بوابة الجزائر الإخبارية: 3 شركات أمريكية كبرى، وملفان رئيسيان للاستكشاف والإنتاج، ومسار ثالث لنقل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؛ محاور تصدرت مباحثات مجمع سوناطراك في مدينة هيوستن الأمريكية، ضمن زيارة عمل يجريها الرئيس المدير العام نور الدين داودي إلى الولايات المتحدة من 12 إلى 16 أكتوبر 2026، بهدف توسيع الشراكات الدولية وتطوير الموارد النفطية والغازية الجزائرية وتعزيز القدرات التقنية للصناعة الطاقوية الوطنية.
وتأتي هذه التحركات في إطار توجه سوناطراك إلى تعميق التعاون مع الشركات الأمريكية المتخصصة في الاستكشاف والإنتاج والخدمات البترولية، من خلال برنامج لقاءات شمل إكسون موبيل (ExxonMobil) وديفون إنرجي (Devon Energy) وهاليبرتون (Halliburton)، بما يجمع بين البحث عن فرص استثمارية جديدة، ومواصلة تطوير شراكات قائمة، والاستفادة من الحلول التكنولوجية المتقدمة لتحسين الأداء التشغيلي.

وبحسب بيان المجمع المؤرخ في 14 أكتوبر 2026، استهدفت المحادثات توسيع التعاون في أنشطة المنبع، التي تشمل استكشاف موارد المحروقات وتقييمها وتطوير الحقول وإنتاج النفط والغاز، بالتوازي مع بحث استخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعي في العمليات البترولية، وتعزيز تكوين الكفاءات الجزائرية ونقل الخبرات والمعارف.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية اقتصادية بالنظر إلى طبيعة المؤسسات التي شملتها المباحثات، إذ تمثل إكسون موبيل وديفون إنرجي شركات متخصصة في استكشاف وإنتاج المحروقات، بينما تعد هاليبرتون من أبرز المجموعات العالمية في الخدمات البترولية وتطوير حلول الحفر والإنتاج والتكنولوجيا الرقمية. ويتيح الجمع بين هذه التخصصات تناول مختلف المراحل التقنية والاستثمارية اللازمة لتطوير الموارد الطاقوية.
وفي هذا السياق، استهل نور الدين داودي برنامج الزيارة يوم 12 أكتوبر بمحادثات مع مسؤولي إكسون موبيل، تمحورت حول فرص توسيع التعاون في الاستكشاف وتطوير وتثمين موارد النفط والغاز الجزائرية، استكمالاً للمسار الذي انطلق رسمياً بتوقيع مذكرة تفاهم بين الشركتين في 23 ماي 2024.
وتكتسي هذه الشراكة أهمية خاصة لارتباطها بحوضي أهنت وقورارة، اللذين شملتهما مذكرة التفاهم بهدف دراسة فرص تطوير الموارد الهيدروكربونية، بالاعتماد على الابتكار التكنولوجي والتميز التشغيلي والممارسات البيئية المستدامة. وكان نائب رئيس إكسون موبيل للاستكشاف والفرص الجديدة، جون أرديل، قد أكد عند توقيع الاتفاق أن الخبرة الجزائرية في تطوير المحروقات، إلى جانب القدرات التكنولوجية المتقدمة للمجموعة الأمريكية، توفر أساساً للتعاون في استغلال الإمكانات الطاقوية للبلاد.
وشهد هذا التعاون تطوراً إضافياً خلال سبتمبر 2025، عندما ناقش مسؤولو الشركتين، على هامش مؤتمر «غازتك»، تقدم أعمال لجنة التفاوض المكلفة بتحديد معالم عقد للمحروقات استناداً إلى اتفاق ماي 2024. وتوضح هذه المحطة أن محادثات هيوستن تندرج ضمن مسار تفاوضي وتقني بدأ قبل أكثر من عامين، وليس مجرد اتصالات أولية بين الطرفين.
وفي موازاة الشراكات المرتبطة بتطوير الموارد، خصص وفد سوناطراك يوم 13 أكتوبر لاجتماع مع مسؤولي هاليبرتون، تم خلاله استعراض الحلول الرقمية والتكنولوجيات الحديثة المستخدمة في الصناعة البترولية، إلى جانب بحث مجالات التعاون في الخدمات والتكوين وإدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة التشغيلية.
وشمل البرنامج زيارة منشآت تابعة للمجموعة الأمريكية والاطلاع على عروض تقنية تتصل بتحسين أداء العمليات البترولية. وتتيح مثل هذه الحلول معالجة البيانات الجيولوجية والتشغيلية، وتحسين التخطيط لعمليات الحفر، وتطوير إدارة المكامن، بما يمكن أن يساهم في تعزيز كفاءة الإنتاج والتحكم في التكاليف.
وتتزامن هذه المباحثات مع التوسع المتواصل لهاليبرتون في تطوير التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إذ عرضت الشركة خلال فعالياتها التكنولوجية في هيوستن، في ماي 2026، حلولاً تجمع بين البرمجيات والأتمتة وتحليل البيانات في الزمن الحقيقي، بهدف تحسين أداء الآبار ورفع الكفاءة التشغيلية. وتمثل هذه التقنيات أحد المجالات المطروحة لتعميق التعاون مع سوناطراك، دون أن يعني ذلك الإعلان عن اعتماد أنظمة محددة بموجب لقاءات أكتوبر.
ولا يقتصر التعاون بين سوناطراك وهاليبرتون على الخدمات التقنية، بل يمتد إلى تأهيل الموارد البشرية الجزائرية، حيث أعلنت المجموعة الأمريكية في 17 ماي 2021 منح تراخيص برمجية تعليمية متعددة الملايين من الدولارات لكل من جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين، وجامعة بومرداس، وجامعة ورقلة.
وشملت هذه المبادرة إتاحة استخدام منصة «DecisionSpace» التابعة لهاليبرتون، بما يوفر للطلبة والأساتذة أدوات متخصصة في معالجة البيانات الزلزالية والجيوفيزياء وعلوم الأرض والحفر والإنتاج وإدارة البيانات. وكانت الشركة قد حددت مدة التراخيص الأصلية بثلاث سنوات، في إطار برنامجها الدولي لدعم التكوين الهندسي والبحث العلمي، دون الإعلان عن استمرار صلاحية تلك التراخيص بعد انتهاء مدتها.
وتعكس هذه التجربة أحد أبعاد الشراكة التكنولوجية التي تسعى سوناطراك إلى تطويرها، من خلال ربط التعاون الصناعي بتأهيل الكفاءات الوطنية وتمكين الجامعات من استخدام أدوات متقدمة في التكوين والبحث التطبيقي، بما يدعم احتياجات قطاع المحروقات من المهندسين والمتخصصين في الجيولوجيا وتكنولوجيات الإنتاج.
أما المسار الثالث من زيارة هيوستن، فتمثل في المحادثات التي أجراها وفد سوناطراك مع شركة ديفون إنرجي يوم 13 أكتوبر، والتي ركزت على فرص التعاون في الاستكشاف والإنتاج وتطوير أنشطة المنبع، إلى جانب تحديد إمكانات استثمارية جديدة.
وتفتح هذه الاتصالات مجالاً لدراسة التعاون مع مؤسسة أمريكية تمتلك خبرة في تطوير موارد النفط والغاز، ضمن مسعى سوناطراك إلى توسيع شبكة شركائها الدوليين وتنويع الخبرات الصناعية والتكنولوجية التي يمكن توظيفها في المشاريع المستقبلية.
وتأتي هذه التحركات ضمن مسار أوسع لتعزيز جاذبية قطاع المحروقات الجزائري أمام المستثمرين الدوليين، مستفيداً من الإطار القانوني للاستثمار في الاستكشاف والإنتاج، ولا سيما القانون رقم 19-13 المتعلق بأنشطة المحروقات.
وكانت الجزائر قد حققت خلال جولة عروض التراخيص لعام 2024، التي أُعلنت نتائجها في جوان 2025، إسناد خمس رقع من أصل ست مطروحة للمنافسة، بمشاركة مجموعات طاقوية دولية. وشكلت الجولة أول منافسة دولية للاستثمار تنظم في إطار القانون الجديد، بما يعكس توجه السلطات نحو توسيع مشاركة الشركاء الأجانب في تطوير الموارد الوطنية.
ويعزز هذا السياق أهمية المحادثات التي أجرتها سوناطراك في الولايات المتحدة، إذ إن توسيع قاعدة الشراكات في أنشطة المنبع يتيح دراسة مشاريع جديدة، وتبادل الخبرات في تطوير المكامن، والاستفادة من التكنولوجيات المتقدمة، بما يدعم جهود المجمع لتطوير قدراته الاستكشافية والإنتاجية.
وعلى المستوى الاقتصادي، تكتسب الشراكات التكنولوجية بعداً لا يقل أهمية عن الاستثمارات المباشرة، بالنظر إلى دور الابتكار في تحسين مردودية الحقول وتطوير تقنيات الاستكشاف والتحكم في تكاليف العمليات البترولية. كما يساهم تكوين الموارد البشرية وتطوير الخبرات الوطنية في تعزيز القدرات التشغيلية للمجمع على المدى الطويل.
غير أن لقاءات هيوستن لم تتضمن، وفق المعطيات المعلنة، توقيع عقود استثمار جديدة أو الإعلان عن التزامات مالية أو أحجام إنتاج إضافية، إذ انصبت أساساً على تطوير التعاون القائم ودراسة فرص مستقبلية، تتحدد أبعادها الاستثمارية والتجارية وفق نتائج المفاوضات والاتفاقات اللاحقة.
وبذلك، تجمع زيارة سوناطراك إلى الولايات المتحدة بين ثلاثة مسارات متكاملة، تشمل متابعة الشراكة الاستكشافية مع إكسون موبيل، وتطوير التعاون التقني والرقمي مع هاليبرتون، وفتح محادثات استثمارية مع ديفون إنرجي، في إطار توسيع العلاقات الطاقوية الجزائرية الأمريكية وتعزيز الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الدولية في تطوير الموارد الوطنية.

















