مقال رأي بقلم احميدة العياشي كاتب وصحفي جزائري
بوابة الجزائر الإخبارية: في وقت متقارب، يفقد الرئيس عبد المجيد تبون اثنين من أبرز رجاله الذين كان لكل واحد منهما موقعه الخاص داخل منظومة الحكم ومحيط الرئاسة.

الأول هو بوعلام بوعلام، أحد أقرب مساعدي الرئيس وأحد الرجال الأقوياء في الرئاسة، والذي كان حضوره السياسي أعمق بكثير من حضوره الإعلامي والدعائي. فقد ظل، طوال سنوات، بعيداً نسبياً عن الأضواء، لكنه كان حاضراً في دوائر صناعة القرار، وترك بصمته في عدد من الملفات، ولا سيما في المجال الدبلوماسي وفي إدارة بعض العلاقات الحساسة المحيطة بالرئاسة.

وفي الوقت نفسه، رحل أحد مستشاري الرئيس الذين حملوا معهم مساراً سياسياً وثقافياً مختلفاً، باعتباره واحداً من الوجوه المعروفة في تاريخ الحركة الثقافية الأمازيغية، وأحد الأسماء البارزة في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، فضلاً عن كونه من زملاء عبد المجيد تبون في الحكومة في مرحلة سابقة.

وبذلك، فإن رحيل الرجلين لا يمثل مجرد فقدان شخصي بالنسبة إلى الرئيس، وإنما يعني أيضاً غياب تجربتين وشبكتين من العلاقات والخبرات التي كانت حاضرة، بدرجات متفاوتة، في محيط صناعة القرار.
وقد بدا الرئيس تبون متأثراً برحيل الرجلين، باعتبارهما من الشخصيات التي احتلت موقعاً مهماً في محيطه الرئاسي. غير أن اللافت في طريقة تعامله مع هذا الرزء كان غلبة الهدوء والتحفظ، وهي سمة تبدو منسجمة مع أسلوبه العام في إدارة الأزمات والانتقال بين الملفات، حيث لا يترك عادة لانفعالات اللحظة أن تتحول إلى مواقف سياسية متسرعة.

وقد يرى البعض أن فقدان شخصيتين من هذا الوزن، وفي ظرف زمني متقارب، يمكن أن يربك مسار الرئيس أو يترك فراغاً داخل دوائر القرار المحيطة به. غير أن قراءة مسار عبد المجيد تبون منذ وصوله إلى قصر المرادية تقود إلى استنتاج آخر.

فالرئيس، في تعامله مع الملفات الداخلية كما مع التحديات الإقليمية والدولية، أظهر ميلاً واضحاً إلى البراغماتية والواقعية، وإلى بناء قراراته بطريقة تدريجية. فهو لا يتحرك، في الغالب، وفق منطق القفزات الكبرى، وإنما وفق منطق الخطوة التي تفتح الطريق أمام الخطوة التالية.

وقد يكون هذا أحد مفاتيح فهم طريقة اشتغاله في الحكم: تحويل التحولات الصغيرة إلى مقدمات لتحولات أكبر من دون الكشف بالضرورة عن كامل المسار منذ بدايته.
ومن هذه الزاوية، فإن رحيل بوعلام بوعلام، ومن سبقه أو لحقه من مستشاري الرئيس وشخصيات محيطه، لا يعني بالضرورة أن الرئاسة فقدت أدواتها أو أن مشروع تبون دخل مرحلة من الارتباك. فالرئاسة، في نهاية المطاف، ليست مجموع الأشخاص الذين يحيطون بالرئيس، وإنما هي أيضاً شبكة مؤسسات ودوائر قرار ومصالح وخبرات تتغير مواقعها وأدوارها باستمرار.

ولعل الأهم هو أن خزان الرئيس تبون من الخيارات والبدائل لم ينضب بعد. فالرجل الذي بنى مساره الرئاسي على التدرج، وعلى اختبار التوازنات قبل الانتقال إلى الخطوة التالية، يبدو أنه لا يزال يحتفظ بمجموعة من الأوراق التي يمكن أن يستخدمها في إعادة ترتيب محيطه وفي مواصلة تنفيذ التصور الذي حمله معه إلى قصر المرادية منذ بداية عهده.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: من سيعوض الرجلين؟ وإنما: أي اتجاه ستأخذ إليه الرئاسة بعد رحيلهما؟ وهل سيكتفي تبون بإعادة ملء المواقع الشاغرة، أم أن هذه التحولات ستدفعه إلى إعادة تركيب جزء من فريقه الرئاسي بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة




























