بقلم محمد قنديل : مدون و ناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل

بوابة الجزائر الإخبارية:القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر 2025 ليس سوى قشرة دبلوماسية تخفي تحتها واحدة من أبشع الصفقات التي عقدها النظام المغربي في تاريخه المعاصر؛ قرار وُلد ميتًا، بلا روح ولا أثر، لكنه كلّف المغاربة ما لا يُقاس من المال والكرامة والسيادة.. إنه تتويج لسلسلة تنازلات مخزية قادها المخزن تحت وصاية أمريكية وصهيونية مقابل إعتراف زائف من ترامب، إعتراف لا يسمن ولا يغني من جوع، لأن الإدارات الأمريكية تتغير ومصالحها وحدها تبقى.
الأسئلة التي تهربت منها الصحافة المروّضة في الرباط بسيطة ومخيفة في آن واحد.. كم دفع المغرب؟؟ وماذا منح مقابل هذا القرار العقيم؟؟ الإجابة واضحة.. مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب، وصفقات تسليح فاسدة، وأراضٍ في الصحراء الغربية فُوتت لشركات إسرائيلية تحت غطاء الإستثمار.
نعم تم تسليم آلاف الكيلومترات من تراب الوطن لليهود الصهاينة كي ينقّبوا عن الغاز والمعادن والطاقة، وأنشأوا مختبرات بيولوجية مشبوهة في الإقليم الصحراوي، بينما ينام أبناء الشعب في العراء ويبحثون عن لقمة عيش في حاويات القمامة.. كل ذلك مقابل صورة مبتسمة لبوريطة وهو يتحدث عن { إنتصار دبلوماسي } لم يره أحد.
الأخطر من المال هو الثمن السيادي.. لقد تحوّل المغرب إلى منصة متقدمة للنفوذ الأمريكي والصهيوني في شمال إفريقيا؛ قواعد عسكرية أمريكية تُقام في قلب الصحراء تحت مسمى { تعاون استراتيجي }، لكنها في الواقع قواعد مراقبة وتحكم، الموساد صار يتحرك بحرية من طنجة إلى الداخلة، والإستخبارات المغربية أُدمجت فعليًا ضمن منظومة التجسس الإسرائيلية، يبيعون بيانات المواطنين ويستعملون التراب المغربي كحديقة خلفية للمصالح الصهيونية.. في المقابل، يتبجح المخزن بأنه كسب { حليفًا قويًا } في واشنطن، بينما الحقيقة أنه تحوّل إلى تابع ذليل يُملى عليه ما يقول وما يوقع عليه.
إن ما يسمى { مغربية الصحراء } في الخطاب الرسمي لم تعد قضية وطنية بل بضاعة للمقايضة، يتم الإتجار بها في أسواق السياسة والمال، يُباع منها جزء مقابل صفقة سلاح، وجزء مقابل تغريدة من مسؤول أمريكي، وجزء مقابل صورة تذكارية مع جنرال صهيوني.. هذا هو الواقع الذي يحاول النظام تغليفه بشعارات الوطنية والشرعية التاريخية، لكن الحقيقة المُرة أن الصحراء الغربية لم تعد ورقة بيد المغرب، بل صارت سيفًا مسلطًا عليه، كلما ضعف النظام، رفع الأمريكان والإسرائيليون سكين الإبتزاز في وجهه.
قرار مجلس الأمن 2797 لم ولن يغيّر شيئًا؛ لم يعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، لم يمنح الحكم الذاتي أي شرعية قانونية، ولم يتضمن أي بند يخدم مصالح الشعب المغربي، ومع ذلك، خرج الإعلام المأجور ومعه حفنة من قطعان العياشة يحتفلون كما لو أن الأمم المتحدة منحت المغرب مفاتيح الصحراء.. إنها المسرحية نفسها تتكرر منذ نصف قرن، قرارات هزيلة، وبيانات نصر جوفاء، ومزيد من الإفقار والتبعية.
من يتحدث عن { مكاسب إستراتيجية } يكذب بوقاحة، المكسب الوحيد هو للكيان الصهيوني الذي وجد موطئ قدم رسمي في أفريقيا عبر بوابة الرباط، وللولايات المتحدة التي ضمنت قاعدة دائمة على تخوم الساحل.. أما المغرب، فقد فقد كل شيء :
ثرواته، كرامته، قراره الوطني، وحتى رمزية القضية الصحراوية التي كانت تجمع طيفا من المغاربة حولها.
أصبحنا أمام نظام لا يتردد في بيع الوطن لتثبيت عرشه، ولا يخجل من الركوع أمام الصهاينة مقابل تغريدة أو صورة أو وعد كاذب.
قرار 2797 هو شهادة وفاة لما تبقى من السيادة المغربية، هو الدليل القاطع على أن النظام لم يعد يملك سوى ورقة الإستسلام. إن الكارثة ليست في القرار الأممي ذاته، بل في العقلية التي جعلت من التطبيع ومن الخضوع وسيلة للحكم.. ما جناه المخزن هو وهم، أما ما خسره الشعب فهو الحقيقة الوحيدة.. وطن يُنهب، وممتلكات الغير تُباع { الصحراء الغربية}، وسيادة تُدفن تحت أقدام واشنطن وتل أبيب.
في النهاية، لم يكتفِ النظام المخزني بإغراق المغرب في الديون والفساد، بل تجاوز حدود الخيانة حين رهن الوطن بأكمله لقوى الإستعمار الجديد.
الملك وزمرته الأمنية والسياسية باعوا كل شيء :
باعوا ثروات المغرب للمضاربين الأجانب، وباعوا سيادته للموساد والبنتاغون، وباعوا الصحراء الغربية رغم أنها أرض الشعب الصحراوي وحقه التاريخي الذي لا يملكه أحد ليتصرف فيه، لم تبقَ قطعة من التراب ولا قطرة من البحر ولا ذرة من الكرامة إلا ووُضعت في المزاد مقابل حماية العرش وضمان رضا واشنطن وتل أبيب، لقد تحوّل القصر إلى مكتب خدمات للمصالح الإمبريالية، وتحولت الدولة إلى مقاولة للسمسرة السياسية.
هذه ليست دبلوماسية، إنها عملية بيع شامل لوطنين وشعبين، لن يغفرها التاريخ ولن يسكت عنها الأحرار، لا في المغرب ولا في الصحراء الغربية.
ملاحظة: الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر











