مقال رأي بقلم: أ. أبو عبد المعز
ملاحظة: الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر
بوابة الجزائر الإخبارية: وجد الانقلابي عاصيمي غويتا نفسه محاصرًا من كل الاتجاهات، بعد أن تهاوت أوهامه في حكم مالي بقبضة الحديد والنار.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بشعارات “السيادة الوطنية” و“التحرر من الاستعمار الجديد”، لم يجلب لبلاده سوى العزلة الدولية والانهيار الداخلي.
اليوم، وبعد أن خذلته حساباته، لم يجد أمامه سوى التودد إلى الولايات المتحدة، طالبًا العون بذريعة محاربة “القاعدة” و”الإرهاب”، في محاولة يائسة لإقناع واشنطن بأنه بات شريكًا يمكن إنقاذه.
لكن الواقع أعمق من مجرد تغيير في التحالفات، فمنذ توليه الحكم، دفع غويتا ببلاده إلى مسار مظلم من الفقر والمجاعة، فقد كانت مالي دولة فقيرة تسعى جاهدة للنهوض، لكنها اليوم أصبحت على حافة الانهيار التام: اقتصاد منهك، مؤسسات عاجزة، وخزينة شبه فارغة.

ومع ذلك، لم يتعلم الرجل شيئًا من دروس التاريخ، فبدل أن يمدّ يده لجيرانه، اختار افتعال الأزمات. دخل في توترات مع ساحل العاج ومع موريتانيا، ثم زاد الطين بلة عندما أغضب الجزائر، التي أغلقت حدودها ومجالها الجوي في وجهه، فخنقته سياسيًا واقتصاديًا وأمنياً.
هذا الحصار لم يكن مجرد إجراء حدودي، بل ضربة استراتيجية قطعت آخر شرايين الاتصال بين باماكو والعالم الخارجي، لتدخل البلاد في عزلة خانقة، ومع غياب أي رؤية اقتصادية أو سياسية، بدأ النظام العسكري يفقد السيطرة على الداخل: أزمة وقود لم يسبق لها مثيل في تاريخ مالي ، انهيار في أسعار المواد الغذائية، تفشي المجاعة، تراجع الخدمات، وفرار آلاف الماليين نحو الشمال والغرب بحثًا عن الأمان.


وفي خضم هذا الانهيار، برزت جبهة تحرير أزواد في الشمال، ومعها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، لتملآ الفراغ الأمني والسياسي، وتستعيدا مواقع استراتيجية كانت في قبضة الجيش، اليوم، لم تعد هاتان الجبهتان مجرد فصائل متمردة، بل قوتان منظمتان تتحكمان فعليًا في مساحات شاسعة من البلاد، وتقتربان بخطى ثابتة من العاصمة.
أما غويتا، فقد فقد كل ما تبقّى من أوراق. فحلفاؤه الروس مشغولون في حربهم في أوكرانيا، والغرب لا يثق به بعد أن انقلب على الديمقراطية، وجيرانه أغلقوا أبوابهم في وجهه. لم يبق أمامه سوى الهروب بنفسه من مشهدٍ صنعه بيده، بعد أن حوّل مالي من دولة فقيرة إلى دولة منهارة، تتنازعها الميليشيات والمجاعات والطموحات الانفصالية.

إن ما تعيشه مالي اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل انهيار منظومة كاملة بسبب حكمٍ عسكريٍ قصير النظر، تاه بين وهم القوة وحقيقة العزلة، وبين شعارات التحرر وأغلال التبعية الجديدة، وغويتا، الذي أراد أن يظهر كمنقذ للأمة، انتهى به الأمر أن يكون أخطر ما واجهته مالي في تاريخها الحديث.

























