بوابة الجزائر الاخبارية : في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية ودبلوماسية، تبرز رئاسة الجمهورية العربية الصحراوية لإقليم شمال إفريقيا ضمن لجنة أجهزة الاستخبارات والأمن الإفريقية «سيسا» باعتبارها محطة جديدة تعكس حضورها داخل الهياكل القارية، وتعيد إلى الواجهة مكانتها كعضو كامل الحقوق والواجبات في الاتحاد الإفريقي، في ظل استمرار الخلافات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء الغربية.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ضوء التصريحات التي أدلى بها الوزير الأول الصحراوي، حمودي بشرايا بيون، على هامش الورشة الإقليمية التي تحتضنها الجزائر من 12 إلى 15 أكتوبر الجاري، حيث اعتبر أن تولي بلاده هذه المسؤولية يعكس تمسك الاتحاد الإفريقي بمبادئه التأسيسية، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير المصير والمساواة بين الدول الأعضاء، رغم محاولات التأثير في موقع الجمهورية الصحراوية داخل المؤسسات القارية.

ولا تقتصر أهمية هذه الرئاسة على بعدها السياسي، بل تمتد إلى المجال الأمني، بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة على طاولة الورشة، وفي مقدمتها مكافحة الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وما تفرضه هذه التحديات من تنسيق استخباراتي وتعاون إقليمي لحماية أمن الدول الإفريقية واستقرارها، خصوصاً في منطقة شمال إفريقيا والساحل التي تواجه تهديدات أمنية متشابكة.
وفي هذا السياق، تطرح رئاسة الجمهورية الصحراوية لهذه الآلية تساؤلات بشأن دلالاتها على مستوى التوازنات داخل الاتحاد الإفريقي، ومدى قدرتها على تعزيز الحضور الدبلوماسي الصحراوي، فضلاً عن انعكاساتها على مستقبل التعاون الأمني الإقليمي في ظل استمرار الاحتلال المغربي .
وفي قراءة جيوستراتيجية متخصصة للتطورات الأمنية والدبلوماسية الأخيرة في القارة الإفريقية، يرى الدكتور حسن شيخ علي نور، رئيس مجلس الأمن القومي الصومالي سابقاً، في تصريح خاص لبوابة الجزائر، أن احتضان العاصمة الجزائرية لورشة لجنة أجهزة الاستخبارات والأمن الإفريقية («CISSA» – سيسا) وتولي الجمهورية الصحراوية لرئاسة الإقليم، يمثلان محطة فارقة لتكريس السيادة القارية وإعادة تشكيل قواعد التنسيق الاستخباراتي في شمال إفريقيا والساحل.
الدلالات السياسية والدبلوماسية والتمسك بالمبادئ التأسيسية
ويرى الدكتور حسن شيخ علي نور أن تولي الجمهورية الصحراوية رئاسة إقليم شمال إفريقيا في لجنة «سيسا» يُعد إقراراً مؤسسياً وتطبيقاً عملياً لمبدأ المساواة السيادية بين جميع الدول الأعضاء المنصوص عليه في المادة الرابعة من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي. ويؤكد رئيس مجلس الأمن القومي الصومالي السابق أن هذا التطور يُثبت أن مؤسسات الاتحاد تُدار وفق ضوابط قانونية ودورية إقليمية صارمة، رافضةً خضوع هياكلها السيادية لسياسات الشلل أو الفيتو الإقليمي، ومكرسةً إخفاق الاستراتيجيات التي حاولت استهداف عضوية الجمهورية الصحراوية أو تقليص مساحات حضورها القاري.
ويستطرد الدكتور حسن شيخ علي نور في تحليله مشيراً إلى أن وضع آلية استخباراتية إقليمية بحجم «سيسا» تحت قيادة صحراوية يُمثل اعترافاً قاطعاً بها كفاعل أمني شريك ومساهم حيوي في استقرار القارة، وهو ما يُسقط كافة الطروحات التي حاولت تجريدها من صفة الدولة المؤسسية القادرة على إدارة الملفات الأمنية المعقدة. ويشدد شيخ علي نور على أن هذه الخطوة تُجدد التزام القارة الإفريقية الصارم بحق الشعوب في تقرير المصير واستكمال تصفية الاستعمار، موجهةً رسالة أممية ودولية مفادها أن النزاعات السياسية لا تلغي الالتزامات التشغيلية والدورية للدول الأعضاء داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية.
التوظيف الأمني والانعكاسات على توازنات الساحل وشمال إفريقيا
وفيما يتعلق بالأبعاد الميدانية للتنسيق الأمني، يُوضح الدكتور حسن شيخ علي نور لبوابة الجزائر أن هذه الرئاسة تتيح للجانب الصحراوي قيادة أجندة التنسيق الاستخباري القاري للحد من شبكات التهريب والاتجار بالمخدرات—وعلى رأسها القنب الهندي والسومام—باعتبارها الشريان الأساسي لتمويل الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية في الشريط الساحلي. وينبه شيخ علي نور إلى أن الخبرة الميدانية الواسعة التي تمتلكها الأجهزة الصحراوية في مراقبة المساحات الصحراوية المتاخمة للساحل ستمنح منظومة «سيسا» تقارير استخباراتية وتحليلات ميدانية دقيقة حول الثغرات الحدودية.
ويضيف المسير السابق لمجلس الأمن القومي الصومالي أن هذا المعطى يُعيد صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة، حيث يضع أجهزة الاستخبارات المغربية أمام خيارات حرجية؛ إما التعاطي مع التقريرات والآليات الصادرة عن الرئاسة الإقليمية للجنة (مما يُشكل اعترافاً ضمنياً بالأمر الواقع)، أو الانسحاب والقطيعة التشغيلية التي تُضعف الرواية الرسمية للرباط وتُكرس عزلتها داخل هذا المرفق الأمني القاري. ويؤكد الدكتور حسن شيخ علي نور أن هذا التطور يُكرّس الفاعل الصحراوي كجدار صد أمني لا غنى عنه ضمن منظومة الأمن القومي الإفريقي.
المظلة الجزائرية وتكريس مركزية القرار الأمني القاري
وحول احتضان الجزائر لأعمال هذه الورشة الإقليمية، يُشدد الدكتور حسن شيخ علي نور على أن هذا الحدث يعكس المكانة المحورية للجزائر باعتبارها عاصمة القرار الأمني والسياسي في القارة، والقادرة على توفير المظلة اللوجستية والسياسية لعقد اجتماعات رفيعة المستوى للهياكل الإفريقية الحساسة. ويرى شيخ علي نور أن الدور الجزائري يُمثل الالتزام الصلب بالشرعية ومبادئ الاتحاد الإفريقي ودعم القضايا العادلة، فضلاً عن كون الجزائر تُشكل حائط صد منيع لحماية الهياكل القارية من محاولات الاختراق أو الشلل، حفاظاً على استقلالية القرار الإفريقي.
ويؤكد الخبير الصومالي أن الجزائر تمتلك ثقلاً استخباراتياً ودبلوماسياً يُمكنها من قيادة جهود الاستقرار في الفضاء الإقليمي المتوتر، بفضل تجاربها الميدانية الطويلة في دحر الإرهاب، وتبنيها لمقاربة شاملة تربط التنسيق الأمني بالتنمية الاقتصادية على الحدود. كما يُشر الدكتور حسن شيخ علي نور إلى أن الثقل الدبلوماسي الجزائري في المحافل الدولية، وخاصة بمجلس الأمن، يُعزز القوة التنفيذية لمخرجات «سيسا» ويضمن لها صدىً واعترافاً دولياً واسعاً.
الريادة الجزائرية في مكافحة المخدرات وتفكيك الشبكات العابرة للحدود
وعن موقع الجزائر القيادي في ملفات محاربة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة، يقطع الدكتور حسن شيخ علي نور في تصريحه لبوابة الجزائر بأن الجزائر تتشكل اليوم في موقع الريادة المطلقة، بالنظر لما تمتلكه من إمكانيات مادية هائلة وخبرات ميدانية تراكمت عبر عقود جعلت منها “العين الساهرة والمراقبة” لخطوط السواحل والحدود في شمال وغرب إفريقيا. ويؤكد شيخ علي نور أن ملفات تهريب المخدرات والبشر الممتدة من عمق القارة إلى أوروبا تُعد من أكثر القضايا العالقة تعقيداً، وتبرز فيها الجزائر كقوة رئيسية بفضل امتلاكها قدرات استثنائية لمراقبة حدودها الشاسعة وما وراء حدود دول الجوار.
ويختتم الدكتور حسن شيخ علي نور تصريحه بالإشارة إلى أن الجزائر تتفوق على بقية دول المنطقة بقدراتها العالية على تفكيك شبكات التهريب الدولية وقطع خطوط إمدادها الممتدة من إفريقيا نحو أوروبا، مدعومةً ببيئة تشريعية متطورة وقوانين خاصة بالوقاية والإصلاح والتأهيل المهني وتعزيز التعاون الدولي. ومن هذا المنطلق، يجزم رئيس المجلس القومي الصومالي سابقاً بأن الجزائر تلعب وستواصل لعب دور محوري وحاسم في تجفيف منابع الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والبشر، بما يصون الأمن الإقليمي القاري والدولي على حد سواء.
















