بوابة الجزائر الإخبارية: 20 إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز النيجيري يمكن أن تصل مستقبلًا إلى حاسي الرمل عبر الأنبوب العابر للصحراء، في الوقت الذي تستثمر فيه سوناطراك 2.3 مليار دولار لحماية قدرة الحقل نفسه على إنتاج 188 مليون متر مكعب يوميًا. ويجمع المساران على نقطة واحدة: الجزائر تعيد تأهيل العقدة التي تقوم عليها شبكتها الغازية قبل مرحلة قد تتوسع فيها وظيفة حاسي الرمل من مركز للإنتاج الوطني إلى منصة تستقبل وتعيد توزيع تدفقات غاز إضافية قادمة من عمق إفريقيا.

ويأتي مشروع تعزيز الضغط في حاسي الرمل في توقيت يتجاوز حاجات الحقل التشغيلية المباشرة.
فالجزائر تعمل بالتوازي على المحافظة على إنتاجها الوطني وتطوير ممرات جديدة للغاز، ما يجعل كفاءة حاسي الرمل واستمرارية منشآته عنصرًا أساسيًا في قدرة الشبكة على استيعاب أدوار أكبر خلال السنوات المقبلة.
ويستهدف مشروع «Boosting III – المرحلة الثانية» تعويض الانخفاض الطبيعي في ضغط المكمن والمحافظة على إنتاج يبلغ نحو 188 مليون متر مكعب يوميًا، إلى جانب استرجاع موارد إضافية تقدر بـ121 مليار متر مكعب من الغاز الجاف و7 ملايين طن من المكثفات و3 ملايين طن من غاز البترول المميع.
وتظهر أهمية هذه الكميات عندما توضع إلى جانب موقع حاسي الرمل داخل منظومة الطاقة الجزائرية.
فالحقل ليس مجرد نقطة إنتاج في الجنوب، بل محور تتقاطع فيه تدفقات الغاز قبل توجيهها نحو الاستهلاك المحلي أو شبكة التصدير.
وأي تراجع في قدرته على الإنتاج أو استقبال التدفقات أو تمريرها إلى وحدات المعالجة ينعكس على جزء واسع من السلسلة الغازية الوطنية.
ولهذا يشمل مشروع التعزيز تدخلًا واسعًا في بنية الحقل، يتجاوز تركيب ضواغط جديدة.
فالمشروع يضم ثلاثة طوابق ضغط في المحطات الوسطى والشمالية والجنوبية، و20 منظومة ضغط توربينية، وتحديث شبكة تجميع تتجاوز 300 كيلومتر من خطوط ربط الآبار، إضافة إلى وحدات لمعالجة المكثفات وإزالة الزئبق.
ويمثل دمج هذه المنشآت مع الشبكة الحالية أحد أهم تحديات التنفيذ، وهو ما يفسر أهمية عملية الربط التي كشفت عنها «سوناطراك نيوز» في عددها الصادر في 24 سبتمبر.
فقد أُنجزت أعمال «Tie-In» الخاصة بأحد أجزاء المشروع خلال أربعة أيام بدل 12 يومًا كانت مبرمجة، أي بتقليص ثمانية أيام من مدة التدخل.
ويكتسب هذا الاختصار قيمة تشغيلية لأن أعمال الربط داخل منشأة غازية قائمة تتطلب التحكم في توقيت الإيقاف وإعادة التشغيل والتنسيق بين الأنظمة الجديدة والأصول الموجودة، مع المحافظة على شروط السلامة.
ولا يشكل الإنجاز في أربعة أيام سوى جزء من مشروع أوسع يدخل تدريجيًا مرحلة التشغيل.
ووفق البرنامج المعلن، ينتظر تشغيل طابق الضغط بالمحطة الوسطى في أكتوبر 2026، ثم المحطة الشمالية في جانفي 2027، قبل دخول المحطة الجنوبية في أفريل 2027.
وتضع هذه الرزنامة مشروع حاسي الرمل على مسار موازٍ للتطور الذي يشهده مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء «TSGP».
ففي 4 جوان 2026، أطلقت الجزائر أشغال الشطر الوطني من الأنبوب بمنطقة أولف في ولاية أدرار، ضمن مشروع يستهدف نقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الشبكة الجزائرية.
وتحدد وزارة المحروقات القدرة المستهدفة للأنبوب عند 20 مليار متر مكعب سنويًا في مرحلة أولى، مع إمكانية بلوغ نحو 30 مليار متر مكعب وفق تطور المشروع والأسواق.
وتكمن إحدى أهم مزايا «TSGP» في أنه لا يحتاج إلى بناء منفذ مستقل عند وصوله إلى الجزائر، بل يعتمد على البنية الغازية الوطنية القائمة، وفي مقدمتها منظومة حاسي الرمل.
ومن هنا تلتقي الاستثمارات في المشروعين عند هدف واحد: رفع قدرة المنظومة الجزائرية على إدارة كميات كبيرة من الغاز والمحافظة على موثوقيتها على المدى الطويل.
فتعزيز الضغط يحمي التدفقات المنتجة محليًا، بينما يمكن للأنبوب العابر للصحراء أن يضيف مستقبلًا تدفقات خارجية إلى الشبكة نفسها.
ولا يعني ذلك أن حاسي الرمل يجري تطويره حصريًا من أجل الغاز النيجيري؛ فمشروع «Boosting III» مخصص أساسًا للمحافظة على إنتاج الحقل واسترجاع موارده.
لكن تزامن تأهيل الحقل مع توسع مشاريع الربط يرفع القيمة الاستراتيجية للاستثمار، لأن الأصول التي تُحدث اليوم ستعمل داخل منظومة قد تصبح أكبر وأكثر تعقيدًا خلال السنوات المقبلة.
كما أن الحفاظ على إنتاج حاسي الرمل يمنح الجزائر مرونة أكبر عند إدارة مزيج الإمدادات بين الطلب الوطني وعقود التصدير ومشاريع الربط المستقبلية.
وتبرز هنا قيمة الموارد الإضافية المستهدفة من المشروع.
فاسترجاع 121 مليار متر مكعب من الغاز الجاف يمثل رصيدًا تراكميًا كبيرًا يمكن أن يساهم في تمديد العمر الاقتصادي للحقل، في وقت تعمل فيه الجزائر على الحفاظ على مكانتها كمورد للسوق الأوروبية وفتح مسارات جديدة للطاقة الإفريقية.
ويعتمد نجاح هذا المسار على كفاءة الأصول لا على حجم الموارد وحده.
فالاحتياطيات الموجودة في باطن الأرض لا تتحول إلى عائدات ما لم تتوافر شبكة قادرة على استخراجها وضغطها ومعالجتها ونقلها بانتظام.
ولهذا يمثل عقد الـ2.3 مليار دولار استثمارًا في الحلقة التي تحدد قدرة حاسي الرمل على مواصلة أداء هذه الوظيفة.
وكان عقد الهندسة والتوريد والإنجاز قد أُبرم في 23 ماي 2024 مع تجمع تقوده «تكنيمونت» التابعة لمجموعة «ماير» إلى جانب «بيكر هيوز»، التي توفر منظومات الضغط والتوربينات الرئيسية.
وتوضح طبيعة المشروع حجم التحول التقني المطلوب في الحقل: وحدات ضغط جديدة، خطوط محدثة، تجهيزات معالجة إضافية ومنظومة تشغيل مهيأة للتعامل مع ضغط أقل في المكمن مع المحافظة على مستويات التدفق.
وبذلك، فإن القيمة الحقيقية للمشروع تتجاوز عملية تحديث صناعي منفصلة.
فالجزائر تعيد تأهيل واحد من أهم مفاصل شبكتها الغازية في الوقت نفسه الذي توسع فيه محاور الربط جنوبًا وشمالًا، من «TSGP» باتجاه نيجيريا والنيجر إلى مشاريع التصدير القائمة عبر المتوسط.
وعندما تبدأ طوابق الضغط الثلاثة دخول الخدمة تباعًا من أكتوبر 2026 إلى أفريل 2027، سيكون الرهان أبعد من المحافظة على رقم 188 مليون متر مكعب يوميًا.
فالهدف الأكبر هو إبقاء حاسي الرمل قادرًا على أداء وظيفته كقلب تشغيلي لمنظومة غازية جزائرية تتوسع في الإنتاج والنقل والربط الإقليمي، وتحضير بنيته لمرحلة يمكن أن تجتمع فيها تدفقات الحقول الوطنية مع موارد قادمة من عمق القارة قبل التوجه إلى الأسواق.














