بوابة الجزائر الإخبارية: أكثر من 70 ألف مغربي كانوا يتدفقون نحو سبتة الإسبانية بحثًا عن منفذ إلى أوروبا، فيما كان الملك محمد السادس يعبر في موكب احتفالي طريقًا شبه خالٍ خلال «عيد العرش». مشهد واحد كان كافيًا ليختصر المأزق المغربي كله: ملك محاط بمظاهر الولاء، وشعب يغامر بالموت هربًا من البطالة وانهيار الخدمات والوعود التي استهلكها البلاط حتى فقدت معناها.
بهذه المفارقة القاسية افتتحت مجلة «The Economist» مقالها الصادر في 15 سبتمبر 2026 تحت عنوان “Rocky Morocco – In Morocco, scandal is weakening the king’s shaky rule”، مقدمة واحدة من أشد القراءات الدولية انتقادًا لحكم محمد السادس، قبل ثمانية أيام فقط من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر.
لم تقدم المجلة المغرب باعتباره «استثناءً مستقرًا» كما تحاول الرباط تسويقه، بل رسمت صورة حكم يفقد تماسكه، وملك يتراجع حضوره، وأحزاب فقدت القدرة على التأثير، وأجهزة توسع نفوذها، وصحافة جرى تفريغها من دورها، في وقت يحتدم فيه الصراع داخل محيط القصر استعدادًا لخلافة لم تعد بعيدة عن الحسابات.
الانتخابات، في هذه الصورة، ليست بوابة لتغيير السلطة أو مراجعة الخيارات الكبرى، لأن من يصنعون القرار الحقيقي لا يترشحون ولا تظهر أسماؤهم في أوراق الاقتراع. سيختار المغاربة نوابًا وحكومة، لكنهم لن ينتخبوا الدائرة التي تحدد السياسات السيادية، وتتحكم في الملفات الأمنية والاقتصادية، وتقرر التحالفات الخارجية، ثم تترك للواجهة الحزبية مهمة تسويقها وتحمل فشلها.
موكب الملك في اتجاه.. والمغاربة في اتجاه آخر
لم يكن مشهد 30 جويلية مجرد تزامن بين احتفال رسمي وأزمة حدودية. كان انقسامًا كاملًا بين عالمين؛ عالم البلاط الذي يحيط الملك بالمواكب والرموز وصور الإجماع، وعالم الشارع الذي لم يعد يرى في بلاده فرصة كافية للبقاء.
وبحسب الأرقام التي أوردتها المجلة، توجه أكثر من 70 ألف شخص نحو سبتة بعد انتشار أخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي عن فتح الطريق إلى أوروبا، فيما قُتل نحو 100 شخص خلال محاولات العبور. ورغم اختلاف تقديرات الأعداد والحصيلة بين المصادر، تبقى الحقيقة السياسية عصية على التجميل؛ عشرات الآلاف اندفعوا نحو الحدود في واحدة من أضخم موجات الهجرة الجماعية، بينما كانت مؤسسات الدولة تحتفل بعيد العرش.
لم يسقط هؤلاء ضحية إشاعة عابرة وحدها، بل ضحية سنوات من انسداد الأفق. فالإشاعة لا تدفع عشرات الآلاف إلى البحر ما لم تجد مجتمعًا واسعًا مستعدًا لتصديق أن الخلاص قد يبدأ من فتحة مفاجئة في الحدود.
أما صمت القصر، وغياب شخصية رسمية رفيعة لتفسير الكارثة أو تقديم التعازي، فقد عمقا الإحساس بأن البلاد أمام سلطة تريد الولاء من المجتمع، لكنها تختفي عندما يحتاج المجتمع إلى جواب أو مساءلة.
ليس الهروب الجماعي من سبتة تفصيلًا منفصلًا عن الاقتصاد والسياسة، بل نتيجة مباشرة لنموذج يراكم الواجهات ويهمل الإنسان. وحين يفضل شاب المجازفة بالغرق على انتظار وعود الحكومة والبلاط، يصبح ذلك حكمًا قاسيًا على كل خطابات الاستقرار والإقلاع والتنمية.

ملاعب لعرض القوة ومستشفيات تكشف الحقيقة
بنت الرباط سرديتها الخارجية على صورة المغرب الحديث، المستقر، الجاذب للاستثمارات والقادر على استضافة أكبر التظاهرات الرياضية. غير أن هذه الصورة تتصدع بمجرد الانتقال من الملاعب والمطارات إلى المدارس والمستشفيات وسوق العمل.
وتضع السلطة مليارات الدراهم في البنية المرتبطة بمونديال 2030، من ملاعب وطرق ومطارات وقطارات ومرافق سياحية، بينما تعاني الخدمات الأساسية نقص الموارد وضعف الجودة والتفاوت بين الجهات. وبذلك لم تعد المشاريع الكبرى مجرد أدوات اقتصادية، بل تحولت إلى ديكور سياسي يلمع صورة البلاط ويخفي وراءه بلدًا لا يحصل جميع أبنائه على تعليم أو علاج يوازي حجم الأموال المعلنة.
المشكلة ليست في بناء ملعب أو توسيع مطار، وإنما في تقديمهما دليلًا على ازدهار شامل لا تؤيده حياة غالبية المواطنين. فالملعب لا يعالج بطالة الخريجين، والقطار السريع لا ينقذ مدرسة متعثرة، والفندق الفخم لا يعوض مستشفى بلا تجهيزات.
وحين تصبح صورة البلد أهم من مستوى عيش سكانه، يتحول الاستثمار العام إلى ماكينة دعائية. توضع المشاريع التي يراها العالم في المقدمة، وتؤجل الملفات التي لا تظهر في الصور الرسمية، ثم تخرج حاشية الملك لتقدم كل منشأة بوصفها ثمرة «الرؤية الملكية»، مع أن الشعب هو الذي يمولها بالضرائب والديون.
وأشارت «The Economist» إلى تراجع مستوى التعليم، ولا سيما لدى الفئة العمرية البالغة 15 عامًا، وإلى بطالة شبابية تدور حول الثلث. وتؤكد بيانات صندوق النقد الدولي عمق الاختلال، إذ بلغت بطالة الشباب 37.3% في 2025، ووصلت إلى 50.2% بين الشابات.
هذه ليست أرقام اقتصاد متعثر مؤقتًا، بل مؤشرات على نموذج ينجح في بناء الواجهة ويفشل في بناء الإنسان. فالنظام يستطيع جمع التمويل لمشاريع استعراضية، لكنه لا يستطيع منح أكثر من ثلث شبابه فرصة للعمل.
الوعود الرسمية بالتشغيل لم تعد تقنع حتى الفئة المستهدفة بها. وقبيل انتخابات 2026، لم تتجاوز نسبة المسجلين للتصويت 3% بين الشباب من 18 إلى 24 عامًا، وفق معطيات نقلتها رويترز. ويعني ذلك أن الأزمة لم تعد فقط بطالة في سوق العمل، بل بطالة سياسية أيضًا؛ جيل كامل لا يرى في المؤسسات القائمة قدرة على تغيير واقعه.
انتخابات بلا سلطة وأحزاب تحرس الواجهة
ستجرى الانتخابات في موعدها، وستُفتح المكاتب، وتتنافس القوائم، وتُعلن النتائج، لكن السلطة الحقيقية لن تنتقل. فالأحزاب المغربية، وفق الصورة التي رسمتها المجلة، ضعفت إلى درجة لم تعد معها الانتخابات قادرة على إنتاج تحول فعلي.
صناع القرار لا يحتاجون إلى خوض الحملة، لأن مواقعهم لا تتحدد بأصوات الناخبين. ولا يحتاج البلاط إلى الدفاع عن حصيلته أمام الجمهور، لأن الحكومة تتولى استقبال النقد، بينما يحتفظ القصر بحق إعلان النجاحات وتدشين المشاريع.
هكذا تحولت السياسة إلى مسرح تتغير فيه الوجوه وتبقى السلطة خارج الخشبة. يُسمح للأحزاب بالتنافس على إدارة الملفات اليومية، لكن الخطوط الحمراء والاختيارات الاستراتيجية تبقى في يد القصر وشبكاته.
إنها معادلة تمنح البلاط السلطة من دون المحاسبة، وتمنح الحكومة المحاسبة من دون السلطة. فإذا نجحت السياسة، احتكر القصر فضلها، وإذا فشلت، أُلقيت التبعة على الأحزاب والوزراء.
ولم يعد ضعف الحياة الحزبية عرضًا جانبيًا، بل أصبح أداة ضرورية لاستمرار الحكم بهذه الصيغة. فكلما ضعفت الأحزاب، اتسعت مساحة القصر. وكلما فقد البرلمان قدرته على الرقابة، تحولت التوجيهات الملكية إلى بديل عن السياسات العمومية والمؤسسات الدستورية.
وفي الوقت نفسه، تقلصت قدرة الصحافة على مساءلة النظام، بعدما كانت مساحات النقد أوسع. وتحدثت المجلة عن ملاحقة منتقدين بتهم جنسية، وعن اعتماد متزايد على الأجهزة الأمنية لضبط المجال العام.
وبذلك لم يعد المطلوب من الصحافة مراقبة السلطة، بل ترديد سرديتها، فيما تتحول الأسئلة بشأن صحة الملك وحضوره والصراعات المحيطة به إلى مناطق ممنوعة. أما الصحفي أو المعارض الذي يتجاوز الحدود، فيجد نفسه أمام ماكينة أمنية وقضائية لا تناقش نقده السياسي، بل تنقله إلى ملف شخصي أو أخلاقي يدمر سمعته.
ملك غائب ودولة تنتظر التعليمات
الأكثر خطورة في تقرير «The Economist» ليس انتقاد السياسات، بل ما أورده بشأن تراجع حضور محمد السادس نفسه في إدارة الأزمات. فالملك، رغم بلوغه 63 عامًا فقط، أصبح قليل التنقل داخل المملكة، بينما ينتظر مسؤولون توجيهات من القصر في لحظات تستدعي قرارًا سريعًا.
استعادت المجلة احتجاجات الشمال سنة 2016، وزلزال 2023، ثم كارثة الهجرة نحو سبتة، باعتبارها محطات ظهر خلالها التأخر أو الغياب أو الغموض في استجابة مركز الحكم.
هذه الصورة تضرب الأساس الذي بنى عليه النظام شرعيته. فإذا كان البلاط يحتكر القرار بحجة ضمان الاستقرار، ثم يغيب عندما تضرب الأزمات البلاد، فلماذا تظل المؤسسات المنتخبة مجرد واجهة؟ وكيف يمكن لدولة أن تعمل بكفاءة إذا كان مسؤولوها ينتظرون الإشارة من مركز لا يجيب؟
إن احتكار القرار مع غياب صاحبه لا يصنع دولة قوية، بل ينتج شللًا مؤسساتيًا. الوزير لا يبادر، والحكومة لا تتحرك خارج الحدود المرسومة، والأجهزة تملأ الفراغ، بينما يبقى المواطن آخر من يعرف ما يحدث.
وكلما تراجع حضور الملك، ازداد نفوذ الحاشية التي تتحرك باسمه. وعندها لا تعود السلطة مركزة فقط، بل تصبح غامضة أيضًا؛ فلا أحد يعرف بدقة من يقرر، ومن يعرقل، ومن يتحدث باسم القصر، ومن يستعد لحماية موقعه في مرحلة الخلافة.
التجسس يطارد النظام من داخله
ضمن هذه البيئة المشحونة، تناولت المجلة قضية شخص سمته «Safir»، قالت إنه موظف سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني فر إلى أوروبا حاملًا معلومات عن أشخاص يُشتبه في تعرضهم للمراقبة عبر برنامج تجسس إسرائيلي.
وتحدثت الروايات التي أوردها المقال عن عمليات قيل إنها أُديرت من موقع يسمى «Bureau 21»، وبمشاركة عناصر إسرائيلية، واستهدفت هواتف وكاميرات شخصيات داخل المغرب وخارجه. وذهبت بعض الادعاءات إلى الحديث عن استهداف الملك نفسه.
تبقى هذه المزاعم صعبة التحقق بصورة مستقلة، كما أوضحت المجلة، ولا يصح التعامل معها باعتبارها حقائق قضائية ثابتة. غير أن خطورتها السياسية لا تتوقف عند ثبوت كل جزئية، لأنها تكشف حجم الشك المتراكم داخل الأجهزة، ومدى تغلغل أدوات المراقبة الإسرائيلية في بيئة الحكم بعد التطبيع.
كما أن حديث المجلة عن استياء الرباط من حماية إسبانيا للشخص المذكور، وعن انشقاقات داخل المؤسسات المرتبطة بالنظام، يضع قضية التجسس ضمن صراع أوسع على النفوذ والمعلومات والمرحلة المقبلة.
فالنظام الذي يستخدم المراقبة لضبط خصومه قد يجد أدواته وقد تحولت إلى سلاح داخل أجنحته. وعندما تصبح الملفات الأمنية مادة في صراع الخلافة، لا يعود التجسس وسيلة لحماية الحكم، بل دليلًا على فقدان الثقة بين مكوناته.
الخلافة تفتح أبواب القصر على الصراع
رسمت المجلة صورة لدائرة ملكية تتقدم نحو مرحلة انتقال مضطربة، مع احتدام التنافس بين جناح المستشار فؤاد عالي الهمة، الصديق المقرب للملك وأحد أبرز رجال النظام، وبين محيط ولي العهد ووالدته سلمى.
ولا يمكن التحقق المستقل من التفاصيل الداخلية لهذه التوازنات، لكن مجرد تصاعد الحديث عنها يعكس أن السؤال بشأن من يحكم بعد محمد السادس لم يعد مؤجلًا، وأن الأجنحة بدأت تحصين مواقعها قبل فتح المرحلة رسميًا.
وتكمن الخطورة في أن الصراع لا يدور داخل مؤسسات دستورية واضحة، بل وراء جدران القصر وداخل الأجهزة وشبكات المصالح. فالمغاربة الذين سيصوتون في 23 سبتمبر لن يكون لهم أي دور في تحديد موازين الخلافة، رغم أن نتيجتها ستقرر مستقبل الدولة والسياسة والاقتصاد.
وهكذا تظهر هشاشة الحكم الذي يقدم نفسه بوصفه ضمانة للاستمرارية. فالاستقرار المبني على شخص واحد يتحول إلى مصدر اضطراب بمجرد تراجع حضوره، والمؤسسات التي أُضعفت لمصلحة القصر تعجز عن ملء الفراغ عندما يهتز مركزه.
العرش الذي يطلب الولاء ولا يقدم الحساب
لا تكمن قوة مقال «The Economist» في أنه صادر عن جهة «محايدة» بالمعنى المطلق؛ فالمجلة مطبوعة ذات خط تحريري ومواقف سياسية واقتصادية واضحة. وإنما تنبع أهميته من أن الانتقادات التي كان البلاط يستطيع وصفها سابقًا بأنها خطاب خصومه أصبحت تُنشر داخل وسائل إعلام دولية واسعة التأثير.
لقد بدأت الواجهة التي أنفق النظام سنوات في بنائها تتشقق. فخلف صورة المغرب المستقر يوجد شباب يهرب جماعيًا، وخلف مشاريع المونديال توجد مستشفيات ومدارس متعثرة، وخلف الانتخابات تقف سلطة لا تُنتخب، وخلف خطاب التحديث تتمدد الأجهزة، وخلف صمت القصر تحتدم معركة الخلافة.
أما محمد السادس، الذي احتكر البلاط في عهده صناعة القرار والصورة والفضل، فيواجه اليوم نتيجة المعادلة نفسها. فمن يريد أن تُنسب إليه النجاحات كلها، لا يستطيع الاختفاء عندما تتراكم الإخفاقات.
ولا يمكن لحاشية الملك أن تظل تردد أن كل مشروع ناجح جاء بفضل «الرؤية الملكية»، ثم تحمل الحكومة وحدها مسؤولية البطالة والهجرة وضعف التعليم وتراجع الصحة. فالسلطة والمسؤولية لا تنفصلان إلا في أنظمة تريد الحكم من دون حساب.
كانت صورة «عيد العرش» في 30 جويلية إعلانًا صامتًا عن هذا الانفصال. الموكب تحرك في طريقه، والشعب تحرك في الاتجاه المعاكس. الملك كان يحتفل باستمرار الحكم، وعشرات الآلاف كانوا يبحثون عن نهاية لانتظارهم.
إن أخطر ما يواجه البلاط ليس مقالًا دوليًا ولا انتخابات ضعيفة، بل فقدان القدرة على إقناع المغاربة بأن مستقبلهم موجود داخل المغرب. وحين يصل الحكم إلى مرحلة يطالب فيها الشعب بالولاء، بينما يرد الشعب بالهجرة أو العزوف أو الاحتجاج، تصبح الأزمة أعمق من أن تعالجها حملة انتخابية أو ملعب جديد أو خطاب مكتوب بعناية.
فالنظام الذي أضعف الأحزاب، وروض الصحافة، ووسع سلطة الأجهزة، واحتكر القرار، يجد نفسه اليوم بلا مؤسسات قوية تحميه من أزماته. والحاشية التي بنت حول الملك جدارًا من المديح صنعت في الوقت نفسه عزلة تمنع الحقيقة من الوصول إليه.
لهذا لا تعكس أزمة المغرب ضعف حكومة أو فشل حزب، بل مأزق حكم كامل. عرش يريد من الشعب أن يصدق صورة الاستقرار بعدما شاهد أبناءه يقتحمون البحر، ويريد منه أن يحتفل بالمونديال بينما تنهار ثقته بالمدرسة والمستشفى، ويريد منه التصويت لأحزاب يعرف الجميع أنها لا تملك القرار النهائي.
لقد انتهى زمن قدرة البلاط على إخفاء التصدعات بالصور والمواكب. فالملك الذي ظهر على طريق شبه خالٍ لم يكن محاطًا بالاستقرار، بل بالفراغ. أما الحشود الحقيقية، فكانت في مكان آخر، تتدافع نحو سبتة هربًا من مملكة تَعِدُ كثيرًا، وتحكم طويلًا، وتحاسب الجميع إلا نفسها.



















