المحامي توفيق هيشور :رفع التحفظ الجزائري على المادة 15 فقرة 4 من اتفاقية سيداو خطوة قانونية لها وزن سياسي ودبلوماسي
بوابة الجزائر الإخبارية: رفعت الجمهورية الجزائرية رسميا تحفظها على الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” لعام 1979، التي تتيح منح المرأة حقوقا متساوية مع الرجل في حرية التنقل واختيار محل السكن والإقامة.
وصدر قرار رفع التحفظ في العدد الأخير من الجريدة الرسمية بموجب مرسوم رئاسي وقعه الرئيس عبد المجيد تبون.

وترى جمعيات ناشطة في مجال حماية حقوق المرأة أن هذه الخطوة ستسمح بتمكين المرأة الجزائرية من ممارسة حقها في اختيار محل إقامتها بحرية ودون تمييز.
رفع التحفظ الجزائري عن المادة 15 فقرة 4 من اتفاقية سيداو
وقال المحامي والناشط الحقوقي توفيق هيشور في منشور له على حسابه الرسمي”فايسبوك ” إن هذه الخطوة تطرح تساؤلات قانونية واجتماعية عميقة حول مدى انسجامها مع المنظومة التشريعية الوطنية، وبخاصة قانون الأسرة، وما يمكن أن يترتب عنها عملياً في الواقع الجزائري وشرح توفيق هيشور الموقف الجزائري من اتفاقية سيداو على النحو التالي :

خلفية عن اتفاقية سيداو والتحفظات الجزائرية
اتفاقية سيداو اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1979 باعتبارها المرجع الدولي الأبرز لحقوق المرأة، حيث تلزم الدول الموقعة باتخاذ التدابير القانونية والإجرائية للقضاء على كل أشكال التمييز.
الجزائر صادقت على الاتفاقية سنة 1996 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 96-51، لكنها وضعت تحفظات على عدة مواد لاعتبارها متعارضة مع أحكام الشريعة الإسلامية، أهمها:
• المادة 2: إلغاء القوانين التمييزية (تحفظ بدعوى انسجام قانون الأسرة مع الشريعة).
• المادة 9 فقرة 2: جنسية الأبناء (رُفع التحفظ سنة 2008 بعد تعديل قانون الجنسية).
• المادة 15 فقرة 4: حرية اختيار محل السكن والإقامة.
• المادة 16: المساواة الكاملة في مسائل الزواج والعلاقات الأسرية (أبقت الجزائر التحفظ عليها).
ثانياً: مضمون المادة 15 فقرة 4 موضوع المرسوم الجديد
تنص المادة على أن:
“تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالقانون المتعلق بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل إقامتهم ومحل سكنهم.”
وبالتالي، فإن رفع التحفظ يعني اعتراف الجزائر رسمياً، وبلا استثناء، بحق المرأة في حرية التنقل واختيار السكن على قدم المساواة مع الرجل.

ثالثاً: التغيير القانوني والواقعي المترتب عن رفع التحفظ
- من الناحية الدولية:
الجزائر تصبح ملزمة أمام المجتمع الدولي بتنفيذ هذا الحكم في تشريعاتها وممارساتها، وإزالة أي تمييز قانوني أو عملي يقيّد المرأة في اختيار مكان السكن أو الإقامة. - من الناحية الدستورية:
دستور 2020 نصّ في ديباجته على التزام الجزائر بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ما يجعل الاتفاقيات الدولية أسمى من القوانين الوطنية، باستثناء ما تعارض منها مع “الثوابت الوطنية وأحكام الدستور”.
وهنا يثور التساؤل: هل ستعتبر حرية المرأة في اختيار السكن تعارضاً مع مبدأ “رئيس العائلة” الوارد في قانون الأسرة؟ - من الناحية التشريعية (قانون الأسرة):
• المادة 36 من قانون الأسرة (قبل تعديل 2005) كانت تنص صراحة على أن الزوج هو “رئيس العائلة” وله حق اختيار محل السكن.
• التعديلات اللاحقة قلّصت من هذه الصيغة لكنها لم ترفع عملياً السلطة المعطاة للزوج في تحديد محل الإقامة الأسرية.
• بعد رفع التحفظ، ستُطرح مسألة تعديل قانون الأسرة بما يتوافق مع المبدأ الجديد، بحيث يُمنح الزوج والزوجة الحق المتساوي في تقرير محل السكن. - من الناحية العملية والاجتماعية:
• قد تستند الزوجة قانوناً إلى الاتفاقية للمطالبة بحقها في اختيار السكن المستقل، سواء داخل إطار الزواج أو عند النزاعات الأسرية.
• هذا يمكن أن ينعكس على قضايا الحضانة، الطلاق، والنزاعات الأسرية أمام المحاكم، إذ يصبح القاضي مطالباً بتطبيق مبدأ المساواة في التنقل والسكن.
• من جهة أخرى، قد يثير القرار جدلاً مجتمعياً واسعاً، لكونه يمسّ بنية الأسرة الجزائرية التقليدية، حيث يُنظر إلى الزوج كمسؤول أول عن اختيار المسكن.
رابعاً: ما الذي تغير فعلياً وما الذي قد يتغير لاحقاً؟
• الذي تغير فعلياً: الجزائر رفعت رسمياً التحفظ على المادة 15 فقرة 4، أي أنها لم تعد قادرة على التذرع بالتحفظ لتبرير تقييد حرية المرأة في السكن والتنقل.
• الذي قد يتغير لاحقاً:

• ضرورة إدخال تعديلات على قانون الأسرة ليتماشى مع الالتزام الدولي.
• تعزيز دور القضاء في تكريس هذا الحق، حتى قبل تعديل النصوص، استناداً إلى سمو الاتفاقيات الدولية.
• بروز حالات قضائية جديدة قد تطالب فيها النساء بالاستقلال في اختيار السكن، حتى ضد رغبة الزوج أو الولي.
رفع التحفظ الجزائري على المادة 15 فقرة 4 من اتفاقية سيداو وفق المحامي توفيق هيشور خطوة قانونية لها وزن سياسي ودبلوماسي، تعكس رغبة الدولة في الانفتاح على المعايير الدولية لحقوق الإنسان ، لكنها في المقابل تضع المنظومة القانونية الوطنية أمام تحدٍ مباشر يتمثل في ضرورة التوفيق بين أحكام الشريعة التي يقوم عليها قانون الأسرة، وبين الالتزامات الدولية التي أصبحت نافذة وملزمة.
إن ما سيتغير لا يتوقف على نص الاتفاقية وحده، بل على مدى استعداد المشرع الجزائري لتعديل القوانين، وعلى مدى تكيّف القضاء مع هذه المعايير في التطبيق العملي
الجمعيات النسوية الجزائرية ترحب بالقرار

وتطالب الحركات النسوية الجزائرية منذ عقود برفع جميع التحفظات على الاتفاقية التي وقعت عليها في 3 سبتمبر 1981، ثم التصديق الفعلي عليها في 1996.
وكانت الجزائر قد رفعت في عام 2005 تحفظها الأول على الاتفاقية إثر تعديل قانون الجنسية السابق، الذي كان يقيد نقل الجنسية الجزائرية من الأم إلى أبنائها.
وبموجب قانون الجنسية الجديد، تم منح الحق للأم الجزائرية في نقل جنسيتها إلى أبنائها بنفس الشروط التي يملكها الرجل. ويطبق هذا التعديل على الأبناء المولودين لأمهات جزائريات، سواء داخل أو خارج الجزائر. وتم الإعلان عن رفع هذا التحفظ رسميا بموجب المرسوم الرئاسي رقم 08-426 الصادر بتاريخ 21 جانفي 2009.
ولا تزال الجزائر تتحفظ على بندين من اتفاقية “سيداو“، هما المادة 16 التي تعد من أكثر المواد إثارة للجدل، خاصة في الدول التي تعتمد التشريعات المستمدة من الشريعة الإسلامية، إذ تتعلق هذه المادة بالمساواة بين الرجل والمرأة في جميع الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، بما في ذلك عقد الزواج وأثناءه وعند فسخه.
أما المادة الثانية التي مازالت تخضع للتحفظ، فهي الفقرة 1 من المادة 29، التي تنص على أن أي خلاف ينشأ بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية، ولا يسوى عن طريق المفاوضات، يعرض بناء على طلب إحدى هذه الدول للتحكيم أو على محكمة العدل الدولية. وترى الجزائر في تحفظها أنه لا يمكن عرض أي خلاف من هذا القبيل للتحكيم أو إحالته على محكمة العدل الدولية إلا بموافقة جميع أطراف النزاع.


















