بوابة الجزائر الإخبارية: تتجلى الماكرونية، كنمط سياسي يجمع بين الخطاب الليبرالي والمناورات الاستعمارية الجديدة، في مواقف إيمانويل ماكرون وسياساته التي تكشف عن نزعة استعمارية مُقنَّعة، لقد أشار الكاتب يزيد بن هونات في مقاله إلى هذا البعد من خلال نقد دعم فرنسا للاستعمار المغربي في الصحراء الغربية والصهيوني في فلسطين، مُبرزًا كيف تُمثل هذه السياسات استمرارًا للنهج الاستعماري تحت مسميات حديثة. فالاستعمار الجديد (néocolonialisme) يتجسد في محاولات فرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية على الدول المستقلة، مثل الجزائر

يزيد بن هونات باحث في الأنثروبولوجيا
في مقال له على صفحات جريدة لوسوار دالجيري الناطقة بالفرنسية عدد الباحث بن يزيد بن هونات سقطات فرنسا في عهد ماكرون تجاه الجزائر مبرزا خلفيات حقد ساسة باريس تجاه كل ماهو جزائري ويقول في مقاله الذي ترجمته بوابة الجزائر “تعصف بفرنسا اليوم رياحٌ خبيثة، محمَّلة بنَفَسٍ نتنٍة من الكراهية للجزائر، رياحٌ لا تُفاجئ من تابع مسار الأحداث بعينٍ ثاقبة.
لقد سبق أن حذَّرتُ، بين عامي 2019 و2021، في كتاباتي الموجَّهة للقارئ الجزائري وفي مؤلَّفي “الحراك والدعاية الإعلامية في سياق ما بعد الاستعمار” (منشورات الأناب، 2021)، من خطابات الماكرونية الماكرة وسياساتها الداعمة للاستعمار المغربي في الصحراء الغربية والصهيوني في فلسطين.
فالجزائر، بثباتها وصمودها، تظل شوكةً في حلق النخبة الماكرونية وحلفائها، وفي خاصرة الإعلام الذي ينقل أصواتهم، بل وفي وجدان اليمين المتطرف الذي لا يزال يحنُّ إلى ليل الاستعمار الدامس.
تتفاقم هذه الكراهية للجزائر في ظل المأساة الإنسانية في فلسطين، حيث تُبرز تواطؤ قسمٍ كبير من النخب السياسية والإعلامية والاقتصادية الفرنسية عودةَ النزعات الاستعمارية المكبوتة.

لقد شهدنا، على مدى أشهر، كيف استيقظت الغرائز الدفينة لدى البعض، مستسلمين للطمع والعنف والكراهية العنصرية والنسبية الأخلاقية، على حد تعبير المفكر إيميه سيزار. وكشفت سكوت فرنسا، بل وتواطؤها مع الكيان الصهيوني الذي يرتكب الإبادة، عن عمق الانهيار الأخلاقي للحكومة الفرنسية الحالية ولجزء وافر من المشهد السياسي والإعلامي.
شخصيات مثل برونو ريتايو وكزافييه دريانكور، بتصريحاتهما البغيضة، ليست سوى قمة جبل الجليد.

لكن الجذور أعمق وأقدم، فمن ينسى زلة لسان إيمانويل ماكرون في 30 سبتمبر 2021، حين تساءل علنًا عن وجود أمة جزائرية قبل “الغزو” الفرنسي، منتقدًا ما سماه “الريع التاريخي” لمنظومة الحكم في الجزائر (يقصد الشرعية الثورية ” ؟
إنها جرأةٌ استعمارية متأصلة، تتجلى أيضًا في توقع ماكرون أن تُثير الاعترافات المتأخرة بمسؤولية فرنسا عن اغتيال موريس أودان، علي بومنجل، ولربي بن مهيدي – وهي قطرة في بحر الجرائم الاستعمارية غير المعترف بها – امتنانًا من المجتمع والحكومة الجزائريين، بل وفتحًا أوسع لأسواق بلاد الشهداء – رحم الله شهداءنا الأبرار!
أما تصريحات نويل لونوار، الوزيرة الفرنسية السابقة والداعمة المتحمسة لإسرائيل، التي وصفت ملايين الجزائريين في فرنسا بـ”الخطر” في خطابٍ عنصري صريح، فقد أثارت، ولحسن الحظ، ردود فعل قوية من عدة جماعات مناهضة للعنصرية. ولا ننسى أن هذه السيدة بدأت مسيرتها تحت لواء الحزب الاشتراكي، ثم انتقلت إلى يمين الوسط، لتستقر أخيرًا في معسكر ماكرون عام 2017، في تجسيدٍ صارخٍ لسياسة “في آن واحد”.
وفي ردٍ رمزي على التاريخ، وبعد مرور عام تقريبًا على تأييد ماكرون للسيادة المزعومة للمغرب على الصحراء الغربية (30 يوليو 2024)، وقَّع 114 محاميًا فرنسيًا، أعضاء في جمعية “من أجل العدالة في الشرق الأوسط”، في 22 يوليو 2025، طلبًا إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، يتهمون فيه إيمانويل ماكرون وفرانسوا بايرو ووزير الخارجية جان نويل بارو ووزير الدفاع سيباستيان ليكورنو، إلى جانب 19 نائبًا في لجنة الشؤون الأوروبية بالجمعية الوطنية، بالتواطؤ في الإبادة الجارية في غزة.
وتبرز أسماء مثل كارولين يادان، النائبة الماكرونية، في هذه القائمة.
نستذكر هنا إعلان يوآف غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، عن الإبادة في فلسطين يوم 9 أكتوبر 2023. وبعد اثني عشر يومًا فقط، شاركت يائيل براون-بيفيه، رئيسة الجمعية الوطنية الفرنسية، إلى جانب إريك سيوتي ونواب آخرين، في دعاية إسرائيلية، متجاهلين الجرائم المرتكبة.
وبعد ثلاثة أيام، في 24 أكتوبر، زار ماكرون القدس واقترح تعبئة التحالف الدولي ضد داعش لـ”محاربة حماس“، في خطوة تكشف عن تواطؤ محتمل مع خطط الإبادة.
إن الباحثين الشرفاء، الذين نبَّهوا مبكرًا إلى الإبادة في فلسطين، سيواصلون رصد تواطؤ الماكرونية وغيرها من القوى في فرنسا، التي رددت شعار “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” بينما كانت هذه الدولة تقصف شعبًا محتلًا منذ عقود، مُمهدةً بذلك لإبادته. ليس للجزائر، وللجزائريات والجزائريين، أن يتلقوا دروسًا من هؤلاء الاستعماريين الجدد وكارهي الجزائر، أو ممن يسعون لتلميع صورتهم.
ومن أجل فرنسا ذاتها، تلك التي ترفض الانهيار الأخلاقي والانزلاق نحو الفاشية، يجب دعم الجهود القانونية، سواء تلك التي تقودها جمعية “من أجل العدالة في الشرق الأوسط” ضد مسؤولين فرنسيين، أو تلك التي تخوضها النقابة الجزائرية ومنظمة “إس أو إس راسيزم” ضد نويل لونوار، أو دعوى المحامية خديجة عودية ضد برونو ريتايو.
ونعبِّر هنا عن إعجابنا ودعمنا لنضال المحامية خديجة عودية، مستذكرين انتصارها السابق في مواجهة مروجي أطروحة “من يقتل من؟”.
إن الجزائر، بتاريخها الناصع وكفاحها المتواصل، ستبقى صامدة في وجه هذه الرياح العاتية، رافعة راية العزة والكرامة، وفيةً لدماء شهدائها ولقضايا الحق والعدل.


















