من غرف التحرير في باريس إلى كراسي السلطة في الرباط
ن.ع
بوابة الجزائر الإخبارية:بينما يفترض أن تكون الانتخابات هي الفيصل في تحديد ملامح المشهد السياسي المغربي، يظهر الإعلام الفرنسي وعلى رأسه مجلة “جون أفريك” كقوة مؤثرة تتجاوز حدود الصحافة لتتحول إلى لاعب أساسي في صناعة الرأي، بل وفي رسم ملامح الحكومة المقبلة.

من خلال سلسلة من التقارير والمقالات، تبدو هذه المنابر وكأنها تمنح “شهادة عبور” لكل من يطمح إلى كرسي رئاسة الحكومة، في مشهد يطرح تساؤلات عميقة حول السيادة الوطنية، ودور الإعلام الخارجي في توجيه المسار السياسي لدولة مستقلة اسميا منذ عقود.
” منبر إعلامي أم منصة لتوزيع أدوار السلطة “
لا يخفى على المتابع للشأن المغربي أن مجلة “جون أفريك” تحوّلت منذ سنوات إلى منصة غير رسمية لإعلان نوايا السياسيين المغاربة الطامحين لرئاسة الحكومة.
فبدل أن يتوجه هؤلاء إلى وسائل الإعلام الوطنية لعرض برامجهم وأفكارهم أمام المواطن المغربي، نجدهم يهرولون نحو باريس لإجراء حوارات “استراتيجية” مع الصحافة الفرنسية، وكأن الرضا هناك شرط مسبق للقبول هنا.
هذه الظاهرة لا تقتصر على حزب أو تيار بعينه، بل تشمل وجوها من أحزاب مختلفة، من نزار بركة الذي تحدّث للمجلة عن “فريق الأحلام” لقيادة الحكومة، إلى فاطمة الزهراء المنصوري التي تم تقديمها كمرشحة جاهزة، مرورا بحفيظ العلمي الذي يسعى للعودة إلى الواجهة، وأخنوش الذي يسوّق نفسه بجيش من “الكفاءات” المعلّبة في مقابلات مصمّمة بعناية.

” الإعلام الفرنسي كأداة نفوذ سياسي “
النفوذ الإعلامي الفرنسي في المغرب ليس أمرا طارئا، بل هو امتداد لعقود من الارتباط السياسي والاقتصادي والثقافي بين البلدين، حيث ظلّت باريس تتعامل مع المغرب باعتباره فضاء تابعا لنفوذها الاستراتيجي. وإذا كان النفوذ الاقتصادي والسياسي معروفا، فإن الدور الإعلامي يبدو أكثر خطورة لأنه يتسلل إلى العقول ويؤثر في الرأي العام وصورة المرشحين، بل ويعطي انطباعا بأن مفتاح السلطة في الرباط يوجد في مكاتب التحرير بباريس.
هذا التموقع يخلق معادلة مشوهة، فالسياسي الذي يريد السلطة يسعى أولا إلى كسب ود الإعلام الفرنسي، ثم يوجّه رسائل ضمنية إلى النخب المغربية بأنه يحظى ب “الختم الباريسي”، قبل أن يباشر حملته الانتخابية في الداخل.
النتيجة أن العملية السياسية تتحول إلى مسرحية، حيث يحسم أمر البطولة قبل عرض المسرح.
” سيادة منقوصة ورهانات انتخابية معلبة”
حين يصبح الإعلام الخارجي هو المنصة الأهم للإعلان عن التطلعات السياسية، فإن ذلك يطرح سؤالا وجوديا حول مدى استقلالية القرار السياسي الوطني.
هل نحن أمام مشهد انتخابي حقيقي، أم أمام إعادة تدوير وجوه وأسماء وفق أجندة خارجية ترى في المغرب ساحة نفوذ يجب التحكم في مخرجاتها.
المفارقة أن الدستور المغربي ينص على أن الشعب هو مصدر السلطة، لكن الممارسة السياسية تكشف أن بعض السياسيين يعتبرون موافقة الإعلام الفرنسي شرطا لازما قبل الاحتكام لصناديق الاقتراع.














