إصلاح جذري لقطاع أنهكته الفوضى
ن.ع
بوابة الجزائر الإخبارية: في خطوة وصفت بالجريئة وغير المسبوقة، أعلن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون عن سلسلة من القرارات الحاسمة لتنظيم قطاع النقل، خلال اجتماع موسع انعقد بقصر المرادية.

وقد جاء هذا التحرك بعد سنوات طويلة ظل فيها القطاع مرادفا للاختلالات المزمنة، حيث شخّص الرئيس بوضوح الأعطاب التي أنهكت المنظومة، من قدم أسطول الحافلات وما يشكله من تهديد مباشر لسلامة ملايين المسافرين، إلى تفاقم حوادث المرور الناتجة عن التهاون في الرقابة وضعف التشريعات، وصولا إلى الفوضى التي أفرزتها بنية تنظيمية هشة.

القرارات التي اتخذها الرئيس تبون لم تقتصر على الجانب المادي المتمثل في استيراد 10 آلاف حافلة جديدة أو استبدال أكثر من 5400 مركبة تجاوز عمرها ثلاثة عقود، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة العلاقة بين مختلف الفاعلين في المنظومة، من مدارس تعليم السياقة إلى مؤسسات المراقبة التقنية، مع تحميل الجميع المسؤولية القانونية والأخلاقية عند وقوع الحوادث. والأهم أن هذه الحزمة الإصلاحية أدخلت لأول مرة مفهوم المسؤولية المشتركة، بحيث لم يعد السائق وحده في قفص الاتهام، بل تمتد المحاسبة إلى كل من قصّر في أداء مهامه، بدءا من الجهات المكلفة بصيانة الطرقات وصولا إلى أجهزة الرقابة.
هذا التوجه يعكس وعيا رسميا بأن أزمة النقل لم تعد مجرد مسألة خدمية يومية، بل قضية ترتبط بحق المواطن في التنقل الآمن وبقدرة الدولة على ضمان شروط العيش الكريم.
وبين استيراد الحافلات الجديدة وتشديد الرقابة وطرح تشريعات حديثة، تبدو الجزائر مقبلة على مرحلة مفصلية في إصلاح واحد من أكثر القطاعات حيوية وحساسية.
قرارات رئاسية عاجلة تبعث الروح في أسطول النقل
الاجتماع الأخير بقصر المرادية لم يكن كسابقه من اللقاءات الدورية التي تستعرض فيها التقارير الوزارية الروتينية، بل حمل في طياته قرارات وصفت بكونها “غير مسبوقة”. فقد أعلن الرئيس تبون عن استيراد فوري لعشرة آلاف حافلة جديدة لتجديد أسطول النقل الحضري وما بين الولايات، في خطوة تظهر أن الملف لم يعد يحتمل التأجيل أو البيروقراطية.
وزير النقل السعيد سعيود كشف من تمنراست أن ما لا يقل عن 5400 حافلة يفوق عمرها 30 سنة سيتم استبدالها خلال الأشهر الستة المقبلة، وذلك تنفيذا مباشرا لتعليمات الرئيس.
كما أوضح أن عدد الحافلات التي تجاوزت العشرين عاما يناهز 28 ألفا، وستعرف هي الأخرى عملية استبدال لاحقة ضمن خطة أشمل تستهدف تجديد نحو 84 ألف مركبة على دفعات.
لكن القرارات لم تقف عند حدود تحديث الأسطول المتهالك، بل شملت استيرادا مكثفا لأنواع العجلات المختلفة لضمان توفرها بأسعار معقولة، وهو إجراء يرتبط مباشرة بسلامة المركبات وتخفيض نسب الحوادث الناجمة عن تآكل العجلات.
وفي السياق ذاته، أعطى الرئيس الضوء الأخضر لسن تشريعات جديدة تخص رخص السياقة وكيفيات الحصول عليها، على أن تعرض على مجلس الوزراء المقبل للمصادقة.
من التهاون إلى الردع.. منطق جديد لمواجهة الحوادث
جاء هذا التوجه منسجما مع خطورة الوضع القائم، بالنظر إلى الأرقام الصادمة لحوادث المرور التي تحصد سنويا آلاف الأرواح وتكبد الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة .
الجديد هذه المرة هو الانتقال نحو تحميل المسؤولية المدنية لكل الأطراف المتسببة في الحوادث، وليس السائق فقط.
بموجب القرارات الأخيرة، سيُحال السائقون على المراقبة الدورية ، مع تكثيف مراكز الرقابة للكشف عن احتمالية تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية.
لكن الأهم هو إدخال أطراف جديدة في دائرة المحاسبة، مثل مدارس تعليم السياقة التي لم تعد معفية من المسؤولية إذا ثبت تقصيرها في تكوين السائقين، ومؤسسات المراقبة التقنية التي تتحمل جزءا من العواقب إذا سمحت بخروج مركبة غير مؤهلة إلى الطريق.
حتى الهيئات المكلفة بصيانة الطرقات ستكون تحت طائلة المساءلة في حال كان الإهمال سببا في وقوع الحوادث.
قرارات الرئيس تُعيد رسم ملامح النقل وتضع المواطن في الصدارة
قال الخبير والمستشار الاقتصادي عبد القادر سليماني في تصريح لـ “بوابة الجزائر“، إن القرارات التي أعلنها رئيس الجمهورية في قطاع النقل جاءت في وقتها المناسب، وتعد غير مسبوقة من أجل إحداث نقلة نوعية.

وأوضح سليماني أن من أبرز هذه القرارات الاستيراد الفوري لعشرة آلاف حافلة جديدة لتعويض القديمة، وهو ما يندرج ضمن الاستراتيجية الوطنية لتطوير النقل البري، خاصة النقل الحضري وشبه الحضري.
وأضاف أن هذا التوجه يتكامل مع القرار الأخير القاضي بإخراج الحافلات التي تجاوز عمرها ثلاثين سنة من الخدمة، على أن تشمل المرحلة الثانية الحافلات التي يتجاوز عمرها عشرين سنة.
وأكد المتحدث أن عملية الاستيراد ستتم وفق دفتر شروط محكم تشرف عليه وزارة الصناعة، مع توقع إدخال علامات عالمية معروفة بجودتها ونوعيتها.
كما شدد على أن القرارات شملت أيضا الاستيراد الفوري والمكثف للعجلات بمختلف أنواعها، سواء الخاصة بالمركبات أو الحافلات أو الشاحنات والسيارات، معتبرا أن ذلك يستجيب لمطلب شعبي طال انتظاره، خاصة بعدما كان غلق استيراد العجلات سببا مباشرا أو غير مباشر في ارتفاع حوادث المرور.
وأشار سليماني إلى أن “المرحلة اليوم لم تعد تسمح بقرارات عشوائية قد تمس حياة المواطن، بل نحن أمام توجهات قائمة على مؤشرات دقيقة ومرتكزات اقتصادية واضحة”.
وأضاف أن رئيس الجمهورية يثبت مرة أخرى أنه مستمع لانشغالات المواطن، ويجعل منه أساس كل السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي ترمي إلى ضمان العيش الكريم للأسرة الجزائرية وتحريك العجلة الاقتصادية.
وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن الاجتماع الأخير يحمل دلالة إنسانية واضحة، حيث برهن رئيس الجمهورية على قربه من المواطن وانشغالاته اليومية، خصوصا في قطاع النقل الذي يمثل شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
كما عبّر عن أمله في أن يشهد المستقبل رؤية استشرافية مبنية على قواعد علمية وعملية، خاصة في ميادين الإنشاءات والصناعات الميكانيكية وصناعة الحافلات والشاحنات والمركبات، مع إشراك القطاع الخاص والمؤسسات الناشئة والصغيرة.




































