بوابة الجزائر الاخبارية :تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا فصلاً جديداً من التوتر السياسي والدبلوماسي، في ظل تصاعد الانتقادات الأمريكية الموجهة إلى حكومة الرئيس سيريل رامافوزا بشأن ملف شديد الحساسية يرتبط بالعلاقات العرقية والإرث التاريخي لنظام الفصل العنصري في البلاد. وفي أحدث موقف يعكس حدة هذا الخلاف، جدد السفير الأمريكي لدى جنوب إفريقيا، برنت بوزيل الثالث، انتقادات واشنطن للرئيس رامافوزا، متهماً إياه بعدم اتخاذ موقف صريح يدين الهتاف المثير للجدل “اقتلوا البوير”، والذي تعتبره إدارة الرئيس دونالد ترامب تحريضاً على العنف ضد المواطنين البيض.
غير أن القضية تتجاوز في أبعادها مجرد خلاف حول كلمات أغنية سياسية، إذ ترتبط بتاريخ طويل ومعقد من الصراع ضد نظام الفصل العنصري، وبالجدل المستمر داخل جنوب إفريقيا حول حدود حرية التعبير وخطاب الكراهية واستحضار رموز وأغاني مرحلة التحرر في الواقع السياسي الحالي. ففي الوقت الذي ترى فيه أطراف أمريكية أن استمرار ترديد هذا الشعار يمثل تهديداً مباشراً للبيض، وخاصة الأفريكانيين، تعتبر قراءات أخرى داخل جنوب إفريقيا أن الأغنية جزء من التراث النضالي ضد الأبارتايد ولا ينبغي تفسيرها حرفياً باعتبارها دعوة إلى قتل البيض.

ويزداد الملف تعقيداً بفعل المسار القضائي الذي عرفته القضية، بعدما انتقلت المحاكم الجنوب إفريقية من اعتبار الأغنية خطاب كراهية في حكم سابق، إلى تبني قراءة مختلفة في أحكام لاحقة ربطت معناها بسياقها السياسي والتاريخي. وهو ما يضع حكومة رامافوزا أمام معادلة دقيقة تجمع بين احترام قرارات القضاء، والتعامل مع الضغوط الأمريكية، وإدارة قضية داخلية بالغة الحساسية في مجتمع لا تزال فيه آثار عقود الفصل العنصري وعدم المساواة حاضرة بقوة.
وأمام تصاعد اللهجة الأمريكية، يطرح الجدل تساؤلات أوسع بشأن مستقبل العلاقات بين واشنطن وبريتوريا: هل يتعلق الأمر فعلاً بحماية الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا من خطاب يُنظر إليه باعتباره تحريضياً، أم أن هذا الملف أصبح ورقة ضغط جديدة ضمن خلاف سياسي واستراتيجي أوسع بين إدارة ترامب وحكومة رامافوزا؟
وفي هذا السياق، يرى إدريس محمد سنوسي، الخبير في شؤون النزاعات الإفريقية، “لبوابة الجزائر” أن تجدد الانتقادات الأمريكية لجنوب إفريقيا يعكس صراعاً متشعب الأبعاد يتقاطع فيه الإرث الاستعماري مع طموحات السيادة الخارجية.
إرث الأبارتايد والعدالة التاريخية مقابل المخاوف الأمنية
يشير إدريس محمد سنوسي إلى أن العنف في المناطق الزراعية بجنوب إفريقيا هو حقيقة واقعة لا ينبغي التقليل من شأنها أو تجاهل معاناة ضحايائها بغض النظر عن هويتهم العرقية. بيد أن فهم هذه المعضلة يستوجب وضعها في سياق تاريخي أوسع، حيث أدى الاستعمار ونظام الفصل العنصري إلى نزع واسع للأراضي من السكان الأفارقة وترسيخ تفاوت عرقي عميق؛ إذ تُظهر بيانات الحكومة لعام 2017 امتلاك البيض لنحو 72% من الأراضي الزراعية المملوكة للأفراد مقابل 4% فقط للأفارقة.
وبناءً على ذلك، يؤكد إدريس محمد سنوسي أنه لا يمكن اختزال سياسة بريتوريا في كونها “معادية للبيض”، كما لا يمكن تجاهل المخاوف الأمنية للمزارعين، مشدداً على أن جوهر القضية يكمن في كيفية معالجة إرث تاريخي من نزع الملكية مع ضمان حماية جميع المواطنين من العنف المعاصر. ويضيف إدريس محمد سنوسي أن الهامش السياسي للرئيس سيريل رامافوزا يظل محكوماً باستقلال القضاء الحائز على أحكام تفسر الرموز التاريخية دون اعتبارها دعوة حرفية للقتل، مما يفرض ضرورة التمييز الدقيق بين تصحيح المظالم التاريخية ورفض أي استهداف معاصر للأفريكانر.
الصراع الجيوسياسي وموقع بريتوريا في مجموعة بريكس
على الصعيد الاستراتيجي، يوضح إدريس محمد سنوسي أن قضية المزارعين و«البوير» قد تحولت إلى أداة ضغط في يد واشنطن ضمن حزمة أوسع من الخلافات تشمل قانون نزع الملكية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية. ويؤكد إدريس محمد سنوسي أن الخلاف يتعدى التفاصيل الداخلية ليطال التوجه الخارجي لجنوب إفريقيا، التي تسعى لتعزيز موقعها ضمن مجموعة بريكس (BRICS) والجنوب العالمي للدفع نحو نظام دولي أكثر تعددية وتوازناً.
ويختم إدريس محمد سنوسي إلى أن هذا التوتر يمثل نقطة اشتباك حقيقية حول حدود النفوذ الأمريكي واستقلال القرار الجنوب إفريقي؛ فالاستجابة لضغوط واشنطن المباشرة في ملفات ذات حساسية تاريخية قد تُفهم باعتبارها مساساً بالسيادة الوطنية. وبالتالي، فإن الأزمة الحالية ليست سوى واجهة لمعركة أعمق تتعلق بمستقبل دور بريتوريا في إعادة صياغة ملامح النظام الدولي وتحدي الهيمنة الأحادية، وفقاً لتحليلات إدريس محمد سنوسي.































