بوابة الجزائر الإخبارية : توشك العلاقات بين بريتوريا واشنطن على دخول منعطف حرج يعيد رسم قواعد الاشتباك الدبلوماسي والتجاري بين القوة الأعظم في العالم وأبرز الاقتصادات الصناعية في القارة السمراء. إن التلويح بإخراج جنوب إفريقيا من مظلة قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA) لا يمكن قراءته بمعزل عن صراع الإرادات السياسية والاصطفافات الجيوسياسية الكبرى؛ فهو يعكس رغبة أمريكية واضحة في إعادة تطويع المواقف المستقلة لبريتوريا —لا سيما في ملفاتها الدبلوماسية والقانونية الدولية— عبر بوابات الابتزاز الاقتصادي.وفي المقابل، تجد جنوب إفريقيا نفسها أمام اختبار تاريخي لمدى صمود بنيتها الاقتصادية وقدرتها على تنويع خياراتها بعيداً عن الهيمنة الغربية، عبر تعزيز التضامن القاري داخل منطقة التجارة الحرة الإفريقية (AfCFTA) وتعميق شراكاتها الاستراتيجية مع تكتل “بريكس”. ومن هنا، يتحول النزاع من مجرد خلاف جمركي عابر إلى مخاض استراتيجي يختبر حدود السيادة الاقتصادية في مواجهة سياسات الضغط والعقوبات التجارية.

وفي هذا السياق، يقدّم مدير عام التجارة والصناعة بالاتحاد الإفريقي سابقاً والخبير في اقتصاد إفريقيا، حسين حسن، قراءة تحليلية لبوابة الجزائر تفكك أبعاد هذه الأزمة. يوضح حسين حسن كيف تستخدم إدارة الرئيس دونالد ترامب الأدوات التجارية كأوراق ابتزاز سياسي لفرض الهيمنة، في مقابل مساعي بريتوريا الحثيثة لإعادة التموضع الاستراتيجي وحماية سيادتها الوطنية.
خنق الاقتصاد أم ابتزاز سياسي عبر ورقة “AGOA”؟يرى حسين حسن أن التهديد باستبعاد جنوب إفريقيا من قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA) لا يعدو كونه ابتزازاً سياسياً صريحاً وأداة ضغط فجة تمارسها إدارة دونالد ترامب. ويشير حسين حسن إلى أن واشنطن تسعى من خلال هذا التهديد إلى معاقبة بريتوريا على مواقفها المستقلة في المحافل الدولية، مع تغليف هذا العقاب بادعاءات واهية حول “اضطهاد الأقلية البيضاء” لمخاطبة القاعدة الانتخابية لترامب وتوظيف السياسة الخارجية داخلياً. وفي هذا السياق، يبيّن حسين حسن أن فقدان الامتيازات الجمركية يمثل تهديداً جاداً لقطاعات حيوية كصناعة السيارات والقطاع الزراعي والصناعات التحويلية، حيث تهدد هذه الخطوة أكثر من 125 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.
ورغم ذلك، يؤكد حسين حسن أن الرهان الأمريكي على إركاع بريتوريا ينم عن جهل بصلابة السيادة الوطنية لدولة خاضت تاريخياً أعتى المعارك ضد الفصل العنصري، موضحاً أن إدارة ترامب تتعامل مع الجيوسياسة بعقليّة المراهنات الصفقية، متوهمة أن الوصول إلى الأسواق الأمريكية امتنان ترفع لأجله الشعوب الراية البيضاء، وهو ما يفقد واشنطن مصداقيتها ويُظهر قوانين الشراكة كأغلال ناعمة لابتزاز القرار السيادي.
إعادة التموضع الاستراتيجي والهروب نحو البدائل الدولية والقارية
يؤكد حسين حسن أن الضغوط الأمريكية لا تفعل سوى تسريع القطيعة وتعميق التحول الاستراتيجي لجنوب إفريقيا نحو القطب الشرقي، حيث أصبح سعي بريتوريا لتعميق الشراكة مع الصين وروسيا ودول تكتل “بريكس” ضرورة وجودية لا خياراً دبلوماسياً عابراً، لا سيما وأن الصين بدأت بالفعل بإعفاء عدد واسع من السلع من الرسوم الجمركية، مما يثبت أن الهيمنة الأحادية تدفع الدول نحو البدائل الدولية.
وإلى جانب ذلك، يوضح حسين حسن أن جنوب إفريقيا، كمحرك صناعي للقارة، تدرك أن قوتها الحقيقية تكمن في تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، مبدياً قناعة بأن بناء أسواق إقليمية متكاملة تضم أكثر من 1.3 مليار مستهلك سيجعل الاقتصاد الجنوب إفريقي أكثر مناعة ضد التقلبات المزاجية للبيت الأبيض.
ويختتم حسين حسن تحليله بالتأكيد على أن هذه الأزمة تثبت أن عصر إملاء الشروط عبر بوابة التجارة قد ولى، مبيناً أن محاولة واشنطن كسر إرادة بريتوريا لن تسفر إلا عن تهميش النفوذ الأمريكي في القارة لصالح القوى المنافسة، وأن الاستثمار في الاستقلالية وتطوير البدائل القارية ودول “بريكس” هو السبيل الحتمي لكسر سلاسل التبعية الاقتصادية والسياسية.














