بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد أزمة الوقود في فرنسا مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار المحروقات، بل بدأت تتحول إلى ضغط اجتماعي يطال تفاصيل الحياة اليومية لملايين الفرنسيين، في وقت تبدو فيه الحكومة عاجزة عن تقديم معالجة هيكلية للأزمة، مكتفية بإجراءات دعم مؤقتة لاحتواء تداعياتها.
وتكشف أحدث الأرقام حجم المأزق؛ فقد أصبح 17 مليون فرنسي، أي 31% من البالغين، في وضعية «هشاشة في التنقل»، بزيادة مليوني شخص مقارنة بعام 2024. وأظهر استطلاع Wimoov وIpsos BVA أن 48% من الفرنسيين اضطروا أحياناً إلى التخلي عن بعض التنقلات لتوفير المال، فيما اضطر 12% إلى التخلي عن نفقات صحية من أجل تمويل تنقلاتهم.

وفي موازاة ذلك، انهار استهلاك الوقود على نحو لافت، إذ تراجعت تسليمات المحروقات الموجهة للنقل البري بنسبة 6.6% خلال أغسطس، وبنسبة 5% منذ بداية العام مقارنة بالفترة نفسها من 2025. وتراجع استهلاك الديزل وحده بنسبة 9.2% في أغسطس.
واللافت أن هذا الانخفاض لا يبدو نتيجة انتقال منظم ومدروس نحو وسائل نقل أكثر استدامة، بل يعكس في جزء منه اضطرار الأسر إلى تقليص تنقلاتها بسبب الكلفة. فحتى مؤسسة Wimoov تشير إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود يدفع الأسر محدودة الدخل إلى المفاضلة بين التنقل والغذاء والطاقة والتدفئة والصحة.

وتضع هذه الأرقام السياسة الفرنسية أمام اختبار اجتماعي صعب، خصوصاً مع استمرار الاعتماد على مساعدات مؤقتة وموجهة لبعض القطاعات بدلاً من معالجة أوسع لتأثير ارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية. وقد مددت الحكومة مساعدات الوقود حتى نهاية ديسمبر، بينما تشهد الساحة بالفعل احتجاجات ودعوات إلى التظاهر، مع تحركات لبحارة وصيادين وعمليات تعطيل لبعض مستودعات النفط، وسط استحضار واضح لذكريات احتجاجات «السترات الصفراء».
وبينما تحاول الحكومة احتواء الغضب بالإجراءات المؤقتة، تتسع الهوة بين تكلفة الحياة ودخل الأسر، وتتحول السيارة بالنسبة لشرائح متزايدة من المجتمع من وسيلة للعيش والعمل إلى عبء مالي يصعب تحمله. وإذا استمرت الضغوط على القدرة الشرائية والتنقل، فإن أزمة الوقود قد تصبح أحد أبرز العوامل المغذية لتوتر اجتماعي متصاعد في فرنسا خلال المرحلة المقبلة، من دون أن يعني ذلك أن انفجاراً اجتماعياً واسعاً أمر محسوم أو حتمي.



































