بوابة الجزائر الإخبارية: تستعد آلاف الأبقار الأمريكية لعبور المحيط الأطلسي نحو الصحراء الجزائرية نوفمبر القادم، في خطوة تتجاوز مجرد استيراد الماشية، لتؤسس لمرحلة جديدة من مشروع زراعي وصناعي ضخم، تراهن عليه الجزائر لتقليص وارداتها من الحليب المجفف وتعزيز أمنها الغذائي، ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل الجنوب الجزائري إلى قطب للإنتاج الفلاحي والصناعات الغذائية.

ففي قلب الصحراء الجزائرية، ترتقب ولاية أدرار وصول أولى شحنات الأبقار الحلوب القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية، ابتداءً من 25 نوفمبر 2026، في إطار مشروع «بلدنا الجزائر»، أحد أبرز الاستثمارات الزراعية والصناعية التي تشهدها البلاد. وتتضمن خطة التوريد نقل نحو 30 ألف بقرة أمريكية عبر 109 رحلات جوية خلال عشرة أشهر، فيما تشير معطيات أحدث إلى برنامج لاستقبال نحو 35 ألف رأس، بهدف تشكيل القطيع الأول للمزرعة العملاقة.
وتعود جذور هذا المشروع إلى أبريل 2024، حين وقّعت الجزائر اتفاقًا مع شركة «بلدنا» القطرية لإنشاء مجمع متكامل لإنتاج الحليب في الجنوب الجزائري، باستثمار إجمالي يُقدّر بنحو 3.5 مليارات دولار، في إطار شراكة تمتلك فيها الشركة القطرية 51%، مقابل 49% للطرف الجزائري ممثلًا في الصندوق الوطني للاستثمار.
يعكس هذا التوجه سعي الجزائر إلى معالجة أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاعها الغذائي، والمتمثل في الاعتماد على استيراد كميات كبيرة من مسحوق الحليب لتلبية احتياجات السوق الوطنية، وما يترتب على ذلك من أعباء مالية مرتبطة بتقلبات الأسعار الدولية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
أما اختيار الأبقار الأمريكية، فيرتبط بالاعتماد على سلالات حلوب عالية الإنتاجية، ولا سيما سلالة «هولشتاين»، التي يُعوّل عليها لتأسيس قطيع قادر على دعم الإنتاج الصناعي واسع النطاق. ويتطلب ذلك توفير منظومة متطورة للتبريد والتغذية والرعاية البيطرية، بما يسمح بتكييف ظروف التربية مع المناخ الصحراوي وضمان استقرار الإنتاج.

لماذا تراهن الجزائر على الصحراء لتحقيق أمنها الغذائي؟
في هذا السياق، لم يكن اختيار ولاية أدرار اعتباطيًا، بل يندرج ضمن توجه استراتيجي لتوسيع الاستثمارات الفلاحية في الجنوب، والاستفادة من المساحات الزراعية الواسعة عبر أنظمة الري الحديثة، بهدف إنشاء منظومة إنتاج متكاملة تبدأ بزراعة الأعلاف والذرة، مرورًا بتربية الأبقار وإنتاج الحليب الخام، وصولًا إلى تحويله صناعيًا إلى مسحوق الحليب.
وتجسيدًا لهذه الرؤية، شهدت المنطقة تحضيرات ميدانية شملت تهيئة منشآت استقبال الأبقار بمطار أدرار، وتطوير موقع مصنع الحليب بتمقطن، إلى جانب مشروع إنجاز 490 حظيرة لتربية الأبقار بفنوغيل، وتجهيز المساحات الزراعية المخصصة لإنتاج الأعلاف، بما يعكس حجم البنية التحتية المطلوبة لإنجاح هذا الاستثمار.
على الصعيد الإنتاجي، تطمح الجزائر إلى بلوغ طاقة تقارب 1.7 مليار لتر من الحليب الخام سنويًا، وتحويل جزء كبير منه إلى نحو 194 ألف طن من مسحوق الحليب، وهي كميات يُتوقع أن تسمح بتغطية نحو نصف الاحتياجات الوطنية من هذه المادة عند بلوغ المشروع طاقته التشغيلية الكاملة، الأمر الذي قد يساهم في تقليص فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الصعبة.
ويستند هذا الرهان إلى تجربة شركة «بلدنا» القطرية، التي نجحت في تطوير منظومة متكاملة لإنتاج الحليب في ظروف مناخية حارة. غير أن المشروع الجزائري يتجاوز التجربة القطرية من حيث المساحات الزراعية المستهدفة وحجم القطيع والطاقة الإنتاجية المخطط لها، ما يجعله تحديًا استثماريًا وتقنيًا يتطلب تعبئة موارد بشرية ولوجستية كبيرة.
وبحسب الخطط المعلنة، يُرتقب أن يصل عدد الأبقار إلى نحو 270 ألف رأس عند اكتمال مختلف مراحل المشروع، بالتزامن مع تطوير المنشآت الزراعية والصناعية، تمهيدًا لرفع الإنتاج تدريجيًا خلال السنوات المقبلة.
اقتصاديًا، تتجاوز أهمية هذا الاستثمار حدود إنتاج الحليب، إذ يُنتظر أن يساهم في استحداث آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط قطاعات النقل والخدمات والصناعات الغذائية، فضلًا عن دعم المؤسسات المحلية وتطوير الخبرات الوطنية في مجال الزراعة الصحراوية وتربية الأبقار على نطاق صناعي.
وبالنظر إلى هذه المعطيات، فإن نجاح المشروع لن يُقاس فقط بعدد الأبقار المستوردة أو حجم الاستثمارات المرصودة، وإنما بمدى قدرته على تحقيق إنتاج مستدام وتنافسي، وتقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية، وإرساء صناعة وطنية متكاملة للحليب.
هكذا، تتحول رحلة آلاف الأبقار من السهول الأمريكية إلى رمال أدرار إلى أكثر من مجرد عملية نقل عابرة للقارات؛ إنها بداية اختبار اقتصادي وزراعي واسع النطاق، تسعى الجزائر من خلاله إلى إعادة رسم خريطة إنتاج الحليب، ووضع الصحراء في قلب معادلة الأمن الغذائي الوطني.
وبين طموحات الاستثمار وتحديات الطبيعة، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج فعلي ومستدام، بما قد يفتح فصلًا جديدًا في مسار الفلاحة الجزائرية خلال السنوات المقبلة.

















