بوابة الجزائر الإخبارية: ثلاثة مسارات متزامنة بدأت الجزائر تحريكها لإقامة موطئ قدم اقتصادي منظم في آسيا الوسطى: اتفاق تجاري تفضيلي، ولجنة حكومية مشتركة، ومجلس أعمال جزائري–أوزبكي. ويعكس هذا التحرك اتساع الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية خارج أسواقها التقليدية، ضمن توجه يقوده الرئيس عبد المجيد تبون لتحويل الحضور السياسي للبلاد إلى منافذ تجارية واستثمارية تخدم الصادرات الوطنية وتربط الجزائر بالأسواق الآسيوية الصاعدة.

وتستهدف المباحثات الجارية مع أوزبكستان بناء إطار مؤسسي دائم يسمح للمنتجات الجزائرية بدخول سوق تضم أكثر من 37 مليون مستهلك، مع إمكانية توظيف موقع طشقند بوصفها بوابة نحو جمهوريات آسيا الوسطى التي يتجاوز عدد سكانها مجتمعة 80 مليون نسمة، في مقابل فتح السوق الجزائرية والمجال الإفريقي أمام الاستثمارات والمنتجات الأوزبكية ذات الطابع الصناعي والإنتاجي.
وجاء الدفع الجديد خلال اجتماع عقد في 10 سبتمبر 2026 عبر تقنية التحاضر المرئي بين وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، ووزير الاستثمار والصناعة والتجارة الأوزبكي، لزيز قدرتوف، وخصص لدراسة فرص توسيع المبادلات والاستثمارات، وتحديد الآليات القادرة على إخراج العلاقة الاقتصادية من نطاق الاتصالات الدبلوماسية العامة إلى مرحلة التفاوض حول السلع والمشروعات.
وأكدت وزارة الاستثمار والصناعة والتجارة الأوزبكية، في بيان نشرته يوم 11 سبتمبر، أن المباحثات شملت اقتراح إبرام اتفاق تجاري تفضيلي، وإنشاء لجنة حكومية مشتركة، وتأسيس مجلس أعمال أوزبكي–جزائري، مع الاتفاق على مواصلة التنسيق لتحويل ما طُرح إلى مشروعات وآليات قابلة للتنفيذ.
ويكشف هذا المسار أن الجزائر لم تعد تكتفي بالترويج العام لمنتجاتها في الأسواق البعيدة، بل تتجه إلى بناء هندسة تجارية متكاملة تبدأ بخفض العوائق الجمركية، وتمر عبر تسوية الملفات التنظيمية واللوجستية، وتنتهي بربط المؤسسات والمصدرين والمستثمرين مباشرة. وهي مقاربة تعكس نضجًا واضحًا في إدارة التجارة الخارجية، لأنها توزع الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص بدل تحميل اللقاءات الوزارية وحدها مسؤولية إنتاج العقود.
غير أن الدقة تقتضي التأكيد أن الاتفاق التجاري التفضيلي لم يُوقَّع حتى الآن، وأن اللجنة الحكومية ومجلس الأعمال لا يزالان في طور الإنشاء. كما لم تُعلن قائمة المنتجات المستفيدة من التخفيضات الجمركية، ولا نسب الامتيازات وقواعد المنشأ والرزنامة المحددة للمفاوضات.
وتتمثل النتيجة المحققة حاليًا في الاتفاق السياسي والاقتصادي على فتح هذه المسارات الثلاثة، على أن يقاس نجاحها لاحقًا بتوقيع النصوص القانونية وتنصيب الهياكل وإطلاق أولى العمليات التجارية والاستثمارية الناتجة عنها.
ومن الجانب الجزائري، أكدت وكالة الأنباء الجزائرية أن اجتماع 10 سبتمبر أفضى إلى الاتفاق على إنشاء مجلس أعمال مشترك، يتولى تعزيز الاتصال المباشر بين المتعاملين الاقتصاديين، وتحديد فرص الاستثمار والشراكة، وتسهيل الانتقال من العلاقات الرسمية إلى العقود بين المؤسسات.
ويمثل المجلس المقترح أداة مهمة بالنسبة إلى الجزائر، لأن ضعف المبادلات الحالية لا يرتبط بالضرورة بغياب المنتجات القابلة للتصدير، بل بقلة معرفة المؤسسات بالسوق المقابلة، وغياب شبكات التوزيع، ومحدودية الاتصالات المصرفية واللوجستية، وعدم توافر قناة دائمة لمتابعة الصفقات منذ عرض المنتج إلى غاية التسليم والتحصيل.
وبذلك يمكن لمجلس الأعمال أن يؤدي دور غرفة عمليات تجارية مشتركة، من خلال إعداد قوائم المصدرين والمستوردين، وتنظيم لقاءات الأعمال، وتحديد احتياجات السوق، ومرافقة عمليات التسجيل والاعتماد، ومعالجة العقبات التي تظهر عند تنفيذ العقود.
ولا يبدأ هذا التقارب من نقطة الصفر؛ إذ سبق لوزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، أن بحث مع سفير أوزبكستان لدى الجزائر، منصورباك كيليشاف، في 5 ماي 2026، تنظيم معرض للمنتجات الجزائرية في أوزبكستان، وتأسيس مجلس أعمال مشترك، ودراسة إمكان إبرام اتفاق تجاري تفضيلي يمنح مزايا متبادلة للسلع المؤهلة.
لكن التطور المسجل خلال سبتمبر يتمثل في انتقال الملف من مشاورات بين الوزارة الجزائرية والسفارة الأوزبكية إلى مفاوضات مباشرة بين الوزيرين المشرفين على التجارة والاستثمار، مع توسيع التصور بإضافة لجنة حكومية مشتركة إلى البنية المؤسسية المقترحة.
وخلال أربعة أشهر فقط، انتقل الطرفان من استكشاف الفكرة إلى مناقشة الآليات اللازمة لتنفيذها. ويبرز هذا التسارع قدرة الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية على تحويل الاتصالات الأولية إلى مسارات تفاوضية، في انسجام مع توجيهات الرئيس تبون الرامية إلى توسيع قاعدة الشركاء وفتح أسواق جديدة أمام الإنتاج الوطني.
وتكشف بيانات التجارة المتاحة أن القاعدة الحالية للمبادلات محدودة للغاية. فبحسب أحدث البيانات المعروضة في مرصد التعقيد الاقتصادي، بلغت صادرات أوزبكستان إلى الجزائر نحو 302 ألف دولار، بينما لم تتجاوز وارداتها من الجزائر 11.7 ألف دولار.
ولا تعكس هذه الأرقام مستوى القدرات الاقتصادية للبلدين، بل تكشف أن العلاقة التجارية لم تُبن بعد على قنوات مستقرة. ولذلك لا تتعلق المفاوضات الراهنة بإدارة تدفقات كبيرة قائمة، وإنما بتأسيس سوق جديدة للمنتجات الجزائرية من نقطة انطلاق منخفضة جدًا.
ومن هذه الزاوية، تمنح محدودية المبادلات الجزائر فرصة لبناء العلاقة منذ البداية على أسس تخدم اقتصادها الجديد، بدل وراثة هيكل تجاري قديم قائم على تصدير المواد الأولية واستيراد المنتجات النهائية. ويمكن للجزائر أن تفاوض على قائمة تستند إلى القطاعات التي توسعت فيها طاقاتها الإنتاجية، مثل الأسمدة والبتروكيماويات والحديد والصلب والإسمنت والأدوية وبعض المنتجات الزراعية والغذائية.
ويكتسب الاتفاق التفضيلي المرتقب أهمية لأنه يستطيع منح السلع الجزائرية أفضلية سعرية عند دخول السوق الأوزبكية، من خلال خفض الرسوم أو إلغائها ضمن قوائم متفق عليها. كما يمكنه وضع قواعد واضحة للمنشأ، ومنع استفادة منتجات دول ثالثة من الامتيازات عبر إعادة التصدير، وتبسيط الإجراءات الجمركية والفنية.
غير أن نجاح الاتفاق لن يُقاس بعدد البنود أو بحفل توقيعه، بل بحجم الصادرات الإضافية التي ينتجها، وعدد المؤسسات التي تدخل السوق، وقيمة الاستثمارات المشتركة التي يطلقها. ومن ثم، ينبغي أن تُبنى القوائم التفضيلية على دراسة دقيقة للطلب الأوزبكي والقدرة التنافسية للمنتجات الجزائرية وكلفة إيصالها.
وتأتي الأسمدة في مقدمة الفرص المتاحة للجزائر، بالنظر إلى الطابع الزراعي للاقتصاد الأوزبكي وحاجته إلى مدخلات منتظمة لرفع الإنتاجية. وتملك الجزائر قاعدة قوية في إنتاج الأمونيا واليوريا، إلى جانب المشروعات الكبرى الرامية إلى رفع إنتاج الفوسفات والأسمدة المركبة.
ويمنح توافر الغاز والفوسفات والبنية الصناعية والموانئ الجزائر قدرة تنافسية في هذا المجال، ولا سيما إذا جرى الانتقال من تصدير الشحنات الفورية إلى عقود توريد دورية تحدد الكميات والأسعار والمواصفات ومواعيد التسليم.
ولا يقتصر الرهان الجزائري على بيع منتجات مرتبطة بالموارد الطبيعية؛ إذ تملك صناعة الأدوية فرصة مهمة للدخول إلى سوق أوزبكية تعمل بدورها على تطوير التصنيع وتقليص الاعتماد على الواردات النهائية. ويمكن أن يبدأ التعاون بتصدير الأدوية والمستلزمات، ثم يتطور إلى شراكات في الإنتاج والتوضيب والبحث والتكوين.
وتوفر الخبرة الجزائرية في تصنيع الأدوية الجنيسة، إلى جانب توسع المؤسسات العمومية والخاصة، أساسًا لبناء حضور في آسيا الوسطى. غير أن ذلك يبقى مشروطًا بتسجيل المنتجات لدى السلطات الأوزبكية، والاعتراف بالشهادات، واحترام المتطلبات الصحية، وإيجاد شركاء توزيع يمتلكون وصولًا فعليًا إلى السوق.
كما تستطيع الجزائر توجيه منتجات الحديد والصلب والإسمنت والمنتجات البتروكيماوية إلى مشروعات البنية التحتية والتوسع العمراني والصناعي في أوزبكستان. ويأتي ذلك في وقت ترتفع فيه قدرات الإنتاج الجزائرية مع توسع المركبات الحديدية والصلبية، وتطوير المناجم، وارتفاع الفوائض القابلة للتصدير من مواد البناء.
وتبرز هنا قيمة الرؤية الاقتصادية التي أرساها الرئيس تبون؛ إذ لم تعد الصادرات خارج المحروقات تُعامل باعتبارها نشاطًا هامشيًا، بل كامتداد مباشر لسياسة التصنيع. فكل مصنع جديد لا يُقاس فقط بقدرته على تغطية الطلب الداخلي، وإنما أيضًا بإمكان دخوله الأسواق الخارجية وتوليد العملة الصعبة.
ويمنح فتح السوق الأوزبكية لهذه المنتجات بعدًا إضافيًا؛ فالجزائر توسع توزيع صادراتها جغرافيًا، وتقلص ارتباطها بعدد محدود من الأسواق الأوروبية والمتوسطية، وتبني علاقات مع دول آسيوية تسجل نموًا في السكان والاستثمار والبنية التحتية.
وتبلغ أهمية أوزبكستان أبعد من سوقها الوطنية؛ فهي تقع في قلب آسيا الوسطى، وتتصل بكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأفغانستان، كما تنخرط في تطوير ممرات تجارية نحو الصين والقوقاز وتركيا والخليج.
وإذا نجحت المؤسسات الجزائرية في إقامة مخازن وشبكات توزيع وشراكات محلية في طشقند، يمكنها استخدام السوق الأوزبكية بوصفها قاعدة للتوسع نحو جمهوريات مجاورة، بدل إدارة كل سوق بصورة منفصلة انطلاقًا من الجزائر.
وبهذا المعنى، لا تتفاوض الجزائر على تبادل تجاري محدود مع دولة واحدة فقط، بل تختبر بوابة محتملة إلى كتلة إقليمية يزيد عدد سكانها على 80 مليون نسمة خارج أوزبكستان، فضلًا عن محيط أوسع يمتد إلى جنوب آسيا والصين والقوقاز.
وفي الاتجاه المقابل، تمتلك أوزبكستان قاعدة صناعية في المنسوجات والقطن والآلات الزراعية والصناعات الغذائية والمعدات الميكانيكية. غير أن المصلحة الجزائرية تقتضي توجيه التعاون نحو الاستثمار والتصنيع المشترك، بدل الاكتفاء باستيراد السلع النهائية.
ويمكن للشركات الأوزبكية المساهمة في مشروعات للآلات الزراعية وأنظمة الري والتحويل الغذائي والنسيج، ضمن شراكات تنتج داخل الجزائر وتوظف اليد العاملة المحلية وتنقل المعرفة، مع إمكانية توجيه جزء من الإنتاج إلى إفريقيا.
وتقدم الجزائر في هذا الجانب مزايا استراتيجية يصعب اختزالها في حجم سوقها الداخلية. فهي تجمع بين سوق وطنية تقارب 47 مليون مستهلك، وموقع متوسطي قريب من أوروبا، وواجهة على القارة الإفريقية، وعضوية في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
ومن ثم، فإن المؤسسة الأوزبكية التي تستثمر في الجزائر لا تدخل سوقًا محلية فحسب، بل تحصل على قاعدة محتملة للإنتاج والتوزيع نحو فضاء إفريقي يتجاوز 1.4 مليار نسمة، وفق قواعد المنشأ وشروط النفاذ المعمول بها.
ويمنح هذا التكامل المفاوض الجزائري موقعًا قويًا؛ فالجزائر لا تطلب منفذًا لصادراتها فقط، بل تعرض على أوزبكستان منصة صناعية وتجارية نحو إفريقيا والمتوسط. وهذا التوازن يسمح ببناء علاقة تقوم على تبادل المنافع والاستثمارات، لا على سوق جزائرية مفتوحة من طرف واحد.
وتنسجم هذه المقاربة مع إصلاحات الاستثمار التي قادها الرئيس تبون، من خلال استقرار الإطار القانوني، ورقمنة الإجراءات، وتفعيل الشبابيك الوحيدة، وإسناد تسيير العقار الاقتصادي إلى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار.
وقد أصبحت الأولوية موجهة إلى الاستثمارات التي تنتج محليًا، وتنقل التكنولوجيا، وتخلق الوظائف، وتقلص الواردات، وتفتح قنوات للتصدير. ولذلك يمكن للجنة الحكومية الجزائرية–الأوزبكية، إذا جرى تنصيبها، أن تتحول إلى أداة لاختيار المشروعات القابلة للإنجاز بدل الاكتفاء بإحصاء النوايا.
وستتولى هذه اللجنة، مبدئيًا، معالجة الملفات التي لا يستطيع مجلس الأعمال حسمها بمفرده، مثل الأنظمة الجمركية، والاعتراف بالمواصفات، وتسهيل التأشيرات، والنقل، والتمويل، والضمانات، وحماية الاستثمارات.
كما يمكنها إعداد برنامج زمني للتعاون، وتحديد الوزارات والمؤسسات المسؤولة عن كل ملف، ومتابعة مستوى التنفيذ دوريًا، بما يمنع بقاء الاتفاقات معلقة بين الإدارات.
ويبقى النقل التحدي الاقتصادي الأكثر تعقيدًا؛ إذ لا توجد حدود مشتركة بين البلدين، كما أن أوزبكستان واحدة من دولتين فقط في العالم توصفان بأنهما حبيستان بصورة مزدوجة، لأن جميع الدول المحيطة بها لا تملك بدورها منفذًا مباشرًا إلى المحيطات المفتوحة.
ولذلك ستعتمد تنافسية المنتجات الجزائرية على كلفة إيصالها إلى طشقند، وليس على سعر خروجها من المصنع فقط. وقد تفقد السلعة جزءًا من ميزتها الجمركية إذا كانت أجور النقل والتخزين والعبور مرتفعة أو آجال التسليم طويلة.
ويمكن دراسة مسارات تبدأ من الموانئ الجزائرية نحو تركيا أو موانئ مرتبطة بالقوقاز وبحر قزوين، ثم الانتقال بالسكك الحديدية أو الطرق نحو أوزبكستان. كما يمكن فحص الممرات الجنوبية عبر الخليج وإيران وتركمانستان، وفق طبيعة المنتج والكلفة والظروف التنظيمية.
لكن اختيار الطريق النهائي يحتاج إلى دراسات دقيقة تقارن بين المسافة وأجور الشحن والتأمين وعدد الحدود ونقاط إعادة التحميل ومدة التخليص الجمركي. كما يحتاج إلى اتفاقات مع شركات النقل وتوفير خطوط منتظمة، لأن المصدر لا يستطيع بناء سوق مستقرة اعتمادًا على ترتيبات لوجستية متقطعة.
وتبرز كذلك مسألة التمويل والدفع، بالنظر إلى محدودية الروابط المصرفية المباشرة بين البلدين. ولذلك يفترض أن تبحث اللجنة المشتركة آليات تسوية المعاملات، وضمان الصادرات، والاعتمادات المستندية، وتغطية مخاطر عدم الدفع وتقلب العملات.
كما ينبغي الاتفاق على تبادل المعلومات الجمركية، والاعتراف بشهادات المنشأ والمطابقة، وتنسيق المتطلبات الصحية والفنية. فخفض الرسوم لا يكفي إذا بقي المنتج ينتظر أشهرًا للحصول على الاعتماد أو واجه إجراءات لا يعرفها المصدر مسبقًا.
ويمكن لمعرض المنتجات الجزائرية المقترح تنظيمه في أوزبكستان أن يؤدي دورًا عمليًا في اختبار السوق. فبدل بناء قرارات التصدير على توقعات عامة، يسمح المعرض للمؤسسات بعرض منتجاتها أمام المستوردين والموزعين، والحصول على معلومات بشأن الأسعار والأذواق والمواصفات وحجم الطلب.
غير أن الطرفين لم يعلنا حتى الآن موعد المعرض أو عدد المؤسسات والقطاعات المشاركة. وسيكون من المهم ألا يتحول الحدث إلى واجهة بروتوكولية، بل أن يسبقه إعداد لقاءات أعمال وقوائم مشترين وبرنامج متابعة للصفقات المحتملة.
وتمثل المبادرات الثلاث، في مجموعها، هندسة متكاملة: الاتفاق التفضيلي يخفض كلفة دخول السلع، واللجنة الحكومية تعالج العراقيل التنظيمية واللوجستية، ومجلس الأعمال يحول الفرص إلى عقود. أما المعرض، فيعمل بوصفه منصة لاختبار المنتجات والوصول إلى المشترين.
ويعكس جمع هذه الأدوات في ملف واحد تطورًا في الدبلوماسية التجارية الجزائرية. فالبلاد لا تتحرك نحو أوزبكستان بصفقة معزولة، وإنما تسعى إلى تأسيس علاقة قابلة للنمو والاستمرار، تتوزع فيها المسؤوليات بين الدولة والمؤسسات.
وتكمن قوة التوجه في أن الجزائر تفاوض من موقع اقتصادي أكثر تنوعًا مما كان عليه خلال سنوات سابقة. فهي توسع إنتاج الأسمدة والصلب والإسمنت والأدوية والمنتجات الزراعية، وتستثمر في الموانئ والسكك والمناجم، وتعمل على رفع الصادرات خارج المحروقات.
كما أن السوق الجزائرية تحولت، بفضل الإصلاحات التي أطلقها الرئيس تبون، من مجرد منفذ للسلع الأجنبية إلى فضاء يطالب المستثمر بالإنتاج والإدماج ونقل التكنولوجيا. ولذلك تستطيع الجزائر استخدام قوتها الشرائية وموقعها الإفريقي لجذب شراكات تخدم التحول الصناعي الوطني.
ولا يزال الطريق بين الجزائر وطشقند في بدايته، لكن أهمية مباحثات سبتمبر تكمن في أنها وضعت للمرة الأولى إطارًا ثلاثيًا واضحًا للانتقال من علاقات محدودة إلى تعاون اقتصادي منظم.
وسيكون المؤشر الأول على التقدم هو إطلاق المفاوضات التقنية حول الاتفاق التفضيلي، وتحديد قائمة السلع وقواعد المنشأ ونسب الخفض الجمركي. أما المؤشر الثاني، فيتمثل في التنصيب الرسمي للجنة الحكومية ووضع رزنامة لاجتماعاتها.
ويتمثل المؤشر الثالث في إطلاق مجلس الأعمال بمشاركة مؤسسات تمتلك منتجات ومشروعات حقيقية، وليس بمجرد تمثيل شكلي. وبعد ذلك، سيقاس النجاح بقيمة العقود وحجم الصادرات وعدد الاستثمارات التي تدخل التنفيذ.
وعليه، لا تعني مباحثات 10 سبتمبر أن الجزائر بدأت بالفعل تصدير كميات كبيرة إلى أوزبكستان، لكنها تعلن انتقالًا نوعيًا في اتجاه سياستها التجارية. فالدولة التي ظلت علاقاتها الخارجية مركزة بدرجة كبيرة على أوروبا والمتوسط تمد اليوم جسورًا اقتصادية نحو قلب آسيا، وتبحث لمنتجاتها الوطنية عن أسواق جديدة قبل أن تتحول الطاقات الصناعية الجاري إنجازها إلى فوائض تحتاج إلى منافذ.
وإذا اكتملت الآليات المقترحة، ستحصل الجزائر على أكثر من اتفاق جمركي؛ ستؤسس ممرًا تجاريًا جديدًا نحو آسيا الوسطى، وتمنح شركاتها قاعدة للتوسع في أسواق صاعدة، وتؤكد أن دبلوماسيتها الاقتصادية أصبحت تتحرك وفق رؤية هجومية تبحث عن الفرصة ولا تنتظرها.
وفي المقابل، ستجد أوزبكستان في الجزائر شريكًا يملك الطاقة والصناعة والسوق والموقع، وبوابة موثوقة إلى إفريقيا والمتوسط. وهذه تحديدًا هي القيمة الاستراتيجية للتحرك الجزائري: تحويل وزن البلاد السياسي والجغرافي إلى نفوذ تجاري واستثماري، وترجمة إصلاحات الرئيس تبون إلى شراكات تنقل المنتج الجزائري من المصنع الوطني إلى أسواق لم يكن حاضرًا فيها من قبل


















