارق جوهري في منطقة أصبحت فيها المنافسة الدولية على النفوذ أكثر حدة، وتحولت فيها دول الساحل إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية.
الهبة العسكرية للنيجر تحمل، بهذا المعنى، رسالة مزدوجة: رسالة تضامن إلى نيامي، ورسالة استراتيجية إلى مختلف العواصم المعنية بمستقبل الساحل.
فالجزائر تقول عمليا إن ترك دول المنطقة تواجه وحدها التهديدات الأمنية ليس خيارا، وإن الفراغ الذي تتركه القوى التقليدية يمكن أن يتحول إلى مصدر تهديد مباشر للمنطقة بأكملها.
ولذلك فإن دعم القدرات الدفاعية للنيجر يندرج ضمن رؤية أوسع تقوم على تمكين دول الساحل من امتلاك أدواتها الخاصة لحماية أمنها، بدلا من تحويلها إلى ساحات مفتوحة للتدخلات الخارجية.

وتكتسب الخطوة أهمية أكبر بالنظر إلى الموقع الجغرافي للنيجر، الدولة التي تتقاطع حدودها مع ليبيا والجزائر ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا وتشاد وبنين، وبالتالي فإن تعزيز قدراتها الأمنية لا ينعكس على نيامي وحدها، بل يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على منظومة الأمن في كامل المنطقة.
كما أن انطلاق الهبة من قاعدة الانتشار الثانوية بإن قزام، في أقصى الجنوب الجزائري، باتجاه نيامي، يسلط الضوء على البعد الجغرافي والاستراتيجي للعلاقات الجزائرية-النيجرية، وعلى أهمية العمق الصحراوي في الحسابات الأمنية الجزائرية.
ما يميز السياسة الجزائرية في الساحل هو أنها لا تحصر أدواتها في المجال العسكري. فالمقاربة الجزائرية تقوم على الجمع بين الأمن والتنمية والدبلوماسية، وهي معادلة تحاول من خلالها الجزائر معالجة جذور عدم الاستقرار وليس فقط مظاهره.وعندما تضع الجزائر قدراتها العسكرية في خدمة دولة جارة، فإنها لا تتخلى عن خطابها الدبلوماسي، بل تدعمه بأدوات ميدانية. فاليد الممدودة لا تعني غياب القوة، بل تعني أن الجزائر تريد استخدام قوتها بطريقة تخدم الاستقرار وتحافظ على استقلال القرار الوطني لدول المنطقة.وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم رسائل الرئيس تبون: الجزائر قادرة على أن تكون حاضرة في الساحل من دون أن تكون قوة وصاية على الساحل.
وقد أفرزت التحولات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة ، واقعا جيوسياسيا جديدا، تحالفات تتغير، قوى خارجية تتنافس، وأنظمة سياسية تعيد تعريف علاقاتها الدولية، بينما تتراجع أدوار تقليدية وتظهر أخرى جديدة، و في هذا المشهد، تبدو الجزائر أمام فرصة استراتيجية لإعادة تثبيت موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات تخص مستقبل الساحل.
وتأتي الهبة العسكرية للنيجر ضمن هذا السياق، فهي لا تعني أن الجزائر تسعى إلى رسم خريطة المنطقة منفردة، وإنما تؤكد أن أي خريطة جيوسياسية جديدة للساحل لن تكون مكتملة من دون أخذ المصالح الجزائرية ومخاوفها الأمنية ودورها التاريخي بعين الاعتبار.

فالجزائر تملك أطول حدود برية مع منطقة الساحل، وتدرك قبل غيرها أن انهيار الأمن جنوبا لن يتوقف عند الحدود، ولهذا فإن حماية العمق الاستراتيجي الجزائري تبدأ، في جزء كبير منها، من المساهمة في تثبيت استقرار الجوار.
في المحصلة، لا تعتبر الهبة العسكرية الأخيرة للنيجر مجرد قرار تقني يتعلق بتسليم مروحيات وتجهيزات عسكرية، وإنما حلقة جديدة في مسار تتبلور من خلاله سياسة جزائرية أكثر حضوراً وتأثيراً في الساحل، سياسة تقوم على معادلة واضحة: سيادة الدول مقابل التعاون، الأمن المشترك مقابل الفوضى، والتنمية مقابل التهميش.
وبينما تبحث قوى دولية وإقليمية عن موطئ قدم جديد في الساحل، ترد الجزائر بأدوات مختلفة: دبلوماسية نشطة، تعاون اقتصادي، دعم تنموي، وتنسيق أمني وعسكري مع دول الجوار، وهكذا تتحول “اليد الممدودة” في العقيدة الجزائرية إلى أداة نفوذ من نوع مختلف؛ نفوذ لا يقوم على الإملاء، بل على بناء المصالح المشتركة، ولا يحتاج إلى رفع الشعارات بقدر ما يثبت حضوره بالفعل.





