في مشهد درامي يعكس عمق الأزمة الصامتة التي تعيشها البلاد، تزامنت احتفالات “عيد العرش” في أواخر يوليو الماضي مع مفارقة صارخة لخصت واقع المغرب اليوم. فبينما كان موكب الملك محمد السادس يمر عبر طُرقات أُخليت خصيصاً ليشق طريقه نحو قصره الصيفي في مدينة المضيق حيث تصطف النخبة لتقبيل يده، كان عشرات الآلاف من المغاربة يتدفقون في الاتجاه المعاكس تماماً؛ نحو جيب “سبتة” الإسباني. أكثر من 70 ألف مغربي، غير آبهين بطقوس الولاء السنوية، خاطروا بحياتهم للفرار من المملكة عبر البر والبحر، في رحلة مأساوية أودت بحياة العشرات منهم.
هذا التناقض الصارخ، كما استعرضته مجلة “ذي إيكونوميست” (The Economist) في مقاربة حديثة لها، يكشف عن تصدع حقيقي في جدار الصورة التي طالما سوّقتها الرباط للعالم.

واجهة التحديث ومرارة الواقع
على الورق، يبدو المغرب نموذجاً عربياً نادراً للاستقرار والتحديث؛ حيث يمتلك صناعة سيارات مزدهرة، وقطارات فائقة السرعة، وأكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط، ناهيك عن شبكة علاقات معقدة تشمل استثمارات أجنبية وتنامياً في صناعة الأسلحة بفضل علاقاته مع إسرائيل. لكن خلف هذه الواجهة، فقد الكثير من المواطنين البالغ عددهم 36 مليون نسمة إيمانهم بالمستقبل بعد 27 عاماً من حكم الملك الحالي.
ففي حين تُضخ الاستثمارات في مشاريع استعراضية كملاعب كأس العالم 2030، تُعاني المستشفيات والمدارس من تهميش ملحوظ، ما جعل المغرب يتذيل التصنيفات العالمية الحديثة في جودة التعليم. ومع بلوغ نسبة البطالة بين الشباب نحو الثلث، لجأت الأجهزة الأمنية بشكل متزايد إلى القمع لتكميم الأفواه، وتحييد الصحافة، وتلفيق تهم أخلاقية للمنتقدين للزج بهم في السجون. أما الأحزاب السياسية التي كانت تعد بالتغيير، فقد باتت اليوم واهنة لدرجة أن قلة من المغاربة يكترثون للانتخابات البرلمانية المقبلة، مفضلين “التصويت بأقدامهم” والهجرة، لإدراكهم أن صناع القرار الحقيقيين لا تفرزهم صناديق الاقتراع.
ملكٌ عليل وفراغ في القيادة
جزء كبير من هذه الأزمة يرتبط برأس الهرم نفسه. فالملك محمد السادس، البالغ من العمر 63 عاماً، أصبح اليوم حاكماً غائباً وعليلاً. وتشير الشهادات إلى أن الملك يعاني من تدهور صحي واضح؛ يدان مزرقتان، وعينان منتفختان يختبئان خلف نظارات شمسية، فضلاً عن انعزاله المتزايد في شمال البلاد بعيداً عن صخب العاصمة، مفضلاً قضاء وقته مع دائرته الضيقة كصديقه بطل الفنون القتالية أبو بكر زعيتر.
هذا الغياب خلق فراغاً قاتلاً في إدارة الأزمات. فمنذ حراك الريف عام 2016، مروراً بزلزال 2023 المدمر، وصولاً إلى أزمة الهجرة الأخيرة نحو سبتة، ينتظر المسؤولون توجيهات القصر، لكنهم لا يقابلون سوى بالصمت، حيث لم يخرج أي مسؤول حكومي رفيع لتقديم تفسير أو حتى تعزية في ضحايا أزمة سبتة.
فضيحة التجسس ونظريات المؤامرة
في ظل هذا الفراغ القيادي، تتناسل نظريات المؤامرة. التفسير الأبرز لأزمة الهجرة الأخيرة نحو إسبانيا، والذي يتردد بقوة داخل أروقة “المخزن”، هو أن قادة الأمن المغاربة يستخدمون ورقة المهاجرين لمعاقبة مدريد. السبب؟ إيواء إسبانيا لمُبلّغ عن المخالفات (عُرف بالاسم الحركي “سفير”) انشق عن مديرية مراقبة التراب الوطني (المخابرات الداخلية المغربية) حاملاً معه أسراراً خطيرة.
وتشير التسريبات إلى أن هذا العميل كشف عن عمليات غرفة سرية تُعرف بـ “المكتب 21″، حيث استُخدمت برمجيات تجسس إسرائيلية لاختراق هواتف وكاميرات شخصيات بارزة في المغرب وأوروبا، بل ويُشاع أن بنك أهدافهم شمل الملك نفسه.
حرب الخلافة في الكواليس
هذه الانشقاقات الأمنية ليست سوى رأس الجبل الجليدي لصراع أعمق يعصف بأروقة السلطة تحضيراً لمرحلة ما بعد محمد السادس. الانقسام الأكبر يدور حالياً بين الحرس القديم بقيادة فؤاد عالي الهمة، صديق طفولة الملك ومستشاره النافذ، وبين معسكر ولي العهد الأمير الحسن ووالدته الأميرة سلمى. فبعد طلاق الملك وسلمى عام 2018، فُرضت على الأخيرة إقامة جبرية شبه كاملة بإيعاز من الهمة. ومع اقتراب لحظة انتقال العرش، يتزايد قلق الحرس القديم من انتقام “الملكة الأم” بمجرد تولي نجلها مقاليد الحكم.
في المحصلة، يبدو أن توالي الفضائح وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يضعف يوماً بعد يوم من قبضة الملكية في المغرب، في وقت لن تكفي فيه أي انتخابات شكلية قادمة لترميم هذا الصدع العميق في جدار الثقة بين القصر والشعب
























