غليان شعبي يهدد ماكرون و قصر “الإليزيه”
ن.ع
تشهد فرنسا هذه الأيام واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاجتماعية منذ نشأة الجمهورية الخامسة سنة 1958، أزمة لم تعد تقتصر على سقوط حكومة أو فشل رئيس في تمرير أجندته داخل الجمعية الوطنية، بل تجاوزت ذلك إلى جوهر النظام نفسه ومشروعيته في أعين قطاعات واسعة من الشعب.
ففي شوارع باريس والمدن الكبرى، تتردد هتافات تدعو إلى عزل الرئيس إيمانويل ماكرون رمزيا واقتحام قصر الإليزيه، في مشهد ينذر باهتزاز صورة الدولة الفرنسية التي لطالما وصفت بأنها معقل الديمقراطية الأوروبية.

فالانتشار الأمني الكثيف، ونشر المدرعات على مداخل القصر الرئاسي، يعكس حالة الاستنفار القصوى، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا خطيرا: هل دخلت الجمهورية الخامسة مرحلة الانهيار التي دخلتها قبلها الجمهورية الرابعة قبل أكثر من ستة عقود.
الأزمة الحالية بدأت برلمانيا، حين صوتت الجمعية الوطنية ضد حكومة فرانسوا بايرو، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ ستينيات القرن الماضي، لكن ارتداداتها تجاوزت البرلمان لتصل إلى الشارع.
وما بين سقوط الحكومة وتعيين وزير الدفاع السابق سيباستيان لوكورنو رئيسا للوزراء، تبدو محاولات ماكرون لإنقاذ الموقف مجرد مسكنات سياسية عاجزة عن إخماد الغليان الشعبي أو استعادة ثقة القوى الحزبية الكبرى.
رئيس لا يحكم بل يستهلك الحكومات
لم يعد السؤال في فرنسا يتمحور حول من سيقود الحكومة المقبلة، بل حول ما إذا كان الرئيس ماكرون لا يزال قادرا فعلا على الحكم.
فمنذ الانتخابات التشريعية المبكرة، التي لم تفرز أغلبية حزبية واضحة، يعيش قصر الإليزيه حالة من الشلل السياسي.
كل حكومة جديدة يجد الرئيس نفسه مضطرا للدفاع عنها أمام برلمان منقسم إلى ثلاث كتل كبرى على الأقل، فيما يظل خطر حجب الثقة قائما كالسيف المسلط فوق رؤوس رؤساء الوزراء.
فمنذ بداية ولايته الرئاسية الثانية في 2022، استهلك ماكرون خمسة رؤساء وزراء.
هذه السرعة في تغيير الحكومات تعكس عمق الأزمة البنيوية داخل الجمهورية الخامسة، حيث لم يعد الرئيس قادرا على فرض أجندته التشريعية، ولا حتى على تمرير إصلاحاته الاقتصادية والاجتماعية.
سقوط حكومة بايرو لم يكن مجرد حدث عابر، بل رسالة واضحة بأن الأغلبية البرلمانية لم تعد في متناول يد الرئيس، وأن أي محاولة لتشكيل حكومة جديدة لن تكون أكثر من مسرحية قصيرة العمر تنتهي بالانهيار.
المعضلة لا تتوقف عند حدود الأرقام البرلمانية، بل تتعداها إلى فقدان الثقة الشعبية.
فالشعب الفرنسي يرى في كثرة تغيير الحكومات دليلا على ضعف القيادة، وعجز السلطة التنفيذية عن تقديم حلول حقيقية للأزمات المتراكمة، من تضخم الأسعار إلى تراجع القدرة الشرائية، ومن تزايد البطالة إلى هشاشة النظام الاجتماعي.
وعليه، فإن ماكرون يبدو اليوم رئيسا محاصرا، يتآكل رصيده السياسي يوما بعد آخر، بينما تتصاعد أصوات تطالب باستقالته باعتبارها الحل الوحيد للخروج من الدوامة.
نسخة جديدة من “الماكرونية” بلا حلول
لم يكن اختيار سيباستيان لوكورنو وزيرا أول مفاجئا، فقد اعتاد ماكرون أن يحيط نفسه برجال يثق في ولائهم المطلق. لوكورنو، الذي شغل منصب وزير الجيوش ، يعتبر من أكثر الشخصيات قربا من الرئيس، ما جعله الخيار الطبيعي لتولي رئاسة الحكومة بعد سقوط بايرو.
غير أن هذا التعيين سرعان ما أثار موجة من الانتقادات، ليس لأنه يفتقر إلى الكفاءة، بل لأنه ينظر إليه باعتباره نسخة جديدة من “الماكرونية” التي وصلت إلى طريق مسدود.
فالسياسات التي انتهجها ماكرون منذ وصوله إلى الحكم، القائمة على مزيج من الليبرالية الاقتصادية والتوجهات الاجتماعية الأقرب إلى اليمين، لم تعد قادرة على إقناع الفرنسيين.

فالأزمات الاقتصادية المتكررة، وارتفاع المديونية، وتدهور القدرة الشرائية، كلها عوامل جعلت الشارع يفقد ثقته في “المشروع الماكروني“، وبالتالي فإن جلب شخصية مثل لوكورنو، الملتصق تماما بخيارات ماكرون، لا يعد في نظر المراقبين سوى إعادة تدوير لنفس النهج الفاشل.
المعضلة تكمن في أن لوكورنو لا يملك قاعدة شعبية مستقلة، ولا رصيدا سياسيا يمكنه من فرض نفسه كوسيط قادر على جمع الأطراف المتنازعة.
هو رجل تكنوقراطي في المقام الأول، خبر دهاليز وزارة الدفاع، لكنه لم يختبر في إدارة الصراعات السياسية المعقدة أو التفاوض مع كتل برلمانية متنافرة.
وبالتالي، فإن قدرته على استقطاب الأضداد تبدو شبه منعدمة.
إضافة إلى ذلك، فإن صعود اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان يجعل مهمة أي رئيس وزراء جديد شبه مستحيلة.
فالمشهد البرلماني لا يترك مجالا للمناورة: إما الدخول في تحالفات هشة سرعان ما تنهار، أو مواجهة خطر السقوط عبر حجب الثقة. ومع لوكورنو، الذي يمثل “استمرارية الماكرونية” أكثر من أي شيء آخر، تبدو فرص تجاوز الأزمة محدودة للغاية.

الإليزيه بيد “مراهقين سياسيين”

قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ، الدكتور عز الدين نميري في تصريح لـ”بوابة الجزائر“، إن ما تشهده فرنسا اليوم لا يمكن اعتباره مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو مؤشر على اهتزاز عميق في أسس الجمهورية الخامسة، قد يفتح الباب أمام مشهد شبيه بأحداث 1968 التي انتهت بسقوط الجنرال ديغول.
وأوضح نميري أن الأزمات في فرنسا تسلسلت منذ اعتلاء الرئيس إيمانويل ماكرون سدة الحكم، بدءا من احتجاجات “السترات الصفراء”، مرورا بجائحة كورونا وما رافقها من انهيار اقتصادي وتسريح جماعي للعمال، وصولا إلى تفاقم التوترات الاجتماعية بفعل سياسة “الباب المغلق” التي اعتمدها ماكرون برفض الحوار والإنصات لمطالب الشارع.
وأضاف أن الرئيس الفرنسي لجأ بدل ذلك إلى سياسة “الهروب إلى الأمام”، عبر افتعال خصومات مع بعض الدول، وعلى رأسها الجزائر، في محاولة لصرف الأنظار عن الإخفاقات الداخلية.
وأكد المتحدث أن عجز حكومة بايرو عن إيجاد حلول ناجعة، وتوجهها إلى سياسات تمس مباشرة الحياة الاجتماعية والصحية للمواطن الفرنسي، من خلال رفع الضرائب وتقليص ميزانيات الصحة، دفع الشارع إلى التمرد والمطالبة برحيل الحكومة، وقد يتطور الأمر – بحسبه – إلى المطالبة برحيل ماكرون نفسه.
ورأى نميري أن فرنسا لم تدخل بعد مرحلة “الشيخوخة السياسية”، لكنها تعيش حالة من “تصحر الساحة السياسية”، حيث لم تعد قادرة على إنجاب قادة من طينة ميتران أو شيراك، بل أضحت ميدانا لـ”مراهقين سياسيين”، على حد وصفه، لا همّ لهم سوى إلهاء الرأي العام بقضايا مفتعلة.
وأشار محدثنا إلى أن مكانة فرنسا داخل منطقة اليورو تراجعت بشكل ملحوظ، وأن شعارات ثورتها باتت مهددة بالانهيار نتيجة خطاب الكراهية الذي تتبناه حكومة ماكرون، إلى جانب الاعتداءات التي استهدفت الجالية العربية والمسلمة.
وأبرز أن هذه السياسات ساهمت في تعزيز نفوذ اليمين المتطرف، الذي بدأ يرى في نفسه البديل المستقبلي لتولي قصر الإليزيه، محذرا من أن تداعيات ذلك ستكون وخيمة على فرنسا ومنطقة اليورو ككل.













