بوابة الجزائر الإخبارية: تعيد الجزائر تنظيم مسار الاستثمار حول مركز قرار واحد، في محاولة لإنهاء واحدة من أكثر نقاط التعطيل تكرارًا في المشاريع: تعدد الإدارات، وتداخل الصلاحيات، وإمكانية إعادة تقييم القرار نفسه لدى أكثر من جهة. فالمرسوم الرئاسي الجديد لا يكتفي بإنشاء شباك موحد، بل يمنحه سلطة فعلية على مسار المشروع، ويضع آجالًا محددة للفصل في الملفات وتسليم الوثائق، ويجعل القرارات الصادرة عنه ملزمة لبقية الإدارات.
وبموجب المرسوم الرئاسي رقم 26-326 المؤرخ في 12 أكتوبر 2026، المنشور في العدد 72 من الجريدة الرسمية، يصبح الشباك الوحيد الوطني للاستثمار مؤسسة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتوضع تحت وصاية الوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، مع مقر في الجزائر العاصمة.
والتحول الأهم في النص لا يتعلق بالشكل التنظيمي، بل بطبيعة السلطة التي يمنحها للشباك. فالمادة الخامسة تجعله «المخاطب الوحيد والمدمج والحصري للمستثمرين»، بما يعني أن المستثمر يفترض أن يتعامل مع جهة واحدة في مختلف المراحل، من تسجيل المشروع والاستفادة من المزايا، إلى الحصول على التراخيص والعقار والشروع في الاستغلال.

هذه الصياغة تنقل مفهوم الشباك الوحيد من وظيفة الاستقبال والتنسيق إلى وظيفة اتخاذ القرار. وتتضح هذه النقلة أكثر في المادة 24، التي تجعل الوثائق والقرارات الصادرة عن أقطاب الشباك ملزمة للإدارات والهيئات المعنية، وتمنع إخضاعها لإجراءات شكلية إضافية أو لتقدير جديد لدى إدارة أخرى.
وهذا الحكم يعالج مباشرة واحدة من أكثر المشكلات التي ترفع الكلفة الزمنية للمشروع: حصول المستثمر على موافقة من جهة، ثم اضطراره إلى إعادة الملف لدى جهة ثانية لإعادة فحص القرار نفسه.
وبموجب التنظيم الجديد، لا تستطيع الإدارة الأخرى سحب القرار الصادر عن الشباك أو الطعن فيه إداريًا، ويصبح الاعتراض عليه من اختصاص القضاء.
اقتصاديًا، يعني ذلك تقليص ما يمكن وصفه بـمخاطر القرار الإداري؛ فالمستثمر الذي يبني تمويله أو عقوده أو طلبياته على ترخيص أو موافقة يحتاج إلى معرفة أن القرار لن يعاد فتحه بعد أسابيع أو أشهر لدى جهة أخرى.
25 يومًا للقرار و15 يومًا للترخيص
ويضع المرسوم لأول مرة رزنامة أكثر وضوحًا لمسار الملف. فمجلس الإدارة مطالب بالفصل في الملفات المؤهلة خلال 25 يومًا فيما يتعلق بالتسجيل والاستفادة من المزايا والتصريح بالتأهيل.
لكن هذه المهلة لا تسري بصورة مطلقة؛ إذ يتوقف احتسابها عندما يطلب استكمال الملف أو تقديم معلومات إضافية. وهذا يعني أن عامل الوقت سيظل مرتبطًا بدرجة اكتمال الملفات ونوعية المعطيات التي يقدمها المستثمر.
وبعد اتخاذ القرار، تنتقل الإجراءات إلى الأقطاب المختصة، التي تلتزم بتسليم التراخيص والوثائق اللازمة لتجسيد المشروع في أجل أقصاه 15 يومًا من تاريخ استلام الملف المتعلق بها.
أما قرارات الموافقة المسبقة الخاصة بإنشاء المؤسسات المصنفة من الفئات الأولى والثانية والثالثة، فحدد لها أجل أقصى يبلغ 20 يومًا.
وتكشف هذه الآجال أن المرسوم يميز بين مرحلتين مختلفتين: قرار قبول الاستثمار وتأهيله من جهة، وتسليم الوثائق التنفيذية التي تسمح بتجسيده من جهة أخرى.
وهذا التفريق مهم، لأن سرعة الموافقة لا تعني تلقائيًا سرعة الانطلاق في الأشغال إذا بقيت التراخيص والربط والعقار والاعتمادات خارج المسار نفسه.
ولهذا جمع النص هذه الوظائف داخل منظومة واحدة بدل معالجة كل منها في قناة مستقلة.
العقار والجباية والجمارك داخل المسار نفسه
ويستند النموذج الجديد إلى أقطاب متخصصة تضم ممثلين مفوضين عن الإدارات التي يحتاج المستثمر عادة إلى التعامل معها. وتشمل الاختصاصات تسجيل المشاريع، والعقار الاقتصادي، والجباية، والجمارك، والأملاك الوطنية، والتعمير، والاستغلال، والربط بالشبكات، والتشغيل والضمان الاجتماعي، إلى جانب العقود والاعتمادات والتراخيص.
ويحمل رؤساء الأقطاب رتبة مدير في الإدارة المركزية، ويتلقون التفويضات اللازمة للتوقيع والتصرف باسم السلطات التي يمثلونها.
وهذه النقطة هي التي تمنح الشباك قيمته العملية. فوجود ممثل عن إدارة ما داخل المؤسسة لا يختصر المسار إذا كان ملزمًا في النهاية بإعادة الملف إلى إدارته الأصلية لاتخاذ القرار. أما عندما يكون ممثل الجهة مفوضًا بالتوقيع، فإن مركز القرار ينتقل فعليًا إلى داخل الشباك.
ومن هنا يصبح معيار نجاح التنظيم الجديد مرتبطًا بمدى فعالية هذه التفويضات في التطبيق اليومي، لا بمجرد جمع الإدارات في مكان واحد.
العقار يتحول إلى جزء من القرار الاستثماري
ويخصص المرسوم وزنًا كبيرًا للعقار الاقتصادي، وهو ما يعكس إدراكًا بأن المشروع لا يتعطل دائمًا عند مرحلة الترخيص، بل كثيرًا ما يتوقف عند مرحلة العثور على وعاء عقاري مناسب أو استكمال إجراءاته.
ويتولى الشباك تشكيل حافظة عقارية موجهة للاستثمار، تضم أملاك الدولة والأملاك الخاصة القابلة لاستقبال المشاريع، إضافة إلى إنشاء وتهيئة مناطق صناعية.
كما يتولى تحديد المشاريع المؤهلة للاستفادة من العقار ومراعاة طبيعة النشاط وموقعه، ويضع بنك معطيات عن الوفرة العقارية ينشر عبر المنصة الرقمية للمستثمر.
ويدخل مجلس الإدارة بدوره في قرارات اقتناء العقار الاقتصادي وتحديد وجهة الأوعية ومعايير منحها، إضافة إلى طلبات تحويل الامتياز إلى تنازل.
ويمنح النص الشباك كذلك إمكانية ممارسة حق الشفعة باسم الدولة على العقارات الخاصة القابلة لاحتضان مشاريع استثمارية وفق التشريع المعمول به.
بهذه الصلاحيات، لم يعد العقار ملفًا منفصلًا عن قرار الاستثمار، بل أصبح جزءًا من عملية التأهيل نفسها.
وهذا يعالج فجوة كانت تظهر عندما يحصل المستثمر على قبول لمشروعه من دون ضمان توفر العقار الملائم لتنفيذه.
منطق جديد في تقييم المشاريع
ولا يعمل الشباك وفق مبدأ التسجيل الآلي لكل مشروع. فالرئيس المدير العام مطالب بإبداء رأي مسبق في ملاءمة المشروع، وتوفر العقار، ودرجة تشبع النشاط قبل عرضه على مجلس الإدارة.
كما ينظر المجلس في قائمة النشاطات ذات الأولوية، والنشاطات التي يمكن وقف تسجيلها، ومدى قابلية المشاريع للإنجاز، إلى جانب المعايير المعتمدة في تقييمها.
ويشير ذلك إلى أن التنظيم الجديد يجمع بين هدفين متوازيين: تسريع القرار، ورفع انتقائية الاستثمار.
فالدولة لا تريد فقط اختصار الزمن الإداري، بل توجيه الموارد والعقار والمزايا نحو المشاريع التي تعتبرها أكثر قابلية للتنفيذ أو أكثر توافقًا مع الأولويات الاقتصادية.
وهنا يظهر جانب تحليلي مهم: سرعة الإجراءات لا تعني تخفيف التقييم، بل إعادة تنظيمه داخل نقطة قرار واحدة.
الرقمنة تصبح بوابة الملف
وتبدأ معالجة الطلبات عبر المنصة الرقمية للمستثمر، حيث تودع الملفات وتخضع للدراسة التقنية قبل إحالتها إلى الرئيس المدير العام، ثم إلى مجلس الإدارة بالنسبة إلى المشاريع المؤهلة.
وهذا المسار يجعل الرقمنة جزءًا من البنية القانونية للقرار وليس مجرد خدمة مرافقة. كما يسمح ربط المنصة ببنك المعطيات العقارية وبطاقة محينة للإنتاج الوطني بتجميع معلومات كانت موزعة بين أكثر من إدارة.
ويمكن لهذا الدمج أن يرفع جودة تقييم المشاريع إذا استُخدمت البيانات في قياس تشبع السوق، وتوفر العقار، والحاجات الصناعية، بدل الاعتماد فقط على الوثائق التي يقدمها المستثمر.
ولا ينتهي دور الشباك بعد إصدار الموافقات. فالمؤسسة مكلفة بمتابعة تقدم المشاريع ميدانيًا والتحقق من احترام المستثمرين للالتزامات المرتبطة بالمزايا والقرارات التي حصلوا عليها.
وتتولى المفتشية متابعة المشروع في مختلف مراحله وتقييم عمل هياكل الشباك نفسه، مع إمكانية الاستعانة بهيئات أخرى وإنشاء لجان تفتيش مشتركة.
وهذا يربط المزايا والقرارات التي تمنح في البداية بمتابعة التنفيذ لاحقًا. وبالتالي، فإن المرسوم لا يبني فقط منظومة أسرع لمنح الموافقات، بل منظومة أكثر قدرة على تتبع ما إذا كان الاستثمار المعلن يتحول فعلًا إلى منشأة وإنتاج ونشاط.
الانتقال من الوكالة إلى الشباك
وتولي الأحكام الانتقالية أهمية لمنع توقف معالجة الملفات أثناء الانتقال إلى الهيكل الجديد. فتواصل الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار ممارسة مهامها إلى غاية دخول الشباك حيز الخدمة، مع الحفاظ على المزايا والقرارات التي اكتسبها المستثمرون بصورة قانونية.
كما ينظم النص جرد الملفات الموجودة لدى شباك المشاريع الكبرى والاستثمارات الأجنبية والشبابيك اللامركزية، وتحويلها وفق رزنامة مشتركة بين المؤسستين.
وتُنقل كذلك البيانات وأنظمة المعلومات والأرشيف والتجهيزات والموارد البشرية والوسائل اللازمة لممارسة الصلاحيات الجديدة.
وهذه المرحلة ستكون حاسمة لأن أي تأخر في نقل الملفات أو تضارب بين الهيكل القديم والجديد يمكن أن يعيد إنتاج المشكلة التي يستهدف المرسوم حلها.
الاختبار الحقيقي في التنفيذ
ويحمل المرسوم تحولًا واضحًا في فلسفة إدارة الاستثمار: تقليل عدد مراكز القرار، تحديد آجال قابلة للقياس، وتجميع الترخيص والعقار والجباية والجمارك والربط والمتابعة داخل مؤسسة واحدة.
لكن القيمة الاقتصادية لهذه الهندسة لن تقاس بالنص وحده.
فالأجل البالغ 25 يومًا يفقد معناه إذا تكررت طلبات استكمال الملفات بصورة غير مضبوطة. وأجل 15 يومًا لا يختصر المشروع إذا لم يمتلك ممثلو الأقطاب التفويض الفعلي للتوقيع. وقوة القرار لا تحقق أثرها إذا استمرت الإدارات خارج الشباك في إنتاج مسارات موازية.
لذلك، سيكون المؤشر الحقيقي لنجاح التنظيم الجديد هو الزمن الفعلي بين إيداع المشروع وبدء تنفيذه، وليس فقط الزمن القانوني بين تسجيل الملف وصدور الموافقة.
ويضع المرسوم، من هذه الزاوية، أساسًا مختلفًا لمعالجة الاستثمار في الجزائر: القرار الإداري يصبح موحدًا، والعقار يدخل في صلب التأهيل، والوثيقة الصادرة عن الشباك تصبح ملزمة، فيما تنتقل الرقابة من مرحلة تعطيل الموافقة إلى مرحلة متابعة تنفيذ المشروع. وإذا انعكس ذلك فعليًا على آجال الإنجاز، فإن الأثر الأهم لن يكون إنشاء مؤسسة جديدة، بل تقليص الكلفة الزمنية والإدارية للاستثمار نفسه.





























