الغارديان : صراع خفي بين الصحافي والخوارزمية
بوابة الجزائر الإخبارية /وكالات : حسب تقرير نُشر في صحيفة “الغارديان” البريطانية، تتعامل غرف الأخبار حول العالم مع موجة متسارعة من التغيرات التي فرضتها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وسط مزيج من الترقب والقلق حيال مستقبل المهنة ، ماذا عن استراتيجية الجزائر في مجال التحول الرقمي وبالأخص في مجال الصحافة ؟

الذكاء الاصطناعي في الإعلام الجزائري: ثورة تكنولوجية واعدة واهتمام رسمي متزايد
يشهد الإعلام الجزائري تحولًا متسارعًا مع دخول الذكاء الاصطناعي (AI) كأداة مبتكرة تعزز جودة المحتوى وكفاءة العمل ، في ظل المنافسة الرقمية المتزايدة، بدأت مؤسسات إعلامية جزائرية تستكشف هذه التقنية لتحليل البيانات، وصياغة التقارير الإخبارية من بينها بوابة الجزائر الإخبارية ، التي ستطلق قريبا نسخة مطورة بالكامل بالذكاء الاصطناعي بهدف تصميم محتوى تفاعلي يستهدف الجمهور بدقة مع تحري أقصى درجات المصداقية .

وزير الاتصال الجزائري، محمد مزيان ومنذ حصوله على ثقة الرئيس تبون في حكومة العرباوي 2 أدلى بتصريحات لافتة حول الذكاء الاصطناعي (AI) تعكس وعيًا رسميا جزائريا عميقًا بأهميته وتحدياته في سياق الإعلام الوطني ،وسلط الوزير الضوء على كيفية استغلال هذه التقنية في تشويه صورة الجزائر، مشيرًا إلى أن “البعض يستعمل الذكاء الاصطناعي بغرض تحريف الحقيقة”.

تصريحات وزير الاتصال الجزائري حول الذكاء الاصطناعي .. تحول نوعي في تعاطي الجزائر مع التكنولوجيات الحديثة
تتجلى رؤية وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان في تحقيق توازن بين استغلال الذكاء الاصطناعي كأداة لتطوير المحتوى الإعلامي الجزائري والتصدي لمخاطره خاصة عند تحوله لأداة لتشويه صورة الجزائر وهي تصريحات وفق مراقبين تعكس حرصًا على تعزيز الإعلام الوطني ليكون رافدًا للتنمية الشاملة، مع الحفاظ على مصداقيته في مواجهة التقنيات الحديثة.

وبهذا، وضع محمد مزيان بقبعة وزير الاتصال الذكاء الاصطناعي في صلب النقاش حول مستقبل الإعلام الجزائري، فدعوته إلى استراتيجية واعية تجمع بين التكنولوجيا والأخلاق المهنية دليل على أن خارطة طريق الجزائر الإعلامية لها أهداف استراتيجية وتتجاوز المعطى الظرفي ،وكان وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان قد أكد في أكثر من مناسبة أن هناك حملات إلكترونية مدعومة بتمويل أجنبي تستخدم تقنيات سيبرانية متقدمة للترويج للأخبار السلبية عن البلاد، مما يستدعي يقظة إعلامية كبيرة

من جهة أخرى، لم يقتصر حديث الوزير الجزائري على الجانب السلبي للذكاء الاصطناعي في مجال تزييف الحقائق والتلاعب بالصور بل أبرز الدور الإيجابي المحتمل للذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجية التحول الرقمي التي يعتمدها القطاع ، ففي جلسة علنية بالمجلس الشعبي الوطني (البرلمان الجزائري ) يوم 9 يناير 2025، أكد مزيان عزم دائرته الوزارية على “كسب رهان التحول الرقمي“، مشيرًا إلى أن تطوير البنية التحتية الرقمية للمؤسسات الإعلامية الجزائرية يمكن أن يعزز جودة الخدمات ويوسع التواجد الرقمي، مما يجعل الإعلام الجزائري أكثر فاعلية وتأثيرًا

الذكاء الاصطناعي يساهم في تسريع جمع الأخبار من مصادر متنوعة، مما يتيح للصحفيين التركيز على التحليل والإبداع بدلاً من المهام الروتينية، كما يساعد في مكافحة الأخبار المزيفة عبر أدوات التحقق الآلي، وهو أمر بالغ الأهمية في عصر انتشار المعلومات المغلوطة. على سبيل المثال، يمكن لخوارزميات الـAI رصد الأنماط المشبوهة في المنشورات وتقديم تقارير فورية.
مع ذلك، تواجه هذه الثورة تحديات، أبرزها نقص الكوادر المدربة والتكلفة العالية لتطبيق التقنيات الحديثة. لكن الفرص تفوق العقبات، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضع الإعلام الجزائري على خارطة الابتكار العالمي، شريطة استثمار الحكومة والقطاع الخاص في هذا المجال.
يمثل الذكاء الاصطناعي بوابة لتطوير الإعلام الجزائري، لكنه يتطلب رؤية استراتيجية لتحقيق التوازن بين التكنولوجيا والعنصر البشري، لضمان إعلام متطور ذو مصداقية يخدم المجتمع.
وبينما يبرز توافق متزايد على إمكانات هذه التكنولوجيا، لا تزال هناك مخاطر كبيرة تلوح في الأفق، لعل أبرزها هو احتمال أن تتجاوز أدوات الذكاء الاصطناعي المؤسسات الإعلامية نفسها، وتصبح هي الوسيط الرئيسي بين الخبر والجمهور.
في أوائل آذار / مارس، أثار إعلان وظيفي جديد اهتمام الوسط الصحافي، إذ أعلنت شركة Gannett، الناشرة لصحيفة USA Today، عن حاجتها إلى “مراسل رياضي بمساعدة الذكاء الاصطناعي”. وقد رُوّج لهذه الوظيفة باعتبارها “في طليعة عصر جديد في الصحافة”، لكنها جاءت مشروطة بعدم الحاجة الى السفر أو إجراء مقابلات مباشرة. وعلّق المعلق الرياضي غاري تابهاوس بسخرية: “لقد كان الأمر ممتعاً ما دام مستمراً”.

الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار: فرصة أم تهديد؟
يُظهر التقرير الذي نشرته الغارديان أن التقدم السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أدخل غرف الأخبار في مواجهة مباشرة مع أسئلة وجودية حول مهنتهم.
فبينما أُتهم أحد مشاريع الذكاء الاصطناعي في مؤسسة إعلامية بتلطيف صورة جماعة “كو كلوكس كلان“، ساعدت أدوات أخرى بعض الصحافيين البريطانيين في تحقيق أكثر من 100 توقيع صحافي في يوم واحد.

ومع تصاعد الجدل، بدأ يتشكل إجماع حذر داخل الصناعة بشأن المهمات التي يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها بدقة في الوقت الراهن. غير أن المؤسسات الإعلامية، وفقاً لتقرير “الغارديان“، تدرك جيداً وجود “فيل في الغرفة”: ماذا لو قرر المستخدمون ببساطة التوجه إلى المساعدات الذكية بدلاً من متابعة الصحف والمواقع الإخبارية؟
كما عبّر أحد التنفيذيين في وسيلة إعلامية بريطانية: “أعتقد أن المعلومات الجيدة يمكن أن تزدهر في عصر الذكاء الاصطناعي، لكن علينا وضع القواعد بالشكل الصحيح في العامين القادمين، وإلا فسنكون جميعاً في مأزق”.

في دراسة حالة لافتة، أطلقت صحيفة “لوس أنجليس تايمز” أداة ذكاء اصطناعياً في آذار / مارس الماضي لتقديم وجهات نظر بديلة في المقالات الافتتاحية. لكن الأداة أثارت الجدل عندما وصفت “الكو كلوكس كلان” بأنها “ثقافة بروتستانتية بيضاء” تفاعلت مع التغيرات المجتمعية، ما بدا كأنه تقليل من طبيعة الجماعة الكارهة. ووفقاً للتقرير، قال أحد التنفيذيين الإعلاميين: “لقد أُعطيت الأداة مهمة إصدار أحكام لا يمكن توقعها منها”.

حتى شركة “أبل” اضطرت إلى إيقاف ميزة قامت بتلخيص عناوين أخبار BBC بشكل غير دقيق، مما يعكس التحدي الحقيقي في ضمان دقة ما تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي.
رغم هذه الإخفاقات، تشير “الغارديان” إلى أن الصحافيين ومطوري البرمجيات يعملون منذ سنوات على استكشاف الاستخدامات المثلى لهذه التكنولوجيا.
غالباً ما تتركز التطبيقات الحالية في إنتاج عناوين أو ملخصات لمقالات أصلية، وهي أمور يمكن المحررين البشريين التحقق منها بسهولة . مؤخراً، انضمت صحيفة The Independent إلى عدد من المؤسسات التي تنشر نسخاً كثيفة من مقالاتها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
كذلك بدأ بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى باختبار روبوتات محادثة تعتمد على أرشيفها الخاص، ما يتيح للقراء طرح أسئلتهم. ومع ذلك، فإن المحررين لا يمكنهم التأكد من دقة كل إجابة. فعلى سبيل المثال، أرفقت صحيفة “واشنطن بوست” ميزة “الشات بوت” الخاصة بها بتحذير ينص على: “هذا اختبار… نظراً الى أن الذكاء الاصطناعي قد يخطئ، يرجى التحقق من الإجابة من خلال مراجعة المقالات المرتبطة”.
تشير “الغارديان” إلى أن مدى قدرة المحررين على الإشراف بأمان على المحتوى الذي تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعي لا يزال موضع جدل. مجموعة Reach، التي تملك صحيفة Daily Mirror ومواقع محلية عدة، تستخدم أداة تُعرف باسم “Guten” لإعادة صياغة محتواها وتقديمه بطرق مختلفة الى جماهير متعددة. وقد ساهمت هذه الأداة في تسجيل عدد لافت من التوقيعات الصحافية؛ ففي يوم واحد، سجل أحد الصحافيين الإقليميين 150 توقيعاً أو توقيعاً مشتركاً عبر منشورات المجموعة.
ورغم أن الصحافي المعني لم يستخدم “Guten” بنفسه، إلا أن التقنية أُستخدمت لإعادة نشر عمله بصيغ مختلفة. وقد عبّر بعض الصحافيين في Reach عن مخاوفهم، لكن متحدثاً باسم المجموعة شدد على أن Guten “مجرد أداة يجب استخدامها بعناية”، وأضاف: “لقد حققنا تقدماً في تقليل الأخطاء ودعم العمل اليومي، مما أتاح للصحافيين التفرغ لمحتوى لم يكن ليُكتب أصلاً”.
وقد استخدمت شبكة USA Today المنطق نفسه لتبرير وظيفة “المراسل الرياضي بمساعدة الذكاء الاصطناعي”، قائلة: “من خلال الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، نحن قادرون على توسيع التغطية وتمكين صحافيينا من التركيز على تغطيات رياضية أكثر عمقاً”.
لكن ليس الجميع مقتنعين بذلك. فالمحرر السابق في The Independent، كريس بلاكهيرست، قال مؤخراً إنه “متشكك للغاية”، ويخشى أن يتم في الواقع “تحرير الموظفين للعمل في أماكن أخرى”.
الاستخدامات الخفية داخل غرف الأخبار
بحسب “الغارديان”، فإن الاستخدام الأكثر فعالية للذكاء الاصطناعي لا يحدث على العلن، بل خلف الكواليس، حيث يُستخدم لتحليل قواعد بيانات ضخمة. مؤسسات مثل “فايننشال تايمز”، و”نيويورك تايمز”، و”الغارديان” نفسها، تستكشف هذه التقنية. وقد ساعد الذكاء الاصطناعي في النرويج مثلاً في الكشف عن حالات إهمال شديدة من خلال تحليل أكثر من 1000 صفحة من وثائق المستشفيات.

تشمل الاستخدامات اليومية الأخرى: النسخ التلقائي، الترجمة، والاستماع الاجتماعي. فمثلاً، قامت منصة The News Movement، التي تستهدف جمهوراً شاباً، بتطوير أداة تتابع النقاشات الجارية على وسائل التواصل وتُعلم الصحافيين بها.
وقال ديون بيلي، رئيس المنتجات والتقنية في المنصة: “هذا يساعدنا على فهم المواضيع التي يتحدث عنها الناس في الوقت الحالي”. كما تحاول بعض المؤسسات مثل Der Spiegel استخدام الذكاء الاصطناعي التحقق من الحقائق.
القصص الإخبارية ..الذكاء الاصطناعي يقلب المعادلة في عالم الإعلام
تشير الأبحاث الأكاديمية، التي استشهد بها تقرير “الغارديان“، إلى أن المستقبل يتمثل في “تحويل تنسيقات القصص لتناسب الجمهور”، سواء على شكل نصوص مختصرة، أو تسجيلات صوتية، أو مقاطع فيديو. ويخطط حوالى ثلث قادة وسائل الإعلام الذين شملهم استطلاع معهد “رويترز” لدراسة الصحافة، لتجربة تحويل القصص النصية إلى فيديو.
وتتوافر بالفعل أدوات قادرة على تحويل لقطات طويلة إلى محتوى قصير قابل للمشاركة.

تهديد وجودي: الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للمحتوى
ومع كل هذا الابتكار، يبقى الخوف الأكبر – بحسب تقرير “الغارديان” – أن تحل روبوتات المحادثة الشخصية مكان المؤسسات الإعلامية كلياً. وقال أحد المسؤولين الإعلاميين: “ما يبقيني مستيقظاً ليلاً هو أن يُقحم الذكاء الاصطناعي نفسه بيننا وبين الجمهور”. وقد أثار إطلاق “غوغل” لما يُعرف بـ “وضعية الذكاء الاصطناعي”، الذي يقدم المعلومات من مصادر متعددة عبر روبوت محادثة، ذعراً واسعاً في الصناعة.
ويرى البعض أن التدخل الحكومي قد يكون الحل الوحيد. وفي الوقت نفسه، بدأ بعض المؤسسات الكبرى بتوقيع اتفاقات ترخيص مع شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، للسماح باستخدام محتواها في تدريب النماذج، في مقابل الإشارة إلى المصدر. “الغارديان” نفسها عقدت اتفاقاً مع “أوبن إيه آي“، فيما تقود صحيفة “نيويورك تايمز” دعوى قضائية ضد الشركة بسبب استخدام محتواها من دون إذن.
ورغم المخاوف، عبّر ديون بيلي عن تفاؤل حذر قائلاً: “إذا تركزت القوة في يد شركتين أو ثلاث، فستواجه الصناعة مشاكل حقيقية. علينا أن نتكيف مع الطرق الجديدة التي يصل بها الناس إلينا. هذه مجرد حقيقة”.


































